مصر .. وظل الدبابة

عزت عبد العزيز حجازي - المُحامي
الصفحة الرئيسية



إثنان لم يفهما مصر (السائح الخليجي والعسكري الكاكي.) السائح الخليجي تصورها مجرد غانية؛ عارية الصدر والساقين؛ تجلس تحت شمس أبي الهول تشرب الويسكي؛ ثم تذهب في المساء إلى نايت كلوب؛ وتنام في أي مكان؛ مع أي شخص.

والكاكي نظر إليها من داخل الدبابة؛ فلم يشاهد غير ماسورة المدفع. فالمشهد من داخل الدبابة يغري بمحو الصور والأشياء والأشخاص.. وكلما خرج إدريس يبحث عن جنته الضائعة. يسأله الكاكي (من أنت؟). فيبتسم إدريس؛ ولا يجب. فيجرده الكاكي من ثيابه وكتبه وقلمه وهاتفه. وذات مساء مرت ام كلثوم بجوار الأوبرا التي تسربت من بين حيطانها المشققة تراتيل خائفة؛ موجوعة. فأوقعها الكاكي؛ وطلب منها إذن المرور. فقدمت (مصر تتحدث عن نفسها)؛ وكذلك منديلها الوردي. فحطم الكاكي شريط الأغنية. ومزق المنديل. ثم قطع رأسها؛ وهو يقول (الآن صرت تستحقين أن تكوني مواطنة صالحة.). وفجأة؛ تحول الأفق كله إلى عالم كبير؛ فضاع الكاكي بين سطور مكتوبه باللون الأخضر. ولحن أغنية كانت ملائكية. وانفجر الغضب؛ وسقط ظل الدبابة. وصرخ الكاكي (إحبسوا كل النار ليتبدد خوفي. ضعوا مصر في قبو؛ وقيدوها بالسلاسل.).

كانت الهتافات تزمجر كأنها تحاول أن تزحف على كل شبر لتحمي من في أقبية وزنازين الظلام؛ الذين يريدون الخبز والحرية والعدالة.. وذهب الكاكي إلى الميادين؛ فلم يشاهد الجدران التى ترتجف من البرد والعتمة. لم يلمح الكهنة الذين أغلقوا أبواب المساجد. والمصلين الذين سجدوا في جوف الظلام؛ ومشاعل النيران. 
كان يريد أن يصعد بالدبابة إلى الأعمدة. لكن الحجارة الكبيرة وهتافات الجموع منعاه. فنزل من الدبابة؛ واقتحم الميادين التي كان مكتوبا على منافذها (إعرف نفسك). ومثل الملوك القدامى راح الكاكي يسأل العرافات (ما هو مستقبلي؟).  فغطت كبيرة العرافات وجهها بالوشاح الأسود؛ وقالت له (أنصحك بالذهاب إلى صاحب البيت الأبيض؛ إنه يعرف مستقبلك أكثر مني. فهو العراب؛ والعراف الحديث.) وحين عاد الكاكي إلى الدبابة؛ سمع هدير الحناجر من الميادين؛ فأسرع يطلق النار في كل الإتجاهات. تلك الليلة؛ والليالي التالية. ومذاك لم تنم مصر. بل وقفت في الظلمة تسمع صوت الأغنية الطالعة من الأحراش والتاريخ والحجارة. بعدما نبتت للحروف والأغنيات أسنان. ولأفواه الجموع فوهات بنادق.  وعرف السائح الخليجي أن مصر ليست مجرد مدينة يباع فيها اللحم والتاريخ والنبيذ.
أما الكاكي فقد ظل يصوب ماسورة مدفعه على الحرف والأغنية. ولم يدرك أن مصر الآن هى التي تحاصر الدبابة!!!!

author-img
عزت عبد العزيز حجازي - المُحامي

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent