recent
أخبار ساخنة

المؤلف الصغسر

عزت عبد العزيز حجازي
الصفحة الرئيسية

 

 



      كان " أشرف " غلاما فى الثالثة عشر ، يعيش مع أمه فى غرفة صغيرة ، فوق إحدى الدور الكبيرة، وكان أبوه قد مات ، ولم يترك لهما شيئا من المال ، ولم يكُن للغلام عم يكفله ولا خال يعطف عليه ، فاضطرت أمه إلى الإرتزاق ، واتخذت من الخياطة حرفة ، تنفق من أجرتها على نفسها ، وعلى ولدها الصغير اليتيم ...

      وذات يوم ، مرضت الأم ولزمت فراشها ، فانقطع أشرف عن مدرسته ، ليمرضها ويعتنى بها ، وهو يأمل أن تبرأ من مرضها سريعا ، فيعود إلى مدرسته ، وتعود أمه إلى عملها ، ولكن مرضها طال ،، حتى نفذ ما كانت تدخره من المال ، ولم يبقى مع أشرف جنيها واحدا ، ينفقه ثمنا للطعام ، أو الدواء ، أو لأجرة الطبيب ...

      ضاقت الدنيا فى وجه أشرف ، ولم يدر ماذا يفعل ، فترك أمه راقدة فى فراشها وخرج يمشى فى شوارع المدينة ، وهو فى حيرة شديدة من أمره ، وطال سيره دون أن يهتدى إلى حيلة ، وكان فى أثناء سيره يغنى أغنية حزينة ، مؤثرة ، كان قد ألفها وهو ساهر إلى جانب فراش أمه يمرضها ، ولم يكُن أشرف مليح الصوت ، ولكن أغنيته كانت رقيقة الكلمات ، صادقة التعبير عن ألامه ...

      فبينما هو سائر فى طريقه يُغنى والحزن يملأ قلبه ، إذ وقع نظره على دار أنيقة ، فخمة ، مكتوب على بابها ، دار المغنية " ميساء " ...

      وكانت ميساء أشهر مُغنيات المدينة فى ذلك الوقت ، وكان لها صوت يسحر ويأسر ، وغناء يطرب ويؤثر ، وكانت إلى ذلك ، عطوفا ، مُحسنة ، طيبة القلب ، ولم يكن أشرف قد رآها من قبل ، أو عرف دارها ، ولكنه سمع بإسمها ، وعرف بعض خبرها ، فلما وقع نظره على تلك الدار الأنيقة ، قال لنفسه :

( أفى مثل هذه الدار ، تعيش ميساء المغنية ، وأنا وأمى نعيش فى غرفة ، منفردة فوق سطح إحدى الدور، لا نملك ثمن الطعام ، ولا حتى الدواء ، ولا أجر الطبيب ، سبحان الله القائل " يرزق من يشاء بغير حساب) ...

      ثم تذكر ما تحكيه الصحف عن عطف ميساء ولطها ورقة قلبها ، فطمع فى معونتها ، ولكنه لم يلبث أن أنف وتعفف وقال لنفسه :

( لا يليق بإنسان شريف مثلى ، أن يمد يده للسؤال ، أو يطلب معونة من غير الله ) ...

      ثم خطرت على باله الأغنية التى كان يدندن بها منذ لحظات ، فقال لنفسه :

( لو أننى كنت مليح الصوت لربحت بالغناء مالا جما وصرت أغنى من ميساء وأعظم مقاما ، فإننى أستطيع – دونها - أن أؤلف الأغانى لنفسى ، ثم – بالدراسة فى معهد الموسيقى – أن ألحنها وأغنيها كذلك ، أما هى فإنها لا تحسن غير الغناء فقط ، بعدما يصنع لها المؤلفون الأغانى فتشتريها منهم ) !

      كان أشرف مسترسلا فى هذه الأفكار وهو ماش فى طريقه ، فلما إنتهى من تفكيره إلى هذا الحد ، قال لنفسه :

( لماذا لا أعرض عليها الأغنية التى ألفتها ، لعلها أن تعجبها فتشتريها ، فأجد مالا أشترى به طعاما ودواء لأمى ) ...

      ولم يتردد أشرف فى تنفيذ هذه الفكرة ، فكر راجعا إلى دار المغنية ، ووضع إصبعه على جرس الباب ...

      وكانت المغنية فى وقت راحتها ، ولكن البواب لم يكد يخبرها ، أن الذى يدق الجرس صبى فى الثالثة عشرة ، حتى هشت وبشت ، ولم يطاوعها قلبها على رده ، وسمحت بإستقباله ...

      وجلس الصبى بين يديها خجلا ، ثم قال لها :

- إننى صنعت أغنية تلائم صوتك الرقيق البديع ، فهل تشتريها يا سيدتى ؟

       فابتسمت المغنية إبتسامة عذبة ، ثم قالت :

-       قبل أن تسمعنى إياها ، أريد أن أسألك ، ماذا تنوى أن تفعل بثمنها ؟

      فسكت أشرف برهة ، ثم آثر الصدق ، فقال لها :

-       أريد أن أشترى دواء لأمى !

-       فلمعت دمعتان فى عينى المغنية ، ولكنها أخفت وجهها عن الصبى ، وهى تقول له :

-       - أسمعنى أغنيتك أيها المؤلف الصغير ...

-         فخفق قلب أشرف بالأمل ، ثم أخذ ينشد أغنيته بصوت هادىء واضح ونغمة مؤثرة ، فلما فرغ من إنشادها ، قالت له المغنية :

-       - إن كلمات أغنيتك جميله يا صديقى أفأنت الذى ألفتها ؟

-       قال :

-       - نعم يا سيدتى ، وصنعت لحنها كذلك !

-       قالت المغنية باسمة :

-       - أما عن اللحن فدعه لى ، فسأعرض كلماتك على ملحن خاص بى ، دارس لأصول التلحين

-   فى معهد الموسيقى ، والآن ، خذ تلك النقود من ثمن أغنيتك ، لتشترى بها طعاما ودواءا لأمك ، ثم هذا كارت تعارف منى تستطيع أن تدخل به – وقتما تشاء - مسرحى الغنائى مجانا ...

-         أسرع أشرف فاشترى لأمه بعض ما تحتاج إليه من الطعام والدواء ، ثم أنبأها بما حدث والدموع تسقط من عينيه ...

-        وفى مساء إحدى الليالى ، كان أشرف جالسا على مقعد وثير فى الصف الأول من المسرح ، ينتظر ظهور المغنية ميساء ، فما هى إلا لحظات حتى إرتفعت الستارة وبرزت المغنية ، ثم تهيأت للغناء...

-             وارتفع صوتها رويدا رويدا وهى تغنى :

-       من لليتيم الصغير يحنو عليه

-       من للمريض الفقير     يهفو إليه

-         وكاد أشرف أن يجن من الفرح ، حين سمعها تنشد كلمات أغنيته ، ولكن إعجاب الناس بالكلمات واللحن كان أشد وأعظم ، فلم تكد تفرغ المغنية من إنشادها ، حتى دوى المسرح بهتاف الإعجاب ودوى التصفيق ، وتكدست طاقات الزهر تحت أقدام المغنية ، ولكنها تقدمت خطوة نحو الجماهير الهاتفة ، لتقول وهى تشير إلى أشرف :

-       - حيوا معى هذا المؤلف العبقرى الصغير !

-         وكان أشرف فى طريق عودته إلى غرفته على السطح ، لا يفكر فى فقره وبؤسه ، ولا فى يتمه ومرض أمه ، لأن الفوز الغظيم الذى ظفر به فى تلك الليلة ، كان يستغرق كل تفكيره ...

-       وفى صباح اليوم التالى ، كان أشد سرورا ونشوة حين رأى ميساء ، أشهر مغنيات المدينة ، تطرق باب غرفته على السطح ، ثم تدخل فتربت على كتفه وتمسح شعره ، ثم تقول لأمه فى عطف :

-   - إن ولدك يا سيدتى مؤلفا عبقريا ، وقد دفعت له جزءا من مقدمة أول أغنية دفعها لى ، أما باقى الثمن فقد حضرت بنفسى لأدفعه إليك ...

-           ثم دفعت إليها بباقى المبلغ ...

-   ومنذ ذلك اليوم ، حسنت حال أشرف وأمه واتسع رزقهما وابتسمت لهما الحياة ، ولم تمض إلا سنوات ، حتى كان أشرف من أشهر شعراء الأغانى !

إنتهت


author-img
عزت عبد العزيز حجازي

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent