-->
المحيط الإبداعي المحيط الإبداعي
recent

آخر الأخبار

recent
recent
جاري التحميل ...
recent

الزائر الكريم.. !

 




كان الخلاء واسعاً؛ وعلى بعدٍ شاسعٍ من المدينة؛ كانت دار صغيرة؛ منفردة؛ تسكنها سيدة عجوز؛ وأحفادها الأربعة الصغار...

ولم يكن لهؤلاء الأحفاد الصغار أم؛ لأن أمهم ماتت؛ منذ سنينٍ؛ وتركتهم فى رعاية جدتهم العجوز؛ أما أبوهم؛ فكان جندياً فى الجيش؛ وقد سافر مع فرقته؛ منذ أشهرٍٍ؛ إلى ميدان القتال؛ فلم ير أولاده من يومئذٍ؛ ولم يروه؛ ولكنه كان يرسل إلى الجدة العجوز؛ شيئاً من مالٍ؛ فى كل شهرٍ؛ لتنفق منه على نفسها؛ وعلى أولاده الأربعة الصغار....

ولم يكن ذلك المال القليل؛ يكفى حاجات الخمسة؛ ولكن الأب؛ لم يكن يستطيع أن يرسل إليهم أكثر منه؛ فكانت الجدة العجوز تقتصد؛ وتدبر؛ وتحتال؛ لكى يكفى ذلك المال حاجتها؛ وحاجات الأولاد...

وكان بعض المسافرين؛ من أهل المدينة؛ يمرون فى طريقهم؛ بهذه الأسرة الفقيرة؛ فى تلك الدار الصغيرة؛ فيجودون عليها ببعض ما يملكون؛ من الطعام؛ ومن الشراب؛ ومن المال؛ فتستعين بذلك على حاجات الحياة...

ثم جاء الشتاء؛ فعصفت الريح؛ وهطل المطر؛ واشتد البرد؛ وسال الماء فى الأودية؛ فانقطع طريق الغادى والرائح؛ وانفردت هذه الأسرة؛ البائسة فى دارها؛ لا يمر بها مار؛ ولا يسأل عنها سائل...

وكانت ثياب الأطفال قصيرةٍ؛ رقيقةٍ؛ فشعروا بالبرد؛ يلسع عظامهم؛ ولكن الجدة؛ كانت مستعدةً لمثل هذا اليوم؛ بكثيرٍ من حطب الوقود؛ فلما رأت الأطفال يرتعدون من شدة البرد؛ أشعلت النار فى حزمةٍ من ذلك الحطب؛ فتحلق الأطفال حولها يستدفئون؛ حتى غلبهم النوم؛ فأرقدتهم الجدة فى أماكنهم؛ ثم أطفأت النار؛ ونامت إلى جانبهم...

ولم تكن الجدة؛ تظن أن أيام البرد ستطول؛ ولكنها طالت فى ذلك الموسم؛ وتعاقبت؛ وطال انقطاع الأسرة البائسة عن الناس؛ وعن العمران؛ وهى تأكل؛ مما تدخر من طعامٍ؛ وتستفىء بما تدخر من وقودٍ؛ وتحمد الله؛ على نعمته وفضله...

وذات يومٍ؛ استيقظت السيدة مبكرة؛ ونهضت.؛ وفتحت كيس الدقيق لتعد لأحفادها خبز الفطور؛ فلم تجد فى الكيس إلا حفنةً صغيرةً من الدقيق؛ لا تسد جوع الأطفال الأربعة؛ لقد استنفدت تلك الأيام الطويلة؛ الباردة؛ كل ما كانت تدخره الجدة العجوز من دقيقٍ؛ ومن إدامٍ؛ ولكنها؛ لم تيأس من رحمة الله؛ وصنعت من تلك الحفنة رغيفاً؛ ثم قسمته على الأطفال الأربعة بالتساوى؛ وجلست تنظر إليهم صامتةً؛ وهم يأكلون؛ وتدعو الله؛ أن يدركهم برحمته....

وانقضى ذلك النهار؛ وأقبل الليل بظلامه؛ وبرده؛ ورياحه العاصفة؛ وليس فى تلك الدار الصغيرة؛ لقمة من خبزٍ؛ ولا قليل من إدامٍ؛ وصاح الأطفال بجدتهم: نريد أن نأكل يا أماه .

فترقرقت دمعتان فى عينى العجوز؛ ولكنها أخفتهما عن أحفادها؛ ونهضت؛ وهى تقول لهم: صبراً يا بنى؛ حتى أصنع لكم طعاماً.

ثم أشعلت فى (الكانون) ناراً؛ ووضعت عليه قدراً؛ وملأت القدر ماءً؛ وأخذت تقلبه على النار بالمغرفة؛ كأنها تطبخ لهم طعاماً يأكلونه...

وجلس الأطفال حول النار؛ وأعينهم معلقة بالقدر؛ ينتظرون أن ينضج الطعام؛ فيأكلوا؛ والسيدة لم تزل تدور بالمغرفة؛ فى قعر القدر؛ وقلبها يكاد يتمزق؛ من شدة الألم؛ لأحفادها الصغار؛ الجياع...

وأدفأت النار الأطفال؛ فثقلت جفونهم؛ ثم غلبهم النوم؛ فحملتهم إلى فراشهم؛ وغطتهم بأغطيتهم؛

ولكن كبيرهم (عثمان)؛ لم تثقل أجفانه؛ ولم يغلبه النوم؛ فظل يقظاً؛ يتطلع إلى النار المشتعلة؛ وإلى القدر الفارغة؛ فأشفقت عليه جدته؛ وقالت له: قم؛ فنام يا عثمان؛ وسأوقظك؛ حين ينضج الطعام...

فابتسم عثمان؛ وقال لها: أين الطعام التى تنتظرين أن ينضج يا جدتى؛ وليس فى القدر  إلا الماء؟.

ولم تكن السيدة تظن؛ أن عثمان يعرف ذلك السر؛ فسكتت لحظةً؛ متحيرةً؛ ثم قالت له: وما إانتظارك يا بنى؛ مادمت تعرف؛ أًن القدر ليس فيها طعامً؟.

قال عثمان؛ وفى عينيه بريق الإٍيمان بالله: لست فى انتظار هذا الطعام يا أماه؛ ولكنى فى انتظار رسولٍ؛ يرسله الله إلينا برحمته؛ فليس من الممكن؛ أن يخلق الخلق؛ ويهملهم...

  وقبل أن ينتهى عثمان؛ سمعت العجوز؛ طرقاً على الباب؛ فقامت لترى من الطارق؛ فإذا زائر غريب؛ لم تر له من قبلٍ وجهاً؛ ولم تعرف له صفةً؛ فتراجعت السيدة بخجل؛ ثم عادت إلى حفيدها؛ لتقول له:  ويلى يا عثمان؛ إنه ضيف غريب؛ ولا زاد عندنا.

  فقام عثمان؛ ليستقبل الضيف؛ ولكنه لم يجد ضيفاً جائعاً؛ يطلب زاداً ومأوى؛ كما زعمت جدته؛ بل ضيفاً كريماً؛ يحمل على كتفيه؛ زاداً للأسرة الجائعة؛ فلم يكد يدخل الدار؛ حتى وضع عن إحدى كتفيه؛ كيس دقيقٍ؛ وعن الأخرى جرة سمنٍ.

  قال عثمان الصغير؛ وهو ينظر إليه؛ مبتسماً: لقد كنت على يقينٍ؛ بأن شيئاً مثل هذا؛ لابد أن يحدث؛ ولكن؛ من أنت؟. ومن أرسلك؟.

  قال الزائر: أنا عمر بن الخطاب؛ أمير ال(مؤمن)ين؛ شعرت بحالكم؛ وما أصابكم؛ واستشعرت الندم على تقصيرى فى حقكم؛ فلم أجد كفارةً لذنبى؛ إلا أن أحمل لكم الطعام على كتفى؛ فى ظلام الليل؛ لتأكًلوا قبل أن تناموا؛ وتستغفروا الله؛ لى ولكم.

رحم الله عمر بن الخطاب.

تمت

تعليقك يهمنا فلا تتردد في ذلك

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة

المحيط الإبداعي

2016