recent
أخبار ساخنة

كيف كانت نهاية الطغاة ؟ وكيف خرج الشعب من الظل؟

عزت عبد العزيز حجازي
الصفحة الرئيسية

 



كيف كانت نهاية الطغاة ؟ وكيف خرج الشعب من الظل؟
 

 

o      حين أشرقت سنة 1951 على نهايتها كانت (مصر الرسمية)؛ قد صارت أشبه ما تكون بشيخ مقسوم الظهر؛ تكالبت عليه أمراض الشيخوخة؛ كل شئ فيه يسوء؛ ويتدهور وينهار؛ (فاروق الملك) رأس الدولة يفقد كرامته؛ وإعتباره؛ وكل مبررات وجوده؛ و(الحكومة) التي جاءت وقتها إلى الحكم؛ بناء على رغبة الشعب؛ وبإرادته تعجز تماماً عن تلبية مطالبه؛ ويسلمها العجز إلى نوع من الفساد الحزبي؛ أفقدها –هى الأخرى- كل سمعتها؛ وكل إعتبارها.. بينما كان (الزعماء الآخرون) يلزمون أماكنهم التقليدية في مقاعد المتفرجين؛ إنتظار الإشارة من إصبع الملك؛ يحلون بعدها محل (الحكومة)؛ التي كان تيار الفساد الحزبي قد جرفها أمامه؛ ولم يعد لديها ما يمكن أن تتوقى به النهاية التي بانت لها علاماتها؛ وسمعت دبيب أقدامها؛ ولم يكن أمامها إلا الإمعان في العمل على الفور برضاء (صاحب الجلالة)؛ وذلك بالإسراف في تملقه؛ بالمبالغة في الزلفى إليه؛ بالمسارعة في تنفيذ رغباته؛ حتى قبل أن ينطق بها!!؛ رغم أن رغبات (الملك) هذه؛ لم يكن لها إلا نبع واحد؛ تنبع منه.. وقد كان نبع الإنحراف؛ والشطط؛ والتجاوز الكامل لكل حق؛ ولكل قانون!!.

.. كانت تلك هى صورة (مصر الرسمية) في أخريات سنة 1951.. أما (مصر الشعبية)؛ في نفس الحقبة؛ فكانت صورتها شيئاً مختلفاً عند تلك التي كانت عليها صورة (مصر الرسمية) بعد ما أضحت –كما قدمت- أشبه ما تكون بشيخ تكالبت عليه أمراض الشيخوخة!

.. كانت (مصر الشعبية) قد تحولت إلىة بركان يغلي بالغضب؛ بالإستعداد المحموم للإنفجار؛ كانت جماهير الشعب الحرة.. تقوم بواجبها الوطني في تعميق إيمانها بنفسها؛ وبإرادتها.. وغدت كلمة (الثورة) من أكثر الكلمات تدفقاً على أسنة الكتاب الأبطال؛ لم يكن تدفق هذه الكلمة ضعيفاً؛ ولا خافتاً؛ ولا متلصصاً؛ بل كان متدفقاً؛ عالياً؛ وذا صوت مسموع. كما غدا (البحث عن زعيم)؛ هو ما يقلق الناس جميعاً؛ وذلك بسبب يأس كامل من الزعامات التي كانت قائمة؛ بعد أن عرفوها؛ وكفروا بها بعد سنين طويلة؛ من الصبر عليها؛ بعد أن صدأت؛ وتآكلت؛ ولم يعد بوسعها أن تصنع شيئاً لإنهائ (جبل الفساد).

.. في وسط هذا الجو الملبد بالغيوم؛ والذي لم يعد فيه من بارقة واحدة:(الثورة).

.. وبالفعل حدثت المعجزة بعد أن إستيقظ الناس في الساعة السابعة والنصف تماماً صباح يوم الأربعاء 23 يوليو 1952؛ على صوت واثق؛ قوي؛ عميق؛ يقرأ عليهم أول بيان للثورة؛ كان صاحب هذا الصوت هو (أنور السادات) عضو مجلس قيادة الثورة.

.. نزل الناس؛ بعد أن إستمعوا لهذا البيان؛ إلى الشوارع ليجدوا جنود الثورة قد إنتشروا فيها؛ وإحتلوا قيادة الجيش؛ وسيطروا على جميع الموافق.

.. إحتضن الشعب الثورة؛ بملء حبه؛ وإخلاصه؛ وحماسته؛ فلقد توقعها طويلاً؛ وإنتظرها طويلاً.. وكانت لديه آمال عريضة؛ وعديدة؛ يعلقها على مجيئها.

.. وإذ تلقى الشعب الثورة؛ بكل ذلك الحب الذي تلقاها به؛ فقد إزدادت الثورة ثقة بنفسها؛ وبالأرض التي تقف عليها؛ وبالأهداف التي كانت تعتزم المضي إليها.

.. أخذت الثورة –وقد زادها إحتضان الشعب لها ثقة بنفسها؛ وبالأرض التي تقف عليها- تملي مطالبها على (الملك) وأخذ (الملك) من ناحيته؛ يتلقى هذه المطالب بالإذعان والتسليم.

.. كان أول مطلب للثورة هو تنحية (نجيب الهلالي) عن رئاسة الوزرارة؛ وتعيين(علي ماهر) بدلاً منه؛ وكانهذا المطلب متفقاً تماماً وآراء (الضباط الأحرار)؛ التي كانت تحملها منشوراتهمالسرية في الأحداث الجارية؛ فلقد كانوا ساخطين على (نجيب الهلالي)؛ وسياسته؛ ولعله لم يهرب من المسرح الكبير؛ في المرة الأولى؛ إلا لأنه تبين أن هناك عنصراً مخيفاً؛ موجوداً في المعركة؛ وأن لهذا العنصر المخيف رأياً على غاية من السوء فيه؛ كذلك كان (للضباط الأحرار) شئ من الرضاء عن سياسة (حكومة علي ماهر)؛ التي جاءت إلى الحكم في أعقاب (حريق القاهرة)؛ فضلاً عن إستقلال الرجل عن الأحزاب جميعاًـ وتمتعه بغير قليل من كراهية الملك له.

.. أما المطلب الثاني للثورة؛ فكان إبعاد المفسدين من رجال الحاشية الملكية؛ وقد حددتهم الثورة فيستة أسماء؛ (أنطوان بوللي) مدير الشئون الخصوصية؛ و(محمد حسن)؛ الخادم الخاص؛ و(إلياس أندراوس)؛ المستشار الإقتصادي و(يوسف رشاد) الطبيب الخاص؛ و(حسن عاكف) الطيار الخاص؛ و(محمد حلمي حسين) السائق الخاص؛ وكان مطلوباً أيضاً إبعاد (كريم ثابت)؛ ولكن تبين أنه قد إستقال من قبل.

.. وأذعن الملك لكلا المطلبين؛ متوهماً أن هذا هو كل ما قامت من أجله الثورة.. وأنه يستطيع أن يلاينها؛ وأن يسلم لها بما تريد؛ حتى تجئ ساعة يستطيع أن ينقض عليها؛ ويسترجع ما فقد؛ فلم يكن يعلم أن ما نجحت الثورة في إخفائه؛ حتى ذلك الوقت؛ كان أخطر بكثير من كل ذلك الذي أعلنته.

.. ومرت على ذلك أيام ثلاثة.. جففت فيها الثورة عرقها؛ وإزدادت؛ فوق إزدياد؛ وثوقاً من نفسها؛ ومن الأرض التي تقف عليها؛ ثم وجهت إلى الملك؛ في صباح السبت –السادس والعشرين من يوليو- ضربتها القاضية التي حملها إليه الإنزار التالي.

.(نظراً لما لاقته البلاد في العهد الأخير من فوضى شاملة عمت جميع المرافق؛ نتيجة سوء تصرفكم؛ وعبثكم بالدستور؛ وإمتهانكم لإرادة الشعب؛ حتى أصبح كل فرد من أفراده؛ لا يطمئن على حياته؛ أو ماله؛ أو كرامته.

( ولقد ساءت سمعة مصر بين شعو العالم من تماذيكم في هذا المسلك؛ حتى أصبح الخونة والمرتشون يجدون في ظلكم الحماية والأمن؛ والثراء الفاحش؛ والإسراف الماجن على حساب الشع الجائع الفقير.

(ولقد تجلت آية ذلك في حرب فلسطين؛ وما تبعها من فضائح الأسلحة الفاسدة؛ وما ترتب عليها من محاكمات تعرضت لتدخلكم السافر؛ مما أفسد الحقائق؛ وزعزع الثقة في العدالة؛ وساعد الخونة على ترسم هذه الخطى؛ فأثرى من أثرى؛ وفجر من فجر؛ وكيف لا؛ والناس على دين ملوكهم.

(لذلك؛ فقد فوضني الجيس؛ الممثل لقوة الشعب أن أطلب من جلالتكم التنازل عن العرش لسمو ولي عهدكم الأمير أحمد فؤاد؛ على أن يتم ذلك في موعد غايته الساعة السادسة من مساء اليوم نفسه؛ والجيش يحمل جلالتكم كل ما يترتب على عدم النزول على رغبة الشعب من نتائج).

***

.. كان الموعد الذي حدده مجلس قيادة الثورة لخلع (فاروق) من فوق عرشه؛ هو يوم: الجمعة الخامس والعشرين من يوليو سنة 1952؛ وبالفعل؛ سافر رئيس مجلس القيادة.. ومعه نصف أعضاء المجلس إلى الإسكندرية –حيث كان الملك والوزراء موجودين هناك- لتنفيذ عملية عزل (الملك)؛ ولكن رؤى في اللحظة الأخيرة.. ولأسباب تتعلق بالشئون الإدارية؛ للطابور المدرع الذي إنتقل من القاهرة إلى الإسكندرية؛ لمحاصرة قصور الملك؛ تأجيل تنفيذ العملية إلى اليوم التالي؛ السبت 26 يوليو.

.. وحينما إستقر الرأي على ذلك إنتهز (قائد الجناح جمال سالم) عضو مجلس القيادة فرصة تأجيل التنفيذ.. وأثار مناقشة خطيرة حول مصير الملك بعد عزله.

.. قال (جمال سالم):

-لقد قرر مجلس القيادة خلع (فاروق) عم عرشه... ولكنه لم يقرر: ماذا بعد الخلع؛ هل يقبض عليه؛ ويحاكم؛ ويعدم...؟! أم يكتفي بخلعه عن العرش؟!.

.. ومضى نصف مجلس القيادة الذي كان موجوداً بالإسكندرية؛.

.. بدأ (جمال سالم) المناقشة بحماسة المدعي العام الذي يطالب بعنق قاتل:

-أتريدون أن تتركوا (فاروقاً) يفلت منا؛؟!.. أتريدونه يخرج حياً من مصر؛ إنه قاتل؛ فيجب أن نشنقه؛ كما يشنق القتلة؛ إنه قائد خان جيشه؛ فيجب أن يعدم رمياً بالرصاص كما يعدم الخونة في الجيوش.. وهو لص؛ فيجب أن يسجن كما يسجن اللصوص الصغار.

.. وإعترض بعض زملاء (جمال):

-إننا سنخلعه عن العرش؛ وهذا؛ في رأينا؛ يكفي؛ وصرخ (جمال سالم):

-إن هذا لا يكفي أبداً. إننا هنا نمثل العدالة؛ إن المحاكم تعدم الرجل العادي الذييقتل رجلاً واحداً؛ فما بالكم برجل قتل شعب بأسر؟!!.

.. وقال أعضاء مجلس القيادة:

-إن ثورتنا إمتازت بأنها لم ترق قطرة دم واحدة؛ ولا نريد أن نشوه جمالها بقطرة دم واحدة؛ ولو كانت هذه القطرة من دم (فاروق).

.. فقال (جمال سالم):

-أذكروا من قتلهم (فاروق).. يجب أن تثأر لدمهم؛ أذكروا شهداء قلسطين الذين رأيتموهم بأعينكم يموتون بسبب الأسلحة الفاسدة التي مونهم بها (فاروق) يجب أن ننتقم لهم.

واستمر (جمال سالم) في مرافعته؛ محاولاً إقناع زكلائه بوجهة نظره:

-كيف تريدون أن نكتفي بعزل (فاروق)؛ ونتركه حياً؟!! إن عنده أموالاً طائلة في الخارج؛ يستطيع أن يستخدمها في محاربة مصر وقضيتها؟!!. إن الدول الإستعمارية سوف تستخدمه ألة في يدها؛ لتهديد مصر وشعبها؛ إنني أنبهكم: إنكم تتركون القاتنل يفلت من أيديكم.

.. وتكهرب الجو....

.. فلقد إستغرقت هذه المناقشة الساخنة خمس ساعات كاملة.. (من التاسعة مساء الجمعة 25 يوليو؛ حتى الثانية من صباح السبت 26 يوليو) دون أن يستطيع (جمال سالم) إقناع نصف مجلس قيادة الثورة الذي كان موجوداً بالإسكندرية؛ بوجهة نظره فيما يتعلق بمصير (فاروق). وعندئذ رؤى أن يسافر (جمال سالم) بالطائرة إلى القاهرة لإستطلاع رأي نصف مجلس قيادة الثورة الآخر الذي كان قد بقى بها؛ فيما ينبغي أن ينتهي إليه مصير (فاروق) بعد عزله.

.. وبالفعل؛ طار (جمال سالم) في الثانية والنصف من صباح السبت 26 يوليو؛ إلى القاهرة لإستطلاع رأي النص الآخر لمجلس القيادة؛ وجاء رأي الموجودين في القاهرة. هكذا:

-إن الثورة تريد أن تتخلص من (فاروق) في أسرع وقت؛ لكي تتفرغ لما هو أهم من(فاروق)؛ وهو تخليص البلاد من بقية الفساد الذي تركه (فاروق) وراءه؛ ولكي تعد العدة لعهد جديد يستعيد فيه الشعب حقوقه؛ وكرامته؛ وسيادته؛ وإن من أهداف الثورة تحقيق العدالة. وعلى ذلك؛ فنحن لا يمكن أن نعدم (فاروقاً) بغير محاكمة؛ ولا يمكن؛ في نفس الوقت؛ أن نتركه مسجوناً ونشغل أنفسنا بقضيته؛ تاركين أهداف الثورة بغير تنفيذ؛ فلنترك (فاروقاً) حياً؛ وسوف يحكم التاريخ بإعدامه.

.. وبأمانة مطلقة.. حمل (جمال سالم) رأي أعضاء مجلس القيادة الموجودين في القاهرة –وكان على رأسهم (جمال عبد الناصر)- وعاد إلى الإسكندرية؛ فوصلها في السادسة من صباح السبت 26 يوليو ومعه رأي القاهرة في مصير (فاروق) ملخصاً في كلمتين إثنتين (العزل).. و(الطرد).

.. وفي السابعة تماماً من صباح ذلك اليوم. تحركت الطوابير المدرعة؛ والمدفعية؛ والمشاة؛ فأخذت مواقعها حسب الخطة الموضوعة.

.. كان (فاروق) وقتما وصلته أول أخبار عن قيام الثورة؛ موجوداً بـ (قصر المنتزه)؛ ولكنه ما لبث أن غادره؛ في ليل الجمعة 25 يوليو –إلى قصر (رأس التين) حيث توجد ثكنات الحرس الملكي بقواته الرئيسية؛ وحيث يوجد السلاح البحري الملكي؛ ولعله تخيل؛ وهو يقرر هذا الإنتقال المفاجئ من قصر إلى قصر؛ أن الحرس الملكي؛ ومدافع الأسطول يمكن أن يقاتلا الجيش دفاعاً عن بقائه فوق عرشه!!.

.. هكذا غادر (فاروق) قصر المنتزه فيسيارة خاصةقادها بنفسه؛ وركبت معه فيها زوجته (ناريمان) وإبنه (أحمد فؤاد)؛ ومربيته؛ بينما جلس إلى جواره طياره الخاص: (حسن عاكف)؛ وتبعته سيارة أخرى تحمل بناته من الملكة السابقة:(فريدة) وبات (فاروق) ليلته هذه –ولا أقول (نام)؛ فذلك كان مستحيلاً- ينتظر؛ ويترقب ما سوف يحمله إليه النهار.

.. وفي الصباح المبكر من يوم السبت 26 يوليو؛ كان أزيز طائرات سلاح الجو المصري؛ يمزق السكون المخيم على الإسكندرية؛ بينما راح شريط طويل من الدبابات يشق (طريق الكورنيش) متجهاً إلى (قصر رأس التين)؛ ورأى الناس في هذه؛ زتلك؛ علامات الساعة بالنسبة للملك!.

.. وعندما بلغت الساعة تمام التاسعة من صباح ذلك اليوم؛ كان هناك شئ آخر أكثر خطورة يجري في مكتب رئيس الوزراء.. لقد وصل إليه رئيس مجلس قيادة الثورة؛ وبرفقته إثنان من أعضائه:(البكباشي أنور السادات).. و(قائد الجناح جمال سالم). وأخرج رئيس المجلس ورقة في حجم الفولسكاب؛ وناولها لـ (أنور السادات)؛ الذي راح يقرأ منها؛ بصوت مفعم بالقوة؛ وبالثقة؛ نص (الإنذار)؛ سلمه إلى رئيس الوزراء الذي أخذه منه؛ وغادر؛ على الفور؛ مكتبه متوجهاً إلى قصر (رأس التين)؛ فبلغه في تمام العاشرة.

.. إستقبل الملك رئيس وزرائه في لهفة وقلق باديين. فلابد أن لدى رئيس الوزراء شيئاً هاماً؛ وإلا ما ذهب إليه في هذا الوقت؛ في مثل هذه الظروف. ولعله تصور أن الأمر سوف لا يعدو أن يكون مطلباً آخر من مطالب الثورة التي راض نفسه على الإذعان لها؛ حتى تحين ساعة يستطيع أن ينقض عليها فيها.

.. ولم يشأ (علي ماهر) أن يوجه إليه الضربة القاضية دفعة واحدة؛ ربما لأنه تلقاه في سنة 1936؛ صبياً وديعاً؛ ولعل صورة ذلك الرجل الفاسد؛ السفيه الذي لم ينل منه الشيطان؛ بقدر ما نال هو من نفسه.

.. وتكلم (علي ماهر).. فقال للملك بضع كلمات قصد بها أن يمهده للضربة القاضية التي كانت وشيكة النزول على رأسه.

.. قال (علي ماهر) للملك:

-إن الموقف خطير؛ فالشعب ثائر؛ والجيش متحفز... والإثنان معاً ضدك؛ ورأيي الشخصي هو أن تضحي جلالتك؛ وتتنازل عن العرش لإبنك؛ وبذلك تتفادى أي إحتكاك مع الشعب والجيش؛ وتضمن بقاء الملك في أسرة (محمد علي)!!.

.. وأطرق (فاروق) برأسه لحظات؛ كأنما يتأمل مدى الإخلاص الذي تنطوي عليه هذه النصيحة؛ ثم رفع رأسه؛ وقال لـ (علي ماهر):

-أنا موافق؛ لكن لي طلبات..

وسأل رئيس الوزراء الملك عن طلباته.

فقال أنه يريد أن يصطحب إبنه معه؛ وأن يسمح لكل من يريد من أفراد العائلة مصاحبته؛ وأن يتولى قيادة اليخت الذي سيبحر.. البكباشي (جلال علوية). وأن يختار بنفسه الرجال الذين سيتولون حراسته في الخارج.؛ وأن يسمح له بأن يأخذ (بوللي) معه!.. وأن يكون هو –أي (علي ماهر)_ والسفير الأمريكي في وداعة عند سفره؛ ضماناً لحياته.

.. وتعهد (علي ماهر) بتبليغ طلبات الملك لمجلس قيادة الثورة؛ ثم مد يده إلى جيبه؛ فأخرج (الإنذار)؛ وقدمه للملك الذي ما إن بدأ يقرأه؛ حتى إمتقع وجههة بصورة ملفتة؛ وقال لـ (علي ماهر):

-لكن دي لهجة عنيفة جداً.. وما تصحش في موقف زي ده.

.. فقال (على ماهر) أنه لم يحمل إليه الإنذار الأول.. وأنه بذل غاية جهده في إقناع ممثلي مجلس القيادة بتخفيف الصيغة حتى جاءت على هذا النحو.

.. فقال (فاروق):

-لازم الإنذار الأول كان فظيع جداً.

.. ويبدو أن (علي ماهر) أراد أن يخفف من وقع (الإنذار) على (الملك). فالحقيقة في هذا الأمر؛ هى أن (علي ماهر) لم يغير في (الإنذار) –بصفته الأولى التي كانت هى أيضاً مككتوبة بخط (أنور السادات)- غير كلمتين إثنتين فحسب؛ قلقد كان (الإنذار)؛ في صيغته الأولى يقول في سطر من سطوره:(... وإمتهانكم لإرادة الشعب حتى أصبح كل فرد من أفراده لا يطمئن على حياته؛ أو ماله؛ أو عرضه؛ أو كرامته).. فاستبعدت منه؛ في صيغته الثانية؛ كلمة:(عرضة).

.. وكانت الصيغة الأولى تقول في سطر من سطورها:(... على حساب الشعب الجائع؛ الجاهل؛ الجاهل؛ الفقير؛ فاستبعدت في الصيغة الثانية كلمة:(الجاهل)؛ وكان هذا –للتاريخ- هو كل ما أدخل على (الإنذار) من تعديل.

***

.. عاد( علي ماهر) إلى مقر رئاسة الوزارة في (بولكلي) حيث كان ممثلو مجلس القيادة ينتظرون عودته؛ فأبلغهم موافقة (الملك) على التنازل عن العرش؛ وكذلك أبلغهم طلباته فوافقوا عليها كلها؛ فيما عدا إصطحاب (بوللي) معه.

.. وإستدعى رئيس الوزراء الأستاذ (سليمان حافظ) وكل مجلس الدولة؛ والمستشار القانوني لرئاسة مجلس الوزراء لوضع تنازل الملك عن العرش في صيغته القانونية ورأى (سليمان حافظ) ألا ينفرد بصياغة أخطر وثيقة في تاريخ مصر الحديث؛ فأشرك معه الدكتور (عبد الرزاق السنهوري)؛ رئيس مجلس الدولة في صياغة هذه الوثيقة التاريخية التي جاء نصها على هذا النحو.

.. (نحن فاروق الأول ملك مصر والسودان؛ لما كنا نتطلب الخير دائماً لأمتنا؛ ونبغي سعادتها ورقيها؛ ولما كنا نرغب رغبة أكيدة في تجنيب البلاد المصاعب التي تواجهها في هذه الظروف الدقيقة؛ ونزولاً على إرادة الشعب؛ قررنا التنازل عن العرش لولي عهدنا الأمير "أحمد فؤاد" وأصدرنا أمرنا بهذا إلى حضرة صاحب المقام الرفيع "علي ماهر" باشا؛ رئيس مجلس الوزراء للعمل بمقتضاه.

      صدر بقصر رأس التين في 4 ذي القعدة سنة 1371 – 26 يوليو سنة 1952).

.. وحين إستقر الرأي على هذه الصيغة؛ أضيفت إليها عبارة.. (ونزولاً على إرادة الشعب)؛ بناء على إصرارقائد الجناح (جمال سالم)؛ حملها الأستاذ (سليمان حافظ) متوجهاً إلى قصر رأس التين؛ ليضع عليها (الملك) توقيعه.

.. إستقبل (سليمان حافظ) عند وصوله إلى القصر الأميرالاي (أحمد كامل) قائد بوليس القصور الملكية وقاده إلى قاعة فسيحة في وسطها منضدة كبيرة من الرخام الأسود المموه بالأبيض.. وفي هذه القاعة الموحشة؛ جلس (سليمان حافظ) وحده تماما وليس معه ما يؤنس وحشته؛ غير ورقة صغيرة جداً لكنها –على صغرها- كانت أشد ما تكون شبهاً بخنجر مسموم وشيك النفاذ إلى قلب الملك.

.. وبعد قليل؛ وصل الملك؛ كان يرتدي الزي الصيفي لأميرال الأسطول البحري؛ واتجه مباشرة إلى تلك المنضدة التي كانت تتوسط القاعة فاتجه (سليمان حافظ) بدوره إليها؛ والتقيا حولها فتصافحا وأخرج (سليمان حافظ) وثيقة التنازل عن العرش؛ وقدمها للملك الذي ألقى عليها نظرة عاجلة؛ ثم إلتفت إلى (سليمان حافظ) يسأله:

-هل هى محكمة الوضع من ناحية القانون.

.. وأجاب (سليمان حافظ)

-نعم.

.. وعاد الملك يسأل:

-وأسباب التنازل.. من أين جئتم بها؟!..

.. فقال (سليمان حافظ)

-إستلهمناها من مقدمة الدستور..

.. يا لسخرية القدر.. لقد إستطاع الدستور؛ أخيراً؛ أن يثأر لنفسه؛ فالهم رحال القانون صيغة طرد الملك الذي كان يجد في العبث به؛ والعدوان عليه؛ متعة لا تدانيها متعة!!.

.. كان (الملك) يحاول أن يبدو هادئاً؛ ولكن سعلات قصيرة كانت تنتابه؛ فتكشف عن أنه يعاني حالة إنفعال عصبي شديدة؛ كان يبذل جهداً واضحاً للسيطرة عليه.

.. وعاد (الملك) يقرأ وثيقة تنازله عن العرش كلمة كلمة؛ وقد أخرج من جيبه قلماً إستعداداً لتوقيعها؛ فلما وصل في قراءته للوثيقة إلى عبارة:(ونزولاً على إرادة الشعب)؛ نظرل إلى (سليمان حافظ) وقال:

-ألا يمكن إضافة كلمة:(وإرادتنا) بعد عبارة (ونزولاً على إرادة الشعب).

.. فقال (سليمان حافظ):

-لقد صغنا نزولكم عن العرش في صورة أمر ملكي.

.. فقال الملك:

-إذن؛ ليس هناك ما يمنع من إضافة هذه الكلمة.

.. فقال (سليمان حافظ) –وقد أطلق عليه (فاروق) بعد ذلك لقب::(التمساح العجوز) –قال:

-إننا لم نصل إلى الصيغة التي بين أيديكم إلا بصعوبة.

.. وهنا لاحت على وجه (الملك) علامات إهتمام كبير بما قاله له؛ (التمساح العجوز). وسأله:

-معنى هذا أنهم كانوا يريدون مني أن أوقع على ورقة أخرى؛ قل لي: ماذا كان فيها؟!.

.. قال (سليمان حافظ):

-إنني لم أطلع عليها.

.. قال (الملك):

أنت تمتنع عن ذكر ما جاء فيها حتى لا تجرح شعوري لكنني أعدك ألا أتأثر مما ستقوله لي.

.. فأقسم (سليمان حافظ) للملك بشرفه بأنه لم يطلع عليها؛ وعندئذ أمسك (الملك) بقلمه؛ ووقع بإمضائه في ذيل الوثيقة.. ولكن التوقيع جاء مضطرباً؛ فنظر إلى (سليمان حافظ) وقال:

-لعلك تقدر الظروف؛ فتلتمس لي العذر في أن التوقيع لم يكن كما أود؛ ولذا سأوقع مرة أخرى؛ ووقع الملك على الوثيقة مرة أخرى؛ وكان التوقيع في أعلاها.

.. وصافح (سليمان حافظ) الملك مودعاً؛ وغادر القصر الملكي عائداً إلى قصر رئاسة الوزراء؛ يحمل معه آخر سطر في خاتمة الرواية المأساة؛ الملهاة التي كان مضى عليها سنوات طويلة وهى تمثل على مسرح الأحداث في مصر؛ وكان (مخرجها المجنون) هو هذا الملك نفسه!!.

.. مرت الساعات الباقية بطيئة؛ ومتثاقلة؛ حتى إذا جاءت الساعة الخامسة والنصف؛ كان على رصيف (رأس التين) قوة من الحرس الملكي على هيئة (قره قول شرف) وكان هناك رجلان جاءا لوداع الملك: رئيس وزراء مصر (علي ماهر) وسفير أمريكا في مصر (جيفرسون كافري).

.. نزلت؛ أولاً الملكة (ناريمان)؛ وبنات (فاروق) وتوجهن مباشرة إلى (المحروسة)؛ وبعد قليل ظهر الملك يرتدي الزي الصيفي لأميرال الأسطول؛ نفس الزي الذي كان يرتديه عندما إستقبل (سليمان حافظ) كان ينظر فيمن حوله بعينين زائغتين يدلان على أن الجهد الذي بذله؛ منذ الصباح؛ ليبدو مسيطراً على نفسه؛ وعلى أعصابه؛ قد أخذ يتبدد؛ وتقدم منه (علي ماهر)؛ مصافحاً.

.. لم يستطع الرجل؛ لحظتها؛ أن يمنع نفسه من البكاء؛ ربماً حزناً على المصير الذي إنتهى إليه؛ الملك؛ الذي باع للشيطان نفسه؛ وربما رثاء له لأنه كان بوسعه ألا يبيع للشيطان نفسه؛ لكنه –بكل الغباء والغرور؛ والجنون – رفض أن يفعل! ثم إقترب (كافري) من الملك وصافحه مودعاً؛ وحظ سعيد يا صاحب الجلالة؛ وكررها مرتين؛ ثم أخذ يتراجع؛ وهو يجهش بالبكاء.

.. ومشى (فاروق) إلى (اللنش) الذي أقله إلى (المحروسة)؛ بخطوات بطيئة جداً؛ كمن يمشي في جنازة؛ وكانت هناك بالفعل جنازة؛ وكانت هناك بالفعل جنازة؛ جنازة عرشه الذيب أضاعه بطغيانه.. وبأخطائه؛ وخطاياه.

.. وعندما بلغت الساعة تمام السادسة من مساء يوم 26 يوليو سنة 1952.. كان قرص الشمس قد أخذ ينحدر نحو البحر في سرعة؛ ليغوص في أعماقه؛ حتى شروق جديد.. وفي هذه اللحطة ذاتها؛ كان تاريخ طوله مائة وسبع وأربعون سنة؛ هو تاريخ أسرة (محمد علي)؛ في مصر؛ ينحدر هو الآخر نحو البحر بنفس تلك السرعة؛ ليشارك قرص الشمس نفس المصير؛ ولكن إلى غروب أبدي ليس له بعده من شروق!!... ولحظة أن تحركت (المحروسة) مغادرة مياه مصر متوجهة إلى (نابلي).. حاملة على ظهرها حطام ذلك الملك الذي أبى إلا أن يتبع للشيطان نفسه؛ طوى كتاب بأكمله؛ وفتح كتاب جديد.

***

.. حدث هذا في يوم 23 من يوليو 1952.

.. أما ما حدث يوم 25 يناير 2011 فكان حدثاً جلالاً؛ معجزة كبرى أطاحت بطاغية؛ كان أكثر من (فاروق الملك) جبروتاً؛ وجهلاً وفساداً؛ بعد أن أصبح نموذجاً عالمياً للحاكم الآفاق؛ اللص؛ ويكفي دليلاً على ذلك تلك السطور الآتية : (*) والتي كتبت تحت عنوان (مرسي.. ومليارات (مبارك): (11)

.. لو صحت تقارير هيئة الأمن القومي التي نشرتها عجة صحف؛ بأن الرئيس السابق (حسني مبارك) قام بتهريب 50 مليار جنيه للخارج بأسماء مستعارة خلال السنوات الأخيرة لحكمه؛ فإن الرجل كان بالفعل زعيم عصابة حقيقي؛ يتقمص شخصية رئيس دولة في أوقات فراغه؛ وبالتالي فإن أي كلام عن الإفراج عنه لدواعي صحية كما تردد أيضاً في الصحف؛ هو بمثابة الإشتراك معه في هذه الجريمة؛ ليس فقط لأن المبلغ كبير؛ لكن لأن ما تم نشره منسوباً لتحريات المخابرات المصرية يؤكد أن الرجل الذي كان تاجر سلاح وعقارات وأسهم وسندات؛ أدار عصابة بأساليب المافيا لحفظ أرباحه في بنوك غربية؛ دون أن يراعي الأزمات الإقتصادية والمعيشية الطاحنة عانى منها غالبية المصريين خلال سنوات حكمه.

.. وكما تقول صحيفة (الجارديان) البريطانية فإن (مبارك) خلال ثلاثين سنة إستطاع الحصول على أرباح تقدر بملايين الدولارات من خلال صفقات إستثمارية؛ معظمها تم إخراجها من مصر؛ ووضعها في حسابات سريةو ببنوك سويسرية وبريطانية؛ مثل بنك (بي إس) السويسري؛ وبنك إسكتلندا؛ واستثمر بعضها في منازل وفنادق.

.. ونقلت الصحيفة عن الخبير في سياسات الشرق الأوسط البروفيسور (كريستوفر ديفيدسون) من جامعة (دورهام) البريطانية؛ أن (مبارك) وزوجته وإبنيه تمكنوا من جمع ثروتهم عبر شراكات في مجال الأعمال مع مستثمرين أجانب وشركات... ووفق الصحيفة فإنه ليس مستغرباً أن تصل قيمة ثروة أسرة (مبارك) إلى أكثر من 40 مليار دولار؛ لأن أغلب الشركات الكبرى في مصر كان مفروض عليها أن تقدم 50% من أرباحها السنوية لأحد أفراد أسرة (مبارك).

.. ومع ذلك؛ فإن ما تم الكشف عنه بالفعل حول ثروات (مبارك) المهربة لم يتعد –حتى الآن- حتجز الـ 410 ملايين فرنك سويسري؛ كشفت عنها الحكومة السويسرية؛ ومازالت الجهود جارية؛ لإستردادها؛ دون أن يبدو أن ذلك سيحدث في القريب العاجل؛ فهل يعني ذلك أننا نجري وراء سراب؛ وأن مليارات (مبارك) المهربة لن تعود للوطن أبداً؟!.. أم أن تحريات المخابرات كانت مبالغة في تقديرها؛ لحجم الثروة المشبوهة التي يمتلكها الرئيس؟!.

.. أعتقد أننا بعد كل هذا الصخب الذي صاحب الحديث عن ثروات (مبارك) وعائلته منذ ثورة يناير وحتى الآن؛ فإن الأمر أصبح يتطلب تدخل الرئيس (محمد مرسي) شخصياً؛ لكي يتابع بنفسه هذا الملف؛ الذي أصبح ممتلئاً بالألغاز والفوازير والشائعات.

.. ولا شك أن الرئيس وحده هو القادر الآن على فتح خزائن أسرار جهاز المخابرات والتيقن من الرقم الحقيقي لمليارات (مبارك) وثرواته غير المشروعة في الداخل والخارج؛ ثم تنظيم حملات شعبية ودبلوماسية لإسترداد هذه الأموال من الدول الغربية في أسرع وقت؛ قبل أن تضيع للأبد؛ وهى تتسرب أمام أعيننا كدخان في الهواء.

 من كتابي (جبروت الطاغية .. وطغيان الحاشية) وهو لم ينشر ورقياً بعد

author-img
عزت عبد العزيز حجازي

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent