الشبح

عزت عبد العزيز حجازي - المُحامي
الصفحة الرئيسية


كشرارة ضئيلة من الحياة؛ والليل ساكن لا يكشف سراً؛ ولا خبراً؛ يكفنه الظلام؛ وتتوالى جدرانه السوداء؛ تلفحه لسعة برد لا تمت إلى زمن؛ تصحبها نسمات لينة؛ وحفيف شجيرات؛ وروائح موت؛ وكثبان رمال؛ وأشكال غامضة؛ وأشباح مظلمة؛ وهسيس صراصير وجنادب ونحل تجوس خلال الأعشاب؛ ودوي أنفاس وآنين وفزع. وفي وسط كل ذلك؛ لا سميع؛ لا مجيب. وعلى البعد  عواء ذئاب؛ نباح كلاب. وفي الإثر؛ قشعريرة في جسدي؛ ولكن (لا؛ لن أخاف؛ فأنا في عمر يقدر على مصارعة غوائل الخطر؛ حتى وإن تشقق صدر الأرض؛ أو تدحرجت في جب مظلم؛ عميق؛ أو تلبسني جن الخوف). وعن يساري بدت تباب وتلول وهضاب متباينة الإرتفاع؛ هائلة؛ معتمة؛ متجمدة.

إنحرفت إلى اليسار؛ ثم رفعت رأسي إلى السوداء العالية؛ فبدت النجوم تشفق عليّ؛ على جندي محروسي وحيد؛ وتحرس كون بري نائم؛ وهى تتغامز فيما بينها بعيون تشيه عيون الشياطين؛ وترسل ومضات قصيرة.

كان الصمت باتراً؛ إلا من وسوسة هنا أو هناك؛ وبدا المدق في حالة هبوط؛ وأنا لا أحيد ببصري عن جادة المدق؛ لهاث أنفاس كالهدير؛ يهتز ضوء كشافي؛ ينقطع؛ أبسمل؛ أحوقل؛ أتشهد؛ أتمتم بالمعوذتين؛ بالكرسي. ظلام كثيف؛ تتوالى جدرانه السوداء؛ ضباب رائق؛ شبح يقترب مني؛ كأنه قطعه من الليل؛ أتمتم كدأبي معه: يا إلهي المنقذ؛ الرحيم؛ أغثني كما تغثني في كل مرة. وكالعادة؛ أتسمر كالوتد؛ يتنطط فلبي؛ كدجاجة بيد جزار مدرّب؛ أبصق في عبي؛ أردد مرتين أشتاتاً أشتوت؛ أفرك عينيّ؛ أقبض على زمام قلبي؛ ثم على خنجري بقوة؛ ولا أدري لماذا الثانية؛ فلن يجدي مع صورته الحقيقية؟.

يقترب الشبح أكثر؛ ينسحب الدم من عروقي؛ ينعقد لساني؛ يرتج صوتي؛ تخونني الحروف والألفاظ؛ تشنق المعاني؛ يدهمني الخوف؛ كعفار يهب من جبل؛ تدهسني عجلات لوريات كبيرة؛ سيارات ضخمة؛ جرارات ذات عجلات هائلة تلصقني بأسفلت طرق أسفلتيه؛ ملتوية؛ تمتد نحو الأبدية.

يقترب الشبح أكثر وأكثر؛ ينخلع قلبي؛ يسقط بجواري؛ تغيم نجومي؛ أسقط في بئر؛ أدخل إلى مبني ضخم؛ عيناي معصوبتان؛ ولكن؛ أرى من ثقب دبوس؛ وأنا بداخل جدران عالية؛ خانقة؛ وكأن الدنيا ظلال على شبكية العين؛ وأنا سجين فيها؛ إن حاولت هدم سجن؛ ينبت سجن آخر؛ وثاني؛ وثالث؛ ورابع؛ وأنا مربوط من عنقي إلى سلاسل حديدية؛ والسجان يجرني إلى سجنه الجديد؛ وفي الطريق؛ أسمع دق طبل بعيد؛ عيناي زائغتان؛ أتمنى لو أحتوي كل من يمر بي؛ وأنا أعبر أسوار مملكة الموت؛ مشدود برباط الهلاك؛ أزعق على ناس المحروسة؛ طالباً منهم إعادة النظر في أمري؛ وأن يعلموا أني لست بجندي جبان؛ ولكني جندي آليف؛ وديع؛ مطيع؛ حسب مواصفات المرحلة؛ وأني على بعد عدة خطوات؛ بعد مسافة زمنية معينة؛ ربما لن أفتح عينايّ أبدا؛ تضيع مني كل المعالم؛ الأشياء؛ التفاصيل؛ ما من منقذ؛ ما من مجيب؛ ما من معجزة مأمولة؛ حيث كل ما أراه وأسمعه  يجسد رعباً؛ يجدل سوطاً؛ يسوقني وآلاف من الجنود إلى مصير لا يفصح عن نفسه؛ ينفيني في عراء الكون؛ وأنا معصوب العينين؛ يطرحنى كأسير فوق ظهري؛ يجمدني كحجر على شكل تمثال؛ تسمرت قدميه في الأرض؛ وثبتت ذراعاه على جانب بالحديد والأسمنت؛ والفخذان أصبحتا من الرخام؛ وكل فخذ شدّ إلى ناحية؛ ودق في كل قدم مسمار كالمصلوب.

أفرك عيناي من جديد؛ أوسعهما؛ يقترب الشبح أكثر؛ لا تبدو له ملامح محددة؛ ليس بإنسان؛ ولا بحيوان؛ يخرج أصواتاً كأنها طنين مدينة من النحل؛ ويزداد طولاً.

أفرك عيناي أكثر؛ أبسمل؛ أحوقل؛ أتشهد؛ أستعيذ بالله من شياطين الأرض والسماء؛ ولكن الشبح لا يختفي؛ بل يظل منتصباً؛ يصدر أصواته المنكرة؛ ويتقدم نحوي ببطء شديد؛ وأروح أفكر (ليتني تعلمت من شيخ القرية بعض تعاويذ وتمتمات انصراف الجن؛ ذلك الشيخ الذي يستطيع تحريك قوالب الطوب؛ وكسر الصيني والفناجين؛ وإعادتها من جديد. والذي يفتح بيته لمن يقصده في حاجة أو فتوى أو شفاعة أو مظلمة أو ملمة.والذي لم يكن يأذن لأحد أن يتكلم في مجلسه بغير أحاديث العلم والعقيدة وفقه الدين وسير الرسول عليه الصلاة والسلام وآل البيت والصحابة والتابعين والسلف الصالح.

تصطك أسناني؛ فالخوف كالموت؛ كائن عضوي من لحم ودم؛ يتجسد أمامي على شكل شبح مشوه؛ رأسه يشبه رأس إنسان؛ وجسده يشبه جسد قرد.. رأسه عارٍ؛ حليق؛ أملس؛ وصدره غابة شعر؛ وإليتيه كرأسه عاريتين؛ ملساوتين؛ تشف بشرتهما عن لون الدم المحتقن؛ وشفتيه حمراوتين؛ منفرجتين؛ يظهر بينهما لسانه الطويل؛ الحاد؛ كنصل أبيض له حافة معدنية صلبة؛ وفي نهايته ثقب مظلم؛ يكمن فيه الموت. هو جن أزرق شرير ولا شك؛ لا جن أحمر طيب؛ يأتي بالأشياء وأطايب الطعام؛ كما أخبر شيخ القرية ذات يوم أغبر؛ حملاني فيه أبي وأمي إليه بعد أن ظنا (لعفرتتي) أن بي مساً من الجن؛ أو لمسة أرضية لا شفاء منها.

أصرخ صرخة مكتومة؛ لو بلغت جبل قاف لشطرته نصفين. وأسدل جفناي فوق الرعب الزاحف إلى حلقي خلال القناة الدمعية التي تصل العين بالأنف. الرعب يتكور كالغصّة؛ يشد عضلات حلقي؛ فأبصقه بكل قوتي؛ فينبعث من فمي وأنفي وأذنيّ خيوط رفيعة (كالنافورة) من الدم.

أحاول تلاوة بعض الأدعية التي لا يطاوعني الإرتعاش على قولها؛ ولكن: (ليت شبحي يرحمني فيختفي عني في سابع أرض؛ أو ليته كان على صورة إنسان؛ أو حيوان؛ فأقتله بخنجري).

يتقدم الشبح أكثر وأكثر؛ فأحاول الرجوع للخلف؛ ولكن قدماي مثبتتان في الأرض؛ وينسحب من عروقي ما تبقى من دم؛ وأحس باندفاع موجه من (الأدرينالين) في جسمي؛ وتلهث أنفاسي؛ والوخز يفرش صدري؛ في الوقت الذي يزداد فيه الشبح طولاً؛ ويصبح كمأذنة؛ فتتعثر دقات قلبي؛ وأفرك عيناي؛ وبدا القلب ضنين بما يدفعه من دم إلى سائر جسدي؛ إنها بدايات غثيانإذاً؛ أو لحظات ما قبل القئ؛ حيث الجسم يفرغ من الروح؛ والصرخة في أعماقي؛ لو انطلقت من عقالها لجمدت ماء المحيط.

أنطق التشهد. ولا يزال الشبح يجئ؛ سالكاً ممرات وعرة إلى روحي؛ وتشع عيناه بوميض غريب؛ مخيف (هو غول ولا ريب؛ كا الذي رآه عمر بن الخطاب رضى الله عنه في بعض أسفاره إلى الشام؛ وأن الغول كانت تتحول له؛ وأنه ضربها بسيفه؛ وذلك قبل ظهور الإسلام).

تلين حولي الموجودات؛ فأتلفت؛ وبدا اليقين أني قد أرحل بعد ثوان؛ وأن الموت سيتم في اللحظات التالية؛ وأني سأغمض عيناي ولن أفتحهما قط. ماض أنا إلى مجهول (حقاً؛ إن الإنسان خلق هلوعاً).

أوقن أنني مدرك حتى لو لجأت إلى حصون مستعصية؛ أو بروج مشيدة. ويبدأ انهيار بطئ لا صوت له؛ هدير خافت؛ وحلقات غير مرئية تدور داخل رأسي؛ وتحكم الحصار حول روحي؛ ولا تجد من يجهز عليها في ضربة مختصرة واحدة. والليل يثقل عليّ؛ والنهار قد يجئ؛ وقد لا يجئ؛ واللسان ينعقد؛ والصوت يرتج؛ والحروف والمعاني تخونني؛ والخوف يدهمني كعفار يهب من جبل: (ليت أحداً يدلني على شئ يهون الأمر فيهون).

في هلعي المكبوت؛ أود لو أخرج من أسر جلدي؛ أزرع لساناً من لهب؛ أصهر سواد السماء والنجوم؛ أحجب الكواكب البعيدة؛ ولكن (في البدء والمنتهى أنا رجل؛ حتى وإن كنت من فصيلة القطط الآليفة؛ الوديعة؛ المطيعة. أو حتى من فصيلة قطط الغابة؛ وما كل تلك اللحظات من المعاناة؛ إلا مقدمات لما أنا مقبل عليه؛ شئت؛ أم أبيت؛ فلابد إذاً من شد عودي؛ إنصهار قلبي حجر صوان؛ وإلا فالضياع وشيك).

أجوب ببصري الأرجاء؛ أدقق؛ أتمعن؛ أتذكر ما قالته جدتي ذات يوم؛ بأن من يعترضه غول لابد وأن يزعق في وجهه (يا رجّل عنز / إنهقي نهيقاً / لن تنزلي السبيل / ولا الطريقا). فيختقي الغول في القفار والفيافي وبطون الأودية ورؤوس الجبال. وهأنذا؛ لا أكذب خبراً؛ فأصرخ بما قالته جدتي؛ متذكراً مقولة قائدي: (من يغامر بدخول الصحراء لا يمكن أن يرجع أدراجه؛ وما دام التقهقر مستحيلاً؛ فلا يجب الإنشغال بشئ؛ سوى أفضل طريقة للتقدم).

وبالفعل؛ أتقدم بخطوات واثقة؛ لاهثة؛ ملسوعة؛ إلى الأمام؛ وأغمض عيناي؛ ثم أفتحهما؛ وأقبض على زمام قلبي؛ وفجأة؛ ينفتح ضوء الكشاف؛ ثم يختفي الشبح!!!.

 

 

 

author-img
عزت عبد العزيز حجازي - المُحامي

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent