recent
أخبار ساخنة

حدث منذ سنوات أن قرأت كتاب (إسمي حسنب مبارك)

عزت عبد العزيز حجازي
الصفحة الرئيسية

 



حدث منذ سنوات أن قرأت كتاب (إسمي حسنب مبارك)



منذ البداية؛ لابد من القول؛ إن أي كاتب أو باحث يتعرض لسيرة ومسيرة (حسني مبارك) لابُد أن يراعي –وبكل الجدية- شحنها بشئ من الأكاذيب؛ وأن يستعين بكل ألوان النفاق الغبي؛ والتشويه الذكي؛ وكل صور التزوير والتلفيق؛ وخفة العقل؛ ومهارة الرقص على الحبال؛ على طريقة (الحواه القدامى) عندما كانوا يحتلون رؤوس الحواري؛ وأطلال الخرائب بالتصفيق والرقص؛ واستعراض أجسادهم الهزيلة -شبه العارية- في حركات عنترية؛ صبيانية؛ تهتز بصراخ الزعيق؛ وإصطناع البطولات الوهمية؛ ليجتمع المارة حولهم في دائرة تزيد مع الوقت وتتسع؛ إنتظاراُ للمغامرات الضحلة؛ والمفاجأت الخائبة.

.. هكذا كان يجب أن يكون الأسلوب في عرض مناقب صاحب الضربة الجوية الأولى؛ القائد المُلْهَم؛ الرئيس الحكيم؛ عظيم الشأن؛ جليل القدر.. وهكذا كان المصريين يمهدون طريق الطاغية نحو التأله؛ حيث يرهب الناس بالتعالي والتعاظم؛ ليدلهم بالقهر والقوة وسلب المال حتى لا يجدوا ملجأ إلا التزلُف له وتملُقُه.

.. لهذا يُمكن للناس أن تتقبل (الطغيان) بغير تذمُر؛ دون شكوى؛ بلا إعتبار لهُم؛ لأنهُم–كما يرى الحُكم يحملون طبيعة العبيد؛ حيث يخمد الجُبن أنفاسها؛ ويرغمها على الرضوخ؛ كأنها شرنقة هذا الحاكم المستبد؛ القاهر؛ ويحضرني في هذا الشأن قول (نزار قباني):

حين يصير الناس في مدينة

ضفادعاً مفقوءة العيون

فلا يثورون؛ أو يشكون

ولا يغنون؛ ولا يبكون

ولا يموتون؛ ولا يحيون

تحترق البيوت والأشجار والأزهار

تحترق الثمار

ويصبح الإنسان في موطنه

أذل من صرصاراً

.. وقد حدث منذ سنوات أن عثرت وبالمصادفة على كتاب كان عنوانه (إسمي حسني مبارك) للكاتب (أنور محمد)؛ مُلقى جانباً مع غيره من الكتب الراكدة على رصيف(سوق الأزبكية) بعد إنتقاله إلى شارع (ماراسينا) بـ(السيدة زينب).. وقفت أتفرج على غلاف الكتاب؛ أفحص ما يحتويه من موضوعات تبدو وكالعادة تقريرية؛ إنشائية؛ مليئة بأحداث المبالغات؛ وصور النفاق الصارخ؛ المبتذل؛ وكِدت أعيده إلى مكانه على الرصيف؛ ولكن فجأة إسترعى إنتباهي صورة لـ(مبارك) بجانب صور أخرى له في نهاية الكتاب؛ صورة نادرة بحق؛ وقد فاتني الإنتباه إليها من قبل؛ والإحتفاظ بها؛ وكنت على إستعداد للحصول عليها بأي ثمن؛ وليس (50 قرشاً) كما طلب البائع كثمن للكتاب؛ وأحسست بالسعادة لحصولي على الكتاب؛ وإقتنائي لهذه الصورة الفريدة؛ النادرة بحق.×

.. وبالطبع لم أقرأ سطراً واحداً من الكتاب؛ بل حشرته بين كتب مكتبتي؛ في زاوية الكتب (الهامشية)!.

.. ولكن بعد سنوات؛ وحين هبت ثورة (25) يناير؛ وإكتسحت كل عراقيل الخوف والتردد؛ بل ومزقت رتابة حياة البؤس والعوز في واقع المصريين؛ وأسقطت الفرعون وكأنه شجرة متجذرة؛ ذابلة؛ وكومة من التراب؛ بدأت أفكر وأستعد وأجهز مشروعاً لكتاب يتحدث عن (25) يناير وقد كان (إسمي.. حسني مبارك) ضمن المراجع والمصادر التي وضعتها بجانبي.

..كما كان عندما زارني المخرج الإذاعي (علي حسن المناعي)؛ وشاهد الكتاب في أحد الزوايا بالمكتبة؛ وحين تصفحه طلب مني أن أجهز له (ملخصاً) ليعرضه لمشروع لمسلسل إذاعي يتناول سيرة (مبارك) الذاتية؛ وبالفعل تم ذلك؛ وانقلبت الدنيا في الإذاعة رأساً على عقب بعد أن إشتعل الكلام ومختلف التعليقات.. ورغم أن الدراما المصرية لم تقترب يوماً من حياة رؤساء مصر إلا بعد وفاتهم؛ حيث قدمت الرئيسين(عبد الناصر) و(السادات)؛ في أشكال درامية متعددة؛ سواء في السينما أو الإذاعة أو التليفزيون.. غير أن الرئيس (مبارك) كسر هذه القاعدة (غير المعلنة) عندما سمح بإعداد مسلسل يتناول سيرته؛ ووافق على إذاعته؛ وهو في منصبه الرئاسي؛ وعلى قيد الحياة (4)؛ بعد أن قمت بإعداده.

.. وبالفعل تم تنفيذ المسلسل الإذاعي؛ والذي وافق الرئيس (مبارك) على إعداده عن قصة حياته؛ ولعب فيه الفنان (نور الشريف) دور مبارك؛ بينما أسندت شخصية قرينته إلى الفنانة (ميرفت أمين).. وأذيع الجزء الأول منه -للمرة الأولى- في مايو 2000 على موجة البرنامج العام.

.. وحين تقدمت الإذاعة بنص المسلسل إلى قصر الرئاسة؛ أختير اللواء (منير ثابت) شقيق زوجة الرئيس لمراجعة ما ورد في أحداث المسلسل؛ وقد أدى ذلك إلى إستبعادي كمؤلف للمسلسل والإستعانة بالكاتب (فاروق صالح) بالقيام بالتعديلات المطلوبة؛ والإضافة والشطب والتعديل والتغيير والتحويل في أحداث المسلسل الذي تجاوز كاتبه حدود اللياقة؛ وإقترب من نقاط مشبوهة؛ ومواقف غير لائقة؛ فضلاً عن أنه غير مسموح بها؛ غير مرغوب في كشفها؛ مثل: ظهور والدة الرئيس أثناء ولادته وهي تئن وتتوجع!!.. ومثل اللقاء الأول الذي تم بين الرئيس وزوجته في حفل بنادي(إسكو) بشبرا؛ وهو النادي المتواضع الذي لا يمكن أن يمثل اللقاء الأول بين صاحب الفخامة والسيدة الأولى؛ وقد أتهمت –عند هذه النقطة- أنني أجهل الذوق واللياقة والإحساس؛ ثم كانت الطامة الكبرى؛ والقشة التي قصمت ظهر البعير؛ حين تعرضت لكلمة ألقاها الأستاذ (حسنين هيكل) أمام (مبارك) بعد أن تم الإفراج عنه –هو وباقي المعتقلين- في أحداث سبتمبر 1981؛ والتي قال فيها لـ(مبارك):

(الظاهر إنك هتبقى المخرج الوحيد لأزمات مصر)!!.

.. وبالطبع لم أكن أعلم بما صنعه (الحدَّادْ) بين (هيكل) و(مبارك)؛ مما أدى إلى ذلك النفور الجامح الذي إجتاح نفسية (مبارك) ناحية أستاذ أساتذة الصحافة المصرية.

.. وقد علمت بأسرار هذا النفور حين قرأت ما ورد بكتاب (مبارك .. وزمانه من المنصة إلى الميدان) وهو يسرد أمراض العُقد النفسية التي إجتاحت عقل هذا الرئيس الذي كان فلاح البداية؛ وفرعون النهاية!!.

.. وبالطبع لن أسرد ما حدث أثناء تنفيذ المسلسل من صراعات نشبت والتهبت في مقر الرئاسة بين أهل الزوج وأهل الزوجة؛ فكُل فريق من هذا الجانب أو ذاك يريد مساحة أكبر في الذكر وإلقاء الضوء وتوسيع ساحة الأفضال والمناقب التي حققتها كل أسرة في سيرة ومسيرة الزعيم الطيار!!.

.. نلتفت إلى (إسمي حسني مبارك)؛ نجد أن الكاتب يقول في بدايته: 

(الأحداث العظيمة في تاريخ الأمم تصنع القادة والزعماء العظام؛ والأقدار قد تحدد لهم زمان ومكان اللقاء.. رغم إختلاف الأجيال؛ وبُعد المسافات والزمان!).

.. ثم يضيف:

(في أمريكا شاهد العالم الرئيس "جون كيندي" يلتقي بالشاب "بيل كلينتون"؛ يصافحه بحرارة؛ ويُحييه.. فهل كان يدري أن هذا الشاب الصغير سوف يتولى–بعد أقل من عشرين عاماً زعامة أمريكا- وهي أقوى دولة في العالم؛ حتى يعده لهذا المنصب الخطير)؟!!.

.. وكأن الكاتب كان يقصد -بسطوره السابقة- أنه لابُد أن يتمخض جبل الأحداث المصرية العظيمة؛ ليلد القائد؛ والزعيم (محمد حسني مبارك)؛ حين قررت الأقدار في عام 1981؛ تحديد مكان وزمان تبوأ (مبارك) لسيادة مصر؛ وعلى مدى 30 عاماً؛ متواصلة. ويشرح الكاتب ألوان الزعامات المصرية التي سبقت (مبارك)؛ ويعلن أن:

§              (جمال عبد الناصر)؛ صنعت زعامته (معركة السويس 1956).

§             (أنور السادات)؛ صنعت زعامته (حرب أكتوبر1973)

(وقد إلتقيا معاً في ثورة 23 يوليو 1952).

§             أما (حسني مبارك)؛ فقد صنعت زعامته (أنه أحد قادة حرب أكتوبر). وأول رئيس مصري إلتزم بالديمقراطية والحرية في أسلوب للحُكم!!!.

.. وقد قادت الأقدار (حسني مبارك)؛ إلى لقاءات مع (عبد الناصر) و(السادات)؛ ولكن (متى وكيف تمت هذه اللقاءات؟!!).

 .. و(ما هي قصة لقاء عبد الناصر والسادات بحسني مبارك؟!!).

 (وهل كانا يعدَّانِه لتولي المسئولية"!!!" في ظرف تاريخي صعب ودقيق"؟!!"). كما يزعم كاتب (إسمي.. حسني مبارك).

.. هكذا يحلل المؤلف الأحداث على كيفه؛ ثم يقرر الأمور بشكل مزاجي؛ عشوائي؛ كما يبدو في ظاهر ما يرى؛ دون أن يتطرق إلى إثبات أو تأكيد ما يذكُر؛ وأعلن.. وهيا نمضي في قراءة أوراق الوهم؛ وبؤس الخيال؛ وتفسير أضغاث المواقف المخترعة؛ والتفسيرات المختلفة التي تسلُق المشاهد؛ وتطبخ التزييف على نار نفاق متعجل؛ وتشكيل أحداث ملفقة؛ ليس لها وجود في الحقيقة؛ أو حتى في الخيال!.

.. والدليل:

(إنه –كما يزعم-بعد هزيمة 5 يونيه 1967؛ أحس "عبد الناصر" أنه في حاجة إلى وجود قائد محنك؛ يتولى رئاسة أركان القوات الجوية؛ لإعادة بناء هذه القوات–وطبعاً وحسب تهيؤات المقرب من الذي إسمه "حسني مبارك"- فبدأ عبد الناصر يبحث عن هذا القائد "!!". وبالطبع وجده في شخص "حسني مبارك". لماذا؟!.. لإن "عبد الناصر" كان يعرف هذا الـ"حسني المبارك".

.. لم يكُن يعرفه كعقيد طيار فحسب؛ بل كان يعرفه كقائد حاسم؛ حازم؛ كالسيف القاطع"!!".. في الحقوق والواجبات "!!". كما كان يعرف أنه عدو المجاملات؛ ولا يطيق الإستثناءات.. حتى لو كانت تمس شخصية قريبة من رئيس الجمهورية"!!!"... وقد كان لهذه المعرفة التي يحفظها "عبد الناصر" عن "مبارك"؛ ويثق فيها؛ هدف اللاعب "مبارك"؛ حين صادفته فجأة مباراة لا تعوض في لعبة "البيضة والحجر" التي يجيدها "مبارك"؛ ويبرع في تحقيق أعظم أهدافها.

.. وتبدأ الركلة الأولى يوم أن تقدم "حسين عبد الناصر" شقيق الرئيس "جمال عبد الناصر" للإلتحاق بالكلية الجوية عام 1956.. وكان من المفروض –كما ذكر "مبارك" في حواره مع الكاتب؛ أن يأتي "حسين عبد الناصر" بمصروفات الكلية؛ في أول يوم الدخول –حسب التعليمات وقتها- ولكنه فوجئ بعد حضور "حسين" إلى الكلية؛ وقد إستعد لدخوله؛ أنه يطلب مقابلته في مكتبه؛ بإعتباره مشرفاً إدارياً على شئون الكلية؛ وبالطبع سمح له بذلك.

.. وهناك فوجئ –للمرة الثانية- به يقدم له نفسه بأنه شقيق الرئيس؛ وحين رحب به وبالسيد الرئيس؛ فوجئ "مبارك" –للمرة الثالثة- بـ"حسين" يطلب السماح له بدخول الكلية؛ للإنتظام في صفوف الطلبة المستجدين؛ على أن يحضر المصروفات المطلوبة في اليوم الثاني؛ وانتهز "مبارك" بالطبع ظهور هذا الصيد السمين؛ وعلى الفور إرتدى مسوح رهبان الضبط والربط والإلتزام العسكري وقال بصرامة وحزم:

- إسمع يا بني؛ النظام هنا لا يسمح لطالب –مهما كان- بدخول الكلية دون دفع المصروفات؛ خاصة أن هناك 40 طالباً منعنا دخولهم اليوم لعدم دفعهم المصروفات.. وانت بالطبع مثلهم؛ والذي يسري عليهم؛ لابد أن يسري عليك أنت أيضاً؛ حيث لا مجال أبداً لأي إستثناءات؛ لهذا لابُد أن تذهب إلى بيتك؛ على أن تعود فوراً بالمصروفات!.

.. ومضى الطالب "حسين عبد الناصر" إلى حيث بوابة الخروج.

.. وسمع مدير الكلية بما فعله "مبارك" مع شقيق "عبد الناصر" "!!".. وجاء إليه يقول له:

§                    كيف تفعل هذا مع شقيق الرئيس؟!

.. فقال له "مبارك":

- لإن الرئيس لا يوافق أبداً على إستثناء شقيقه؛ ولا أعتقد أنه يرضي بما فعله شقيقه بما يخالف التعليمات.

.. وهنا توقف المشهد؛ وإنقطع شريط الموقف الكاذب الذي تم فبركته بين "مبارك" وقائد الكلية؛ لأنه ما حدث كان يخالف طبيعة "مبارك"؛ التي وصفها الأستاذ "حسنين هيكل"؛ حسب أراء كثيرين ممن عرفوا "مبارك" ووصفوه بأنه "شديد الطاعة لرؤسائه؛ يكرس جهده دائماً لإرضائهم؛ مهما كانت المهام التي يكلف بها؛ فهذا كان أسلوبه في وسائل معاملة رؤسائه المباشرين؛ ولكن مقابل هذا –وحسب الطريقة الميكافيلية-:(الغاية تبرر الوسيلة)".. فتمكن أن يتم ما جرى بينه وبين "حسين عبد الناصر" حسب أصول ألعابه "البيضة والحجر".. التي أقيمت وجرت وتداولت أثناء دراسته في كلية الطيران؛ حيث لم يكُن يخرُج في الأجازات؛ وإنما كان دائم البقاء في الكلية؛ ليظل داخل مشهد يوحي بأنه شديد الإرتباط بالحياة العسكرية؛ بينما غيره ينتظر الأجازات في لهفة؛ ويتشوق دائماً إليها.

.. كما يُروى عنه؛ أنه عندما تخرج وإلتحق بأحد المطارات؛ كان يحاول التأثير بأن يلحق طابور الصباح -كل يوم- قفزاً من النافذة إلى ساحة التدريب أمام كافة الموجودين بها؛ ليظهر سرعة حركته؛ وسخونة نشاطه العسكري.

.. وقد جاهد كثيراً لينال الحظوة لدى من عمل معهُم؛ من قادة الطيران؛ وكثيراً ما كان يدور من خلفهم عندما يجد منفذاً إلى وزارة الدفاع؛ خصوصاً الفريق "فوزي"؛ والفريق"محمد أحمد صادق".

.. وعلى الدوام كان يحقق نفاذه؛ إذا إطمئن إلى أن قادته المباشرين لا يعلمون؛ أو يعلمون ولا يقولون شيئا حول مرؤوسهم الذي يوطد صلته بالمستويات الأعلى "في خفية وتسلُّل".

.. وكان يشارك زملائه في قاعدة "بلبيس" وهُم يشترون اللحم من سوق "بلبيس" لبيته ولأسرة قرينته؛ لأن أسعارها أوفر؛ مع حرصه على أن يأخذ ورقة بالسعر ليستوفي حقه "بلطافة"؛ دون أن يطلب بنفسه!.

.. وبعيداً عن زملائه القدامى؛ فإن من جاءوا في حياة "مبارك" بعدهم؛ لا يعرفون ما هو أكثر مما هو ظاهر؛ ويمكن ر ؤيته بالعين.

.. وفي ذكريات أحد معاونيه الذين خالطوه عن قرب:"إن إنبهاره الأكبر كان (بالغنى)؛ وبالأعنياء؛ والثروة والأثرياء"... وعندما يعرف أن أحد زملائه ينتمي إلى أسرة غنية.. كان طلبه ترجمة"الجاه" إلى أرقام بسؤال:"يعني يطلع عنده كام؟!"... وهو عموماً شغوف بكُل ما يستطيع أن يسمع من تفاصيل عن حياة الآخرين؛ وتلك خصاله؛ منذ كان ضابطاً صغيراً؛ حتى أصبح رئيساً.

.. ثم يضيف هذا المتحدث صيغة للتعامل مع مبارك:"(يا هناه) ذلك الذي يحتاج(مبارك) إليه"!!.

.. وفي المقابل:"(ياويل) من يحتاج هو إلى (مبارك)".

.. بالإضافة إلى أنه رجُل لا ينسى –مهما طال الزمن- إساءة من أحد؛ ولا يذكُر فضلاً–مهما قصر الزمن- أو ما يعتبره فضلاً من أحد!!.

.. وأخيراً.. هناك أحد الأدباء البارزين؛ الذين إهتموا بحضور مؤتمرات "مبارك"؛ وواظبوا عليها؛ وحاولوا تقييمه من وجهة نظر ثاقبة.. وكانت النتيجة:"أن ذلك الأديب بعد حضوره عشرات المؤتمرات لـ(مبارك).. لم يشعُر -على طول ما سمع- أن"مبارك" قرأ كتاباً؛ أو تذوق فنَّاً؛ أو إستشهد ببيت شعر؛ أو أشار إلى قول مأثور(شعراً أو نثراً)"!!.

.. وأحد الزملاء يحكي كيف كان غرامه شديد بالأرغفة الصغيرة المحشوة بالفول المدمس؛ أو بـ"الطعمية"؛ فيأكُل معظمها وهو في السيارة من القاعدة إلى البيت أيام الأجازات.

.. وفوق كل هذا وذاك؛ كانت الصفة الأُخرى التي ركز عليها الذين يعرفون"مبارك" عن قرب هو:"أنه لا يحب أن يسمع كلمة طيبة عن غيره هو")!!!... ويمضي صاحب (إسمي.. حسني مبارك) فيحكي عن مهارة (حسني مبارك) في ألعاب (البيضة والحجر)؛ وهو يشرح كيف تمت مقابلة (مبارك) مع (عبد الناصر) حسب ما جاء في حواره مع (مبارك)؛ وحول هذا اللقاء التاريخي قال:

(.. كُنت مديراً للكلية الجوية في "بلبيس"؛ قبل تعييني رئيساً لأركان القوات الجوية؛ وحدث في أواخر 1967؛ أن جاء الرئيس الراحل لزيارة مطار "بلبيس"؛ بعد زيارته للجبهة. وقفنا في إنتظاره والترحيب به.. وقدمت له نفسي قائلاً:"عقيد طيار محمد حسني مبارك؛ مدير الكلية الجوية"؛ وفوجئت بـ"جمال عبد الناصر" يقول لي:"إنت بتعمل إيه هنا يا"مبارك"؟!!".. وذُهلت من السؤال؛ وذُهلت أكثر مما فهمت من معنى السؤال؛ فكان من الواضح أن "جمال عبد الناصر" لا يريدني في كلية الطيران؛ وأنه إختار لي منصباً آخر لا أعرفه؛ منصباً لم أسعى إليه؛ ولم أطلبه!!!...

.. لم أرد بكلمة واحدة عن سؤال "عبد الناصر"؛ إلتزمت الصمت التام)!!!.

.. وكعادة (مبارك) في تلوين مواقفه المشوهة وجميلها؛ وإخفاء أغراضه الخاصة؛ ومصالحه الخفية في ثنايا الخطوط العامة؛ وظلال القضايا الوطنية؛ وقد كان كاذباً في كل أحاديثه؛ خبيثاً في كافة تحاليله للأمور وتفسيره للأحوال.. والدليل.. (حكاية) إنتظاره لـ(جمال عبد الناصر) بمطار (بلبيس)؛ ضمن مستقبليه؛ للقائه والترحيب به؛ والتي رواها لصاحب (إسمي.. حسني مبارك).. لأنه في الحقيقة لم يكُن ضمن المستقبلين لـ(جمال عبد الناصر).. بل كان -في هذه اللحظة- يقف في حزم وإنتباه؛ وهو يتصدر طابور الشرف؛ والذي كان متأهباً لإستقبال الرئيس بمجرد وصوله.

.. كان موقفاً مُغالياً؛ غريباً؛ بل وشاذاً؛ من العقيد (مبارك)؛ الذي خرج به عن أصول التقاليد العسكرية؛ التي تحدد –وبدقة- أنواع ومظاهر ومراسم مثل هذه الطوابير؛ التي لم تكُن تستحق –نظراً للظروف التي كانت وقتها- أكثر من ضابط برتبة متواضعة؛ على رأس صف من بضعة جنود.

.. ولكن كيف يحدث هذا؛ وثمة فرصة ذهبية لـ(مبارك) قد وصلته لقمة سائغة؛ لإختراق الأصول؛ والتلاعُب في التقاليد؛ والقفز عليها -مهما كان الثمن- إلى أجواء السماء؛ وتحقيق أعلى الأهداف؛ بأرخص المجهود؟!! وقد ظهر هذا المشهد في صورة فوتوغرافية –تم عمل حسابها- وقد نشرت مرة واحدة في أواخر عام 1968 ببعض الشرح والتعليق.. ثم إختفت دون رجعة –كما كان يبدو- ثم عادت وظهرت دون تعليق في نهاية صفحات (إسمي.. حسني مبارك).. تحت عنوان (صور تاريخية نادرة) وقد كانت هذه الصورة –بالتحديد- هى السبب الأول والأخير لقيامي بشراء الكتاب؛ وخسارتي المالية؛ حين دفعت 50 قرشاً مقابل هذا الشراء!!!.

.. لهذا فقد كان لابُد من إعادة نشرها للمرة الثالثة في كتابي (ألاعيب البيضة والحجَر!... ولا شك أن كل هذا وذاك يؤكد مدى براعة فخامة الرئيس السابق في إستغلال أتفه الأمور وأبسط الطرق في تحقيق أعظم أهدافه نحو العبور والمرور؛ بكل البساطة والسذاجة؛ وافتعال طبيعة الفلاح المتغابي؛ غير الفصيح!.

.. ثم يستطرد (مبارك) حديثه حول (جمال عبد الناصر) فيقول:

(.. وتحققت مخاوفي من سؤال "عبد الناصر"؛ فقد كُنت يومها في مكتب الفريق أول"محمد فوزي" وزير الحربية وقتذاك؛ وفوجئت به يسألني:

§             مين إللي بعدك في الكليه يا"مبارك"؟!

.. وأخبرته بمن هو بعدي..

.. وانتهى اللقاء عند هذا الحد.. ولكن بعد مرور ثلاث شهور -على هذا الموقف- فوجئت بمكالمة تليفونية من قائد القوات الجوية الجديد؛ يبارك لي ترقيتي من رتبة عقيد إلى عميد "إعتباراً من 22 يونيه 69".. ويخبرتي بأنه قد صدر قرار بتعييني رئيس لأركان القوات الجوية...

.. وسألته:

§             من الذي إختارني؟!

.. فرد:

- أنا الذي إخترتك..).

.. وهنا يؤكد (مبارك) أن ما قاله له قائد القوات الجوية؛ لم يكُن صحيحاً؛ وأن الذي إختاره هو (جمال عبد الناصر) شخصياً (!!).. بعد أن فكر في نقله من الكلية الجوية؛ وهو الذي أمر وزير الحربية بإختياره لرئاسة الأركان؛ عند إختيار قائد القوات الجوية الجديد!!!.

.. وبالطبع -وبعيداً عن مظاهر التباهي والتفاخُر؛ وقلب الحقائق؛ لصالح المنظرة؛ وخدمة الزعم بحق الإستحقاق وزعم التفوق- كان (مبارك) كاذباً في إدعائه بأن (عبد الناصر) كان نصيره؛ والسبب الأساسي في إختياره والدفع به إلى حيث قمة المسئولية؛ وأنه آمن بقدرته في القيادة؛ وإمكان قيامه بمعالجة الأوضاع في الطيران؛ مهما كان حجم ترديها.. حيث ثبت أن:

(.. الفريق "محمد فوزي" وزير الدفاع؛ هو الذي وقف بجانب "مبارك"؛ بل إنه هو الذي"قدَّم" مبارك عند عبد الناصر؛ بل هو الذي رشحه له رئيساً للأركان في السلاح الجوي؛ أثناء حرب الإستنزاف؛ وذلك بعد حدوث خلاف بين الفريق فوزي والفريق الحناوي قائد القوات الجوية وقتها (6) وذلك قبل أن يختاره الرئيس السادات –فيما بعد- قائداً للسلاح الجوي؛ الذي كان موضع إهتمام عام وواسع؛ حيث كان يجتاز وقتها عملية إعادة تنظيم مرهقة؛ ومتواصلة. وأظن أن سبب الخلاف بين الفريق"فوزي" والفريق "الحناوي"؛ هو إصرار قيادة الجيش على دمج السلاح الجوي ضمن عناصر تنظيم وتكوين باقي وحدات وتشكيلات القوات المسلحة. بعد أن إنفصل جانب الدفاع الجوي عن تشكيل القوات الجوية؛ وانضم إلى تشكيلات القوات المسلحة... وتلك تجربة عايشتها وأنا أخدم بالدفاع الجوي؛ الذي كان يتبع القوات الجوية؛ ثم حدث الإنفصال؛ الذي إضطرنا إلى خلع زي الطيران وإرتداء لباس الجيش؛ بعد خدمة في القوات الجوية زادت عن 13 عاماً؛ قبل أن نتأقلم على الوضع الجديد.

.. وفي هذه الفترة؛ تعاقب على قيادة الطيران خمسة من القادة هُم:"صدقي محمود/ مدكور أبو العز/ مصطفى الحناوي/ علي بغدادي".. ولم يستطع أيَّاً من هؤلاء القادة إكمال مدته الطبيعية؛ بسبب ما كان من حالة فوران لا تهدأ؛ وسط أجواء مشحونة داخل واحد من أهم الأسلحة؛ وفي وقت يحتاج إلى كل طاقته واستعداده..).

.. ومع كل ذلك؛ كان لابُد أن يبرز سؤال:(كيف؟!! كيف إستطاع "مبارك" أن يقترب من القمة في السلاح؛ خلال هذه الصراعات؛ والمتغيرات التي لحقت بقيادة سلاحه؟!! وكيف إستطاع أن يظل محتفظاً بموقعه مع أربعة من القادة قبله.. وكل واحد منهم أجرى من التغييرات والتنقلات والتحولات ما أجرى؟!! وكيف ظلت صورة مبارك أكثر بهاءً!؛ بإعتباره أحد أبطال حرب أكتوبر؛ وقائد للضربة الجوية الأولى؛ دون أي ذكر للضربة الجوية الثانية التي ألغاها مبارك)!!.

 من كتابي (جبروت الطاغية .. وطغيان الحاشية) وهو لم ينشر ورقياً بعد



×(*) إضاءة زائفة لسيرة ومسيرة (مبارك).

author-img
عزت عبد العزيز حجازي

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent