الرجل الذي يبكي أمام البنك

عزت عبد العزيز حجازي - المُحامي
الصفحة الرئيسية


يجلس أمام البنك؛ يتكوم عند بابه الكبير المدجج بالحراس والنظرات ومشاعر الإرتياب؛ يضم ركبتيه؛ يحيط  وجهه بيديه؛ وكل عضلات كتفيه تنقبض وتنبسط وتنتفض؛ من يقترب منه يسمع حفيف تأوهات مَحمومة؛ متتابعة؛ يحس نحيباً مشروخاً لا ينقطع؛ كأنه يعاني صفعات على وجهه؛ ركلات في مؤخرته؛ مظهره لا يزيد على متشرد؛ لا يقل عن عاطل يلزمه لدواعي الأمن مَحضر تَحر؛ حيث لا أدنى صلة له بهذا المكان الذي اختاره ليبكي على بابه؛ مع أن مدخل هذا البنك أو غيره؛ ليس بالمكان المناسب الذي يفجر فيه الإنسان عواطفه؛ ويمسح بدموعه مدخله الرخامي.

وبصراحة لم يكن مظهره الباكي عند الباب الكبير شيئاً لائقاً؛ فهو ومهما بكى لا يزيد على نقطة زاحفة من طابور نمل؛ خدش على جدار بالوعة مظلمة. إن جلوسه أمام البنك؛ يعَد في حد ذاته شيئاً غريباً؛ عجيباً؛ لفت أنظار العملاء؛ وفضول المارة؛ وألهب قلق رجال الأمن؛ فالحكاية ليست ناقصة؛ وأخبار السطو الملياري ما زالت مشتعلة رغم الثورة؛ وكل مياه التبريد؛ وكافة مواد الإحتباس الحراري.

الساعة كانت حوالي الثانية بعد الظهر؛ وقت الشمس الحارقة؛ وضوضاء حركة المرور الهادرة أمام البنك؛ ورغم كل هذا لم يتوقف عن ممارسة حقه في البكاء أمام البنك؛ وليس عند ضريح السيدة زينب؛ أو ناحية قرافات باب الوزير.

لم يكن مهماً في البداية؛ ولكن حين ازدحمت أنظار المارة حوله؛ وتمهل العملاء في سيرهم بجانبه؛ بدأ رجال الأمن وجند الحراسة في الإستعداد والتأهب؛ خاصة بعد أن تأكدوا أنه لا يحمل سلاحاً؛ لا يملك إلا الدموع.

وفي القاعة الكبرى المكيفة ينعقد اجتماع يضم كبار الإدارة ورجال التفتيش والمراقبة بعد أن ظلوا يختلسون النظر إليه عبر النوافذ العالية؛ ولا شك كما أرى أنهم أبلغوا سلطات الأمن أخبار هذا الخطر الذي يبكي أمام أبواب البنك.

أحد المارة يغمغم؛ وهو يرقب في دهشة مشهده الباكي؛ ويهمس في سره: لعل هذا المسكين يتعرض لأزمة مالية؛ وأتى سعياً إلى قرض؛ لا يزيد على بضعة جنيهات؛ ولما وصل ولم يجد إلا ركلات الرفض بسبب هزاله المالي؛ وضعف كيانه؛ فصعبت عليه نفسه؛ فاضطر أن يبكي.

يمضي المار؛ وقبل أن ينعطف نحو اليمين عند الناصية؛ يستدير نحو الرجل الباكي ليراه من زاوية بعيدة. وهو يردد: وربما هو متسول؛ ظن أن مال البنوك السائب؛ لن يضِن عليه بشئ لله؛ باعتبار أن الحسنة القليلة يمكن أن تمنع بلاوي كتيرة؛ ومع ذلك منعوه من دخول البنك؛ وتركوا له حـرية البكاء عند أبوابه.

بالمصادفة يخرج صحفي من البنك حاملاً جريدة تتحدث في صفحتها الأولىَ عن أزمة القروض؛ ومأساة التعثر؛ ومشكلة ضياع الديون؛ وكلام كثير قاله كبير البنوك حول هذه الظواهر التي تحدث في كل زمان ومكان؛ والتى يكفي أن مثلها قد حدث أيام الفراعنة؛ وظهرت تفاصيله باللغة الهيروغليفية على جدران المعابد؛ وقمة المسلات؛ ومؤخرة أبو الهول؛ وأن الوضع المالي تحت السيطرة. والدليل أن الناس لم تمت جوعاً؛ فما زالت طوابيرها العامرة تمتد أمام أكشاك العيش في تكاتف اجتماعي رائع.

يتوقف الصحفي أمام مشهد الرجل الباكي؛ يتأمل في حيرة تكومه البائس؛ يسمع حرارة نحيبه؛ يسأل عن الحكاية؛ يخبره رجل بدين من رجال الأمن: إن الرجل لا شك مجنون؛ لأن ما يفعله الآن أمام البنك؛ لم يحدث من قبل؛ ليس له مثيل.

-ولِمَ لا تقل أن ما جعل هذا الرجل يأتي اليوم؛ ليبكي أمام البنك هو حزنه الشديد على بلايين البنك التى انتهت عند مطارات بعيدة؛ غريبة.

-ولِمَ يفعل ذلك؛ وهى أساساً ليست أموال أبيه؛ ولا صلة له بها من بعيد؛ أو قريب.

-كيف هذا وهو..

-ولِمَ لا تقول ايها السيد أنه يبكي لسبب آخر ليس مهماً في حد ذاته؛ ولكنه كاف لتذكيره بفشله في الحياة؛ بمتاعبه؛ بوضعه التافه في زحام المجتمع والناس.

يتطلع الصحفي إلى رجل الأمن البدين؛ الذي جمدت ملامحه؛ وتجهم وجهه؛ ويقول في همس دون أن يرفع عينيه عن الرجل الذي ما زال يبكي: ولم لا تقول أنه يبكي بسبب شخص سأله صباح اليوم: كيف حالك؟ فتذكر حكاية القروض والديون؛ وتنبه لأيام طفولته؛ ظروفه؛ حاضره؛ مستقبله؛ وراح يستعرض كل الأشياء؛ كل حياته التي تخلو من ضحكة صافية واحدة.

يضحك رجل الأمن؛ يهتز بدنه البدين؛ وهو يتلمس في حذر مكان سلاحه المعلق.

ورغم كل هذا وذاك؛ فما زال الرجل يبكي عند الباب الكبير؛ يحتوي رأسه بين يديه؛ وجسده ينتفض في تشنجات متلاحقة؛ وآنات خافتة؛ كطفل يتيم؛ ضاع تحت أقدام جموع تمضي في كافة الإتجاهات؛؛ بينما يرزح فوقه بناء البنك بكل طوابقه التي تحوي أقساماً للتفتيش والمتابعة؛ ولجاناً للمعاينة والمراجعة؛ وفروعاً للعمليات؛ ومكاتب للتحقيقات والمعايير الحسابية؛ وأشياء أخرى كثيرة عديدة جعلت البناء مع الوقت يعلو؛ يتسع؛ يتفرع؛ يتراكم فوق رأسه؛ حتى صِار بالكاد يستطيع التنفس؛ يحتفظ بقدرته على البكاء تحت أجهزة تكييف تَطِنْ فوقه؛ وتنز قطرات ماء تتساقط فوق رأسه؛ وعلى سواد الأسفلت طوابق تعلق فوق رأسك إلى ارتفاع لا نهاية له؛ وفوقها تمرق طائرات تبتعد وتختفي بين طيات سحاب؛ وسحاب.

تأتي الإشارة بالهجوم؛ الأوامر بالإنقضاض؛ على الفور يتم حِصار الرجل الباكي؛ يتقدم نحوه رجال الأمن وجند الحراسة بالأسلحة والهراوات وأجهزة الإتصال في حذر مشوب بالشدة والإصرار؛ يلقون به داخل سيارة سوداء؛ يقرفص داخلها بعينيه المطفأتين بقطرات دموع مالحة لا تجف؛ يحدق إلى لمعان أحذية ثقيلة؛ تتطلع إلى بناية البنك الشاهقة؛ إلى هدير الناس: نمل يسير في منعرجات طرقه ومنحنياته من حيث لا يدري أحد؛ تتحرك السيارة بعد أن تصدر عويلاً؛ وتبقى الكومة التي تبكي؛ تتضاءل في البعد شيئاً فشيئاً حتى يغيبها الزحام والغبار والقيظ.

 

author-img
عزت عبد العزيز حجازي - المُحامي

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent