recent
أخبار ساخنة

قريةُ تفخر على مدينةٍ ومدينةُ تفخر على قريةٍ

عزت عبد العزيز حجازي
الصفحة الرئيسية

 


قريةُ تفخر على مدينةٍ ومدينةُ تفخر على قريةٍ

----------------------

     ×خدعوك إذ مدحوك أيتها المدينة، ففيك لا تستقر النفوس، ولا تَقَرُّ العيون، فقد لازمتك ضوضاء سلبت الناس راحتهم، وأقضَّت  مضاجعهم، وانتزعت منهم هدوء الليل وسكونه. وحاطك جو كدَّرته صعَّادات المرافق، ودخان المعامل، وعِثْير  السيارات، فلا ينشق الإنسان منه إلا سّما، ولا ينال إلا هماً وسقما : قذى العيون، ومرض الصدور.

     وما الإحسان الذى تقدمينه لبنى الإنسان ؟ لعله فى غلاء المعيشة وكثرة النفقات، والتغالى فى الرفاهة والكماليات حتى فلَّسْت  الموسرين، وارهقت  المستخدمين، وأضنيت المُقْتِرين. أو فى تلك النفوس البريئة، التى تحصدها السيارات حصداً، وتنتزع منها الحياة إنتزاعاً. أو فى أماكن اللهو، التى تضيق بها جميع أرجائك، فتنال من أخلاق الناشئة، وتصرفهم عن مناهل التعلُّم والتهذيب. أو فى تبرج السيدات وخروجهن على شِرعة الحشمة، فيطمع الذى فى قلبه مرض. أرجو أن تكونى الآن عرفت ما أنت ؟ حتى لا يعروك  ازدهاء، أو يُطغيك، غرور وكبرياء، وتؤمِنى بفضلى، وتعترفى بنُبلى  وأنا مأوى السواد الأعظم من الأمة، وموطن الفلاحين، ذوى السواعد المفتولة، والأذرع المجدولة لا يلبسون ما ليس فى قدرتهم، ولا ينفقون ما فوق طاقتهم : ثوب فضفاض، وكوخ صغير، ووقود من الحطب، وخضر مما تنبت الأرض، وماء من النهر، وطيور مختلفة الأنواع، يأتيهم رزقهم رغدا من كل مكان، لا يرهقون له نفسا، ولا يدفعون له أجرا، وقد أنف الأطباء أن يُوَطِّنونى، وهاجروا إلى المدينة وزخرفها، فعوض الله أبنائى بهم، حقولا خضراء، وشمساً ضاحية، وسماء صافية، ومياهاً جارية، وهواء نقيا عليلا، كل أولئك دافع المرض عنهم، ولقَّاهم  نضرة وسرورا. وقد رضوا من العيش بما خشن، فأضحوا أقوياء على إزدراد  الطعام وهضمه، مغتبطين بحياتهم، شاكرين لربهم، ولى الفخر أن أبنائى يُشيعون العشيرة ( 10)، ويحترمون صلة القرابة وأن الصدق أقرب إلى نفوسهم.

والحَمِةَّ  ملء قلوبهم، والغيرة تجيش  فى صدورهم، والكرم سَلَيقتهم، والمجاملة  عادتهم، أجواد مساميح، يَألفون ويُألفون.×

     إن تعجب فعجب، أن ترى القرية تشيد  بذكرها وتفخر بآثارها، وتتنقَّص المدينة وتظهر عليها، وتغض من قدرها، ولا تؤمن بمكانتها. وهى بيئة الأقذار والمستنقعات، ومأوىَ الهوام والحشرات، ومباءة الرمد والحُميَّات، حط فيها السقَم رحاله، ونصبَ خيامه،. فلا يتحرََّز أهلها عن مرض بوقاية، ولا يبذلون لمريض عناية. يشربون الماء الكدر، وَيَتَخَلَّوْنَ  فوق التلال أو تحت الجدر. ليس إلى الوصول إليها إلا طرق ضيقة، أو دروب متعرجة، كمسعىَ الثعابين : أكواخ حقيرة، لا تشرح النفس، ولا تزورها الشمس، كُدِّست فوقها قلاع الحطب، واعتصمت بها العقارب والجرذان، وكانت إلى ذلك غذاء النار، تشب فيها فتأكل ما جمعوا، وتلتهم ما إدَّخروا، ليلها الْيَل  وظلامها حالك، يذهب براحتك، ما يفزعج فيه من نقيق الضفادع، وفحيح الأفاعى، وطنطنة البعوض، يمتص دمك، ويكوى بدنك.

     هذا ما حدا بالقرية أن تفتات علينا، وترى العيب فينا. وما أنا إلا قصور مُشَيَّدة، وصروح ممرَّدة، وشوارع مرصوفة مُعَبَّدة  ومسالك مألوفة مُمَهَّدَة، وميادين فسيحة الأرجاء، وحدائق غناء، وملاهٍ تسرى الهموم والأحزان، ومسارح تهذب النفوس، وتوقظ العواطف، وتعظ الشبان، وأندية يؤمَّها الناس، للأنس والثقافة والتهذيب، ومدارس تعلم الأبناء، وتُنَشِّئُم فى الفضيلة، وماء مصفَّى، ومرافق صحية، وأطباء ومُستشفيات. تداوى المرضى، وتقضى على الأوبئة، وحُراس يقظون، وأمن مستتب، وحوائج موفورة، ووسائل نقل ميسورة. وصناعة راقية، وتجارة نامية، وليل كالنهار، تسطع فيه الأنوار، وتُؤدَّى فيه الأعمال.

     ولقد تناست القرية، أنى موطن المتعلمين، ومجتمع المتأدبين، أبنائى أهل الظرف، ومعدن اللطف، فعسى أن تطأطىء رأسها، وتعرف قدر نفسها، فما كانت لتفاخرنا، أو توجه الطعن إلينا.


author-img
عزت عبد العزيز حجازي

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent