recent
أخبار ساخنة

الشحاذ والملك

عزت عبد العزيز حجازي
الصفحة الرئيسية

 

     
إشتهر ملك من ملوك القدماء ، برغبته الشديدة فى إقتناء الجواهر النادرة ، فلا يكاد يسمع بجوهرة فى أقصى الأرض ، حتى يرسل فى طلبها ، ويبذل المال الجم ثمنا لها ، ولا يهدأ له بال حتى يحصل عليها ، ويضُمها إلى مُقتنياته الغالية ...

      وكان أعيان البلاد ، يحرصون على التقرب إليه بما يُحب ، فإذا سمع أحدهم بجوهرة غالية ، أو لؤلؤة نادرة ، إشتراها بأغلى ثمن ، ليهديها إلى الملك ...

      وكان بعضهم يتجشم أهوال السفر البعيد ، ويركب المخاطر المُهلكة فى البر والبحر ، ويبتعد عن أهله وأولاده أسابيع وأشهرا وسنين ، باحثا عن جوهرة كريمة، أو دًُرة فريدة، يتقرب بها إلى الملك ، ليظفر برضاه ومحبته ، ويصير واحدا من بطانته !

      وبهذا إجتمع للملك من نادر الجواهر وغالى اليواقيت والدرر مالم يجتمع - مثله - لملك من الملوك ، وكان سعيدا بذلك كل السعادة ، كأنما إجتمع له به مُلك الأرض والسماء!

      وكان يقضى كل يوم ساعة أو ساعات فى الغرفة التى جمع فيها هذه الجواهر ، يقلبها بين يديه ، ويملأ منها عينيه ، ويناجيها مُناجاة الحبيب للحبيب ...

      وكان لتلك الغرفة وصيف خاص ، ليس له من عمل فى القصر ، غير صقل الجواهر وتصنيفها ونفض الغبار عنها ، ولا يفارق غرفتها ساعة من نهار ، فإذا جن الليل ، وقف على بابها ساهرا وسلاحه فى يده ، مخافة أن يدنو من الغرفة أحد ...

      وذات يوم ، بينما كان ذلك الوصيف يمسك جوهرة من تلك الجواهر ، لينظفها – كعادته- إذ أفلتت من يده ، فوقعت على الأرض ، فانكسرت ، فانخلع قلب الوصيف من شدة الخوف ، وحدثته نفسه ، بالهرب – هو وأسرته - من غضب الملك ، ولكن ، لا وقت أمامه لتدبير هذا الأمر الجلل ، فقرر البقاء ، ومواجهة الأمر بشجاعة ، وهو يسأل الله اللطف والرحمة لنفسه ولأسرته ...

      ولم يكد يشرق الصبح ، حتى علم الملك بأمر الجوهرة المكسورة ، فغضب وثار ، وأمر بإلقاء الوصيف فى السجن ، ومُحاكمته على ما أقترف ...

      واجتمعت هيئة المُحاكمة ، ثم قررت أن الوصيف مُذنبا ، لأنه أهمل فى واجبه ، فانكسرت - بإهماله - جوهرة من جواهر الملك الغالية ، وهو ذنب يستحق به أن يموت شنقا ...

      وأُذيع هذا الحُكم فى جميع أنحاء البلاد ، وعرفه الناس جميعا ، فحزنوا وأشفقوا ، ولكن ، لم يستطع أحد منهم ، أن يجهر بحزنه وإشفاقه ، مخافة أن يبطش به الملك الغضبان ...

      وفى اليوم الذى تحدد لشنق الوصيف التعس ، وقف على باب قصر الملك ، رجُل فى ثياب أنيقة وزى وجيه ، وطلب مُقابلة الملك لأمر مُهم ، لا يُريد أن يتحدث به إلى أحد غيره ، فلما سمع به الملك ، أمر بإستدعائه إليه ، ثم سأله :

- ماذا تريد منا يا رجُل ؟

      قال الرجُل :

- إننى يا مولاى جوهرى ، خبير بصناعة الجواهر ، وقد سمعت بنبأ تلك الجوهرة المكسورة ، فأردت أن أصلحها ، إذا أذنت لى !

      وكانت تلك الجوهرة من أغلى جواهر الملك وأحبها إليه ، وكان حُزنه عليها شديدا ، فلم يكد يسمع قول الرجُل ، حتى تهلل وجهه بشرا ، ثم أمر الرجُل أن يتبعه إلى غرفة الجواهر ، ليرى تلك الجوهرة ويحاول إصلاحها ...

      ودخل الملك الغرفة والرجُل يتبعه ، فلم يكد الرجُل يرى الجواهر تحت عينيه ، حتى أخرج من تحت ثيابه عصا حديدية ، ثم أهوى بها على الجواهر تحطيما ، فلم يترك جوهرة منها صحيحة ...

      وعقدت الدهشة لسان الملك ويده ، فلم يستطع أن ينطق حرفا ، أو يمد يدا ، حتى تحطمت كل الجواهر ، حينذاك ، ثاب إلى الملك رشده ، فنادى الحرس ليقبضوا على ذلك الرجُل الأثيم ، فالتفوا حوله ، وقادوه – فى غلظة – إلى قاعة العرش ، حيث كان الملك جالسا على كُرسيه ، وجسمه ينتفض من شدة الغضب ...

      فلما صار الرجُل بين يدى الملك ، صاح به :

- من أنت يا رجُل ؟

      أجاب الرجُل فى هدوء :

- أنا شحاذ ، أجوب الشوارع لأستجدى الناس القوت !

      قال هذا ثم خلع الثياب الأنيقة التى كان يلبسها ، فبدت تحتها ثيابا مرقوعة ، بالية...

      قال الملك :

- ألا تعرف أن الجريمة التى إرتكبتها ، ليس لها جزاء إلا الموت ؟!

      قال الرجُل

- أعرف ذلك ، وسأموت راضى النفس ، قرير العين !

      فنهض الملك عن كُرسيه ، وهو يقول فى غيظ :

- ماذا أيها الأبله ؟

      قال الشحاذ :

- لست أبله يا ملك ، وإنما أنا أعنى كل كلمة مما قلت لك ، إن لى نفسا واحدة ، وقد حطمت عشرات ، أو مئات من الجواهر ، فإذا كانت كل جوهرة منها - فى إعتقادك - تساوى حياة رجُل ، فما أسعدنى حين أموت وحدى ، لأفتدى بموتى عشرات ، أو مئات من الناس ، بقدر عدد هذه الجواهر التى حطمتها بعصاى !

      برق الملك فى وجه الشحاذ برهة ، وهو صامت ، لا تنطق شفتاه حرفا ، ولكن ، خواطر كثيرة كانت تتزاحم فى رأسه ، ثم هز رأسه وابتسم ، وقال للرجُل :

- قد فهمت كل ما تعنيه يا رجُل ، وإنك لصائب النظر ، فإن النفس البشرية أغلى من كل جواهر الأرض !

      ثم أمر بإطلاق سراح الوصيف ، ومنح الشحاذ جائزة قيمة !

 

إنتهت

author-img
عزت عبد العزيز حجازي

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent