الرهان

عزت عبد العزيز حجازي - المُحامي
الصفحة الرئيسية


تنام ظلمة القبرعلي كل البيوت؛ تدور الجوزة؛ دورة ثم دورة ثم دورة؛ تدوخ وترتمي بالقرب منهم هامدة؛ بعدها لا بدستور؛ ولا حتي إحم: أراكم جوعى؛ شاحبي الوجوه.

في نفس واحد: وماذا بعد؟

-بمقدوري إحضار عشاءكم من غيط الحوض القبلي؛ وليكن ما يكون.

بعبوس ملفوف برنة الضحكات الرفيعة والخشنة لجوقة المساطيل: عشرة جنيهات منا؛ لجنيه واحد منك؛ إن فعلت يا بطل.

أدفس قدمي الخفية في مجرى القناة الضيق؛ الطولي؛ أنزلق بتؤدة ناسك؛ أولج حقول الذرة المورقة؛ المغمورة بالعتمة.

تبدو الأطياف؛ الخيالات؛ الرؤى؛ كغابة استوائية بلا ضفاف؛ كثيفة الظلال؛ عميقة الوحشة. رحيبة القتامة.

عند خط المنتصف القريب من متاهات القبور؛ أزيح عن مسامات وجهي نتح العرق الساخن؛ لطم حراشيف الأوراق السخية لكيزان الذرة على عيدانها الخيزران السامقة.

على حين غرة؛ ينقض صوبي من الأقاصي سديم روح هائم؛ يولول بدوي دقات طبول حرب؛ أو أشد وقعاً؛ عوئ ذئاب هائمة؛ نباح كلاب ضالة؛ عراك ديوك؛ قأقأة دجاج؛ صهيل أفراس؛ أصوات دق هون؛ وشيش وابور كاز؛ وقع بلدوزورات؛ جنازير دبابات؛ أزيز طائرات؛ إنفجار قنابل؛ هدير مدافع؛ صفير دانات؛ تهشيم عظام؛ عواديد نسوة نائحات؛ مولولات؛ على أعتاب أحواش قبور؛ أصوات مبحوحه تسنغيث؛ وتشهق شهقات موت.

أتسمر في مكاني كشاهد رخامي فوق قبر عتيد؛ أتذكر وصايا جدي لأبي عن المارد والغول والنداهة وأبو رجل مسلوخة وشيخ البحر وجنية الماء المسحورة والجن والعفاريت والنداهات بالدور المهجورة والخرابات المسكونة؛ والخلاءات المعتومة؛ مباغِتاً بإشعال عود ثقابي الأول.

بين صاخب ومسكوت؛ وامض ومعتوم؛ يتتالى إشعال أعواد ثقابي؛ وبعد قليل؛ أو كثير؛ لا أدري؛ أراه يحدق صوبي من شق معتم؛ بعينين تقدحان كالزند شرر؛ وتتسعان علي ما يبدو لابتلاعي؛ وابتلاع كل أحياء الكرة الأرضية.

أتقدم بخطوات وئيدة؛ أغوص في وسية الدهشه؛ أبعدية الذهول؛ لا يرهبني طقطقة شعر راسي المخلوط بالبياض؛ مستأنفاً بإرادة لا تلين جر خطواتي الثقيلة إلى النصف الآخر من خط الممر؛ ولوجاً إلى المربع الذهبي؛ المسيج بأدغال لهاث أنفاسي الساخنه.

أقطف بروية بعض الثمار الحمراء اللامعة؛ تغمرني الظلال الداكنه؛ الخيالات الشاخصة؛ حمى نزف الأسئله؛ تحدي قبول احتمالات المواجهه التاليه؛ مدشناً بالغنيمه في حجر قميصي المهلهل.

أفر كالسهم من ذات حقل الذرة؛ فلا طريق آخر للعودة أعرفه؛ وبلا التفاتة؛ يمنة؛ أو يسرة؛ تحتويني أخيراً أبسطة حقول الغله؛ قبة السماء الشاسعة؛ بنجومها الساهرة التي تتغامز فيما بينها بعيون كعيون الشياطين؛ ترسل ومضاتها القصيرة؛ اللاهية؛ يدغدغ سمعي علي البعد نباح الكلاب الضالة؛ عواء الذئاب الهائمة؛ أصداء لحون مبهمه.

ما بين مصدق وغير مصدق؛ أصوب نظرة صقر؛ تحط عند خط الأفق الغائم؛ محتضناً قيمة رهاني؛ وثمرة متوهجة باللون الدامي؛ العتيق؛ ألوكها في فمي بنهم؛ وبتلذذ مقيت.

 

author-img
عزت عبد العزيز حجازي - المُحامي

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent