recent
أخبار ساخنة

غيبوبة أشبه بالنوم

عزت عبد العزيز جازي
الصفحة الرئيسية




تغيب الشمس وتشرق، ولا نزال أحياء، وفقط نسير، ولا نتوقف عن السير، إلا إذا سقطنا نياماً، وقد عرفنا الطريق إلى امتصاص الندى من فوق أي نبات أخضر مع ساعات الفجر، وعن المياه ذاتها، فلم يك هناك ثمة أي علامات على وجودها قريبة، أو حتى احتمال وجودها، ولا يوجد حساباً للوقت، أو تقديراً للمسافات، فقط الإتجاه نحو الغرب الأخضر، ولا يفكر أحداً منا، أو يتساءل، عن متى نصل؟. بل ظللنا هائمين كالفراشات المنجذبة بحُكم الغريزة إلى الضوء، ويظل ضوؤنا في اتجاه القناة، رغم المنطق الذي يقول مؤيداً للواقع، بأننا أصبحنا من الضعف والتهالك بمكان، وبأننا نزداد كل يوم، بل كل ساعة، ضعفاً وتهالُكاً، ولن نتحمل أكثر مما تحملنا من الجوع والظمأ، فقد تشققت الشفاه والجباه والوجنات والأنوف، ولن تتحمل خلايانا الصبر على فقد المياه بأكثر مما فقدت فعلاً، ورغم ذلك. ظللنا نسير متقاربين وصامتين، وقد فقدت عضلاتنا الإحساس بالتعب، وبدأت الشمس في إلقاء لظاها على أجسادنا المرهقة، وأصبحت الرمال أكثر حرارة، وأقل تماسُكاً، وصار جهد نقل أرجلنا لخطوة واحدة عملية شاقة، نبذل فيها جهداً فوق قدرة الإحتمال، فنصبح أكثر تمهُلاً، وأقل انتظاما، تتأرجح خطواتنا ذات اليمين، وذات اليسار، ونحن نسير متشابكي الأيدي، كالسكارى بلا خمر، سُكر بيِّن، بما فيه من ترنُح وخيالات وأحلام يقظة. وفجأة. تتثاقل خطانا أكثر فأكثر، وكأننا لا نتحرك، بل الرمال هى التي تتحرك بنا وتدور، والصحراء حولنا صامتة كصمت القبور، حلوقنا لزجة، لم تعُد حلوقاً جافة، فقد مضت فترة الجفاف منذ ساعات طويلة، لزوجة كالغراء، تلصق اللسان في سقف الحلق، وتحول القصبة الهوائية إلى مجرد ماسورة، يتحرك خلالها الهواء ساخناَ وملتهباَ، فنفقد القدرة على النطق، وتتراخي أيادينا، وتضيع البندقية، ونروح نجر أرجلنا جراً، ومع كل خطوة، نتمنى أن نُقتل وينتهي خبرنا، فيسقط الجندي عواد، ينهار منكفئاً على وجهه، ساقيّه مثنيتين تحت جسده، يحرك رأسه، وتجحظ عيناه، شاخصتان في تضرع، وهو يحاول يائساً فتح فمه، كي يتكلم في رسالة تقول لنا في رجاء (لا أُريد أن أموت هنا يا أصدقائي، نعم أوافقكم، أنا لن أستطيع السير، ولكن، أرجوكم، ومن صميم قلبي، أن لا تتركوني هنا وحيداً منبوذاً، لا تتركوني هنا كالكلب، تأكلني الضباع، والنسور، والذئاب، لا تتركوني هنا، أزف إلى الموت بلا ثمن، بلا سبب، بلا صلاة على روحي، بلا جنازة، بلا عودة في نعش تمشي من خلفه أمي وخطيبتي، وكل أصدقائي وجيراني، وأحبائي، لا تتركوني هنا كالجسم الغريب المنبوذ، المشوه، وأنتم لا تفعلون شيئاً، فقط واجمون وصامتون، وتنظرون نحوي دون أدني اكتراث، أرجوكم، أرجوكم، ومن صميم قلبي، ألا تتركوني أموت هنا وحدي في العراء، وأصبح خبراً دفيناً، جثة هامدة وحيدة تزروها الرياح.). ولكن، سرعان ما يغمض الجندي عواد عينيه للأبد، ليموت في هدوء، دون ألم، ودون نزف للدماء، ودون دفن، إذ كيف يمكن لنا أن ننتظر أكثر؟. فكل ثانية في هذا القيظ تقصف سنوات من العمر، وتقربنا بخطوات واسعة من مصير الجندي عواد البائس.

تميل الشمس في اتجاه الغرب الأخضر، وفي مواجهتنا، تلوح عند الأفق نباتات شيطانية، فينبثق في نفوسنا أمل جديد، وعلى أول شجيرة، يلقي العجوز برأسه، أسفل الوريقات الحارة، ليستظل ظلاً لا يتجاوز أم رأسه، فأحذو والجندي شريف حذوه، ثم نروح معاً في غيبوبة أشبه بالنوم، أو نوم أشبه بالغيبوبة، وعندما نعود من غفوتنا، يبدو الجو بارداً، أو هكذا خُيل لنا من ضعفنا، وافتقادنا للطاقة، والقمر في السماء يلقي بأشعته، بلا مبالاة لنا، على جدران ليل الصحراء البهيم، فيعطيها لوناً كبريق الذهب.

أجلس وأشعل سيجارة، وكذلك يفعل الجُندي شريف، وبعد قليل. أنظر حولي، فأجد العجوز، وقد جحظت عيناه، ونظرته نفس نظرة الجندي عواد قبل موته بدقائق، تلك النظرة المطحونة الراجية، التي نظر بها إلينا، وبيد مرتعشة أخذ العجوز يشير إلى أزرار بنطلونه، فأقوم بحل الأزرار، فيشير إلى الزمزمية الفارغة المعلقة بنطاقي، فأنتزع الزمزمية، وأقلبها كي يرى أنها فارغة.  

يثبت العجوز نظرة رجاء ضارعة إلى غطاء الزمزمية، فأمد يدي به، فيتناول الغطاء، يحاول محاولات مستميتة التبول فيه، ولكن. لا توجد غير قطرات لزجة ذات رائحة نفاذة في لون العسل الأسود.

من أجواء روايتي "الأنياب الباردة" الصادرة عن دار نشر "ديوان العرب" عام 2024
author-img
عزت عبد العزيز جازي

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent