recent
أخبار ساخنة

وكانت بمثابة مذبحة تعرضت لها طائرات الهليكوبتر

عزت عبد العزيز حجازي
الصفحة الرئيسية

 



وكانت بمثابة مذبحة تعرضت لها طائرات الهليكوبتر



.. رغم أن ثمة ضربات أخرى كانت حاسمة في معركة أكتوبر وقاصمة ضد العدو؛ ولم تكن تقل أبداً عن ضربة (مبارك)؛ بل ربما تفوقت عليها وزادت من جدواها وقيمتها.

.. وقد عبر عن ذلك اللواء طيار (محمد زكي عكاشه) أحد طياري حرب أكتوبر (6) حيت قال:( ورغم أهمية الضربة الجوية؛ إلا أنها ليست "حرب أكتوبر"؛ ولا تمثل كل أبعاد الأداء العسكري الذي تم بذله؛ وخوض غماره؛ فالحرب شملت كافة جهود الأسلحة المشتركة؛ لكن الإعلام –رغم هذه الحقيقة-  لازال يزعم –وفي إصرار- أن الضربة الجوية هى الحرب؛ بل وتُمثِل مفتاح النصر؛ وبالطبع كان ذلك نوعاً من التضليل؛ ومحاولة لإختزال الحرب في الضربة الجوية فحسب؛ والتي كان لابد من حدوثها والقيام بها لتمهيد الطريق لعبور قواتنا. ورغم هذا فإن ثمة أخطاء فادحة إرتكبها "مبارك" في أداء الضربة الجوية الثانية؛ بعد القيام بالضربة الجوية الأولى.. حيث كان من المفترض –حسب التحليل العسكري- إسقاط قوات صاعقة خلف خطوط العدو -وبالتحديد عند الساعة الرابعة والنصف عصراً- لمهاجمة القوات الإسرائيلية القادمة لمهاجمة قوات العبور؛ فخرجت الطائرات الهليكوبتر التي تنقل الصاعقة؛ دون حماية جوية من المقاتلات.. فحدثت مذبحة فقدنا خلالها عدداً كبيراً من الطائرات؛ و(مبارك) كان صاحب هذا القرار الخاطئ بكل المقاييس؛ فأي طائرات تحمل جنوداً؛ فمن الطبيعي أن تكون معها حماية؛ وأي خريج طيران حديث؛ يعرف ذلك جيداً.

.. لقد كان من المفترض أن تخرج المقاتلات والقاذفات لضرب نفس الأهداف مرة أخرى؛ وتخرج في حمايتها "الهليكوبتر"؛ ولكن لأن الضربة الأولى حققت أهدافها؛ تم إلغاء خروج المقاتلات؛ وإضطرت "الهليكوبتر" أن تخرُج دون حماية..)!!!.

.. ومع هذا حرص (مبارك) –طوال الوقت- على نسبة الأمر لنفسه؛ بعد أن صور له ذلك المحيطون به؛ وجوقة الإعلام التي أقنعته بصحة أعماله؛ ومحوا بذلك جهد؛ سنوات قام به 10 آلاف فرد بالقوات الجوية؛ جميعهم عملوا وبذلوا كل طاقاتهم من أجل هذه الضربة؛ ولكن كيف و(مبارك) يحب –كعادته- أن ينسب لنفسه كل الأعمال المجيدة. فمثلاً (عيد القوات الجوية) طول عمره يكون يوم إنشاء القوات الجوية؛ لكنه–ولغرض خاص به- غيَّرُه إلى 14 أكتوبر؛ تاريخ معركة المنصورة الجوية؛ بإعتبارها قد حدثت في عهد قيادته للطيران.

.. ومع كُل هذا وذاك نسىَ في زحام غروره -وعُمق جهله- أن من المستحيل عليه أن يكون صاحب كل شئ جيد؛ وبطل لكل فوز يتحقق؛ وفارس أي نجاح يتم إحرازه.. خاصة بعد أن إنقلب عليه الحال؛ وخانه حظه الدائم في ملاعب (البيضه والحجر)؛ حين تعرض لإختبار فاق ذكاؤه المحدود؛ وخذلته إمكانياته المتواضعة؛ وقدراته كطيار عادي.. وقائد بالصدفة البحتة.

.. هو صحيح كان يتميز بصموده في العمل الإداري الخاص بشئون طلبة الكلية الجوية؛ وهذه كانت إمكانياته الوحيدة لا أكثر. ولكن كان من حسن حظه تواجد أشخاص أكفاء حوله؛ هُم من خططوا؛ ورتبوا له كُل شئ؛ وصار يلقنونه كُل صغيرة وكبيرة.. وقد كانوا أصحاب خبرة وآفاق في قيادة الأسراب والألوية؛ ومن أبرزهم:(محمد شبانة وصلاح المناوي؛ وعلاء بركات؛ وفاروق عليش؛ وتحسين صايمة "7").

.. لهذا إضطر الفريق (المناوي) رئيس العمليات الجوية؛ أثناء حرب أكتوبر؛ أن يعلن–إحقاقاً للحق- في أحد البرامج التليفزيونية:(إن مبارك ليس صاحب الضربة الجوية؛ إنما شارك فيها فقط!!!).

.. ويعلق (عبد القادر محمد علي) على حديث المناوي فيقول:(.. إن ربنا إبتلانا بأساتذة في تزوير التاريخ؛ بإعتبار أن كل وقت وله أذان.. فمثلاً –بعد ثورة يوليو- شوهوا صورة الملك فاروق؛ وإرضاءً لـ"عبد الناصر" شطبوا إسم "محمد نجيب" من تاريخ مصر.. وبعد حرب أكتوبر رفعوا "السادات" إلى السماء.. ولما رحل كتبوا في مناهج التاريخ أن بطل أكتوبر هو "مبارك"؛ وليس "السادات".. وظل الأراجوزات يزفونه -في ذكرى النصر طوال 30 عاماً- بإعتباره بطل الضربة الجوية؛ "مهلبيه الرقاصة"؛ أشرف ألف مرة من الطبالين والزمارين؛ الذين "يزورون التاريخ")!!!.

.. أما (مبارك) فلم يكُن يملُك أي فكر أو رؤية؛ ولا أدنى خيال؛ لهذا وصل إلى القمة؛ وإحتل مقعد الحلم الخيالي؛ والصدفة المستحيلة. وأصبح (مبارك) في غنى عن أي سند؛ عن أي طرف؛ خاصة بعد أن إستطاع أن يلقي بـ(البيضة والحجر) خلف ظهره؛ حين إستطاع تصفية النخبة في مصر؛ ولم تعُد القمة تتسع لغيره.

.. (مبارك) –على العموم- لم يكُن -في هيلمانه الجديد- مستعداً لقبول (آخر) يجلس(بجانبه) أو (خلفه)؛ يمكن أن يساعده لو هبت عواصف المقادير؛ وإنقضت أعاصير التغيير؛ حين قرر أن يؤبد لحُكمِه (إلى أخر نبض يخفق؛ ونفس يتردد).. كما قال وأعلن دون حياء؛ وبلا خوف.

.. وكانت النتيجة تكريس السلطة السياسية حتى تكون شرعية دون أن يفرق بين السلطة والقوة؛ والسلطة والقوة أمران مختلفان:(القوة هي التي بواسطتها تستطيع أن تجبر الآخرين على طاعتك؛ في حين أن السلطة هي الحق في أن توجه الآخرين؛ وأن تأمرهم بالإستماع إليك؛ وطاعتك!.. دون أن يدري هذا الزعيم الحكيم -المغلقة كل أبواب وعيه؛ والمنهارة كافة أحجار فهم- أن السلطة تتطلب قوة؛ وأن القوة بلا سلطة هي الظلم والإستبداد؛ وهكذا فإن السلطة تعني الحق (6)؛ وذلك بعد أن إتضح أن إندفاع السلطة في شخص رجُل واحد؛ يعني زوالها بزواله؛ كما يجعلها نهباً للأطماع؛ ومحلاً للتنافس بين الأفراد؛ فيكون الإحتفاظ بها رهناً بقوة صاحبها؛ وما يتمتع به من بطش وجبروت)!!.

.. لهذا كان لابُد من أن يعي فخامة الرئيس الذي تحول في نهاية مساوئه إلى صاحب الجلالة؛ أنه كان لابُد من الفصل بين السلطة السياسية والحاكم الذي يمارسها؛ وإسنادها إلى شخص له صفة الدوام.. وهذا الشخص هو: الدولة!!.

.. وقد كان من الغريب أن يظل (مبارك) -من يومه- (محظوظاً) مبتلي بالنعمة؛ لكنه–أبداً- لم يشعُر إلا أنه صاحب نجاحه؛ أساس تقدُّمه؛ ووصوله إلى أعلى مراتب السلطة؛ دون أن يلاحظ ما حدث له بعد 67؛ حين ذهب مع طائرات (تي يو) إلى العراق؛ وهناك حدثت مشاكل بين (مبارك) والضباط؛ وإضطر أن يعود إلى مصر؛ بعد أن ثبت تقصيره في أداء عمله؛ وقيادته للضباط؛ ولكنه في لحظة حضوره مصر سبقه حظه الساخن؛ ليحول بينه وبين فضيحة قيادته ببغداد؛ وظهور عجزه في تولي القيادة؛ وذلك بعد أن إنفجرت أنباء إستقالة (مدكور أبو العز) من قيادة القوات الجوية؛ وتعيين العميد (صلاح الحناوي) بدلاً منه.

.. وحين إشتدت الأزمة إضطرت القيادة العليا لتعيين (حسني مبارك) رئيساً للأركان؛ في زحمة الأحداث؛ والتضحية بـ 21 رتبة عسكرية كبيرة؛ رفضت أن يتولى قيادتها من هو أقل منهم في الكفاءة والأقدمية والخبرة؛ حفظاً لكرامتهم؛ وصوناً لتاريخهم.. وبالطبع لم يُبال (مبارك) -بهذه المذبحة التاريخية- في سجل قواتنا الجوية.. ومضى يلعب في دوري (البيضة والحجر)؛ بعد أن سقط بـ(الباراشوت)على قلب منصب لم يكن مستعداً لتوليه؛ ولا مؤهلاً لأثقال مسئولياته؛.. ومع ذلك ظل يزعُم –حتى نهاية سنوات حُكمه- أن (جمال عبد الناصر) هو الذي إختاره؛ ولم يكُن بين إختياراته من هو غيره!!.. وإستقرت ورسَّخت –مع الوقت-  هذه الفكرة؛ وإستقرت في أذهان الناس والقيادة والإعلام.

.. وبالطبع لم تتوقف ألاعيب (مبارك) وهو يمارس ألعاب (البيضة والحجر) والقفز الآمن على حبال المصالح؛ وشباك العلاقات؛ وكالعادة إنحنى له حظه الباتع؛ وفرصته النادرة؛ قرب نهاية خدمته؛ كقائد للكلية الجوية؛ فقد وجد أن من بين طلاب الكلية من يدعي(عاطف السادات) شقيق (أنور السادات)؛ وعلى الفور يفتح مبارك (جرابه) السحري؛ ليخرج منه كل البيض؛ وكل ألوان الأحجار؛ ويبدأ لعبته التي لا تخيب؛ وحظه المضمون!.

.. ويبدأ ممارسة اللعبة؛ وبنفس السيناريو الذي سبق وما خططه ونفذه مع (حسين عبد الناصر) بكل جوانبه وحذافيره؛ وهناك -في أرض الطابور- يتعرف على (عاطف السادات) عن بُعد- حيث يبدأ التشدد في معاملته والتلكيك بسوء إنضباطه؛ ومجازاته بالحرمان من الأجازات الأسبوعية؛ والعقاب بالطوابير (الزيادة) والحبس الإنفرادي؛ وظل معه -على هذا الحال الملفق والمعاملة المغرضة- حتى وصلت أخبار قيادته العسكرية الصارمة؛ وتعامله بلا هوادة في سبيل الضبط والربط؛ وإلتزامه الحازم؛ وأمانته الصادقة في معاملته لقضايا الحق والعدل والمساواة والواجب.. لهذا تعددت لقاءات (السادات) بـ(مبارك)؛ عندما كان يهبط ويقلع من مختلف المطارات(!)؛ وكان أكثرها يتم في غياب قائد القوات الجوية؛ وأكثر من مرة كان (السادات) يقف؛ ويتبادل مع (مبارك) الحديث؛ ويستمر الحديث حتى بعد أن إعتلى (مبارك) رأس قيادة القوات الجوية.

.. وتمضي الأحداث في حياة (مبارك)؛ حتى تتوقف في شهر أبريل 1972؛ عندما قال لصاحب (إسمي.. حسني مبارك):(حين طلبني وزير الدفاع وقال لي:

ù               إن الرئيس أنور السادات أصدر اليوم قراراً بتعيينك قائداً للقوات الجوية!.

  .. وكان سؤالي الأول الذي جاء على لساني هو:

§           وماذا فعل قائد القوات الجوية؟! ولماذا يترك موقعه؟!!.

 .. ويرُد وزير الدفاع:

- لم يفعل شيئاً؛ وسيُعَيَّن نائباً لوزير الطيران.

.. وبعد أن إطمأننت على قائد القوات الجوية؛ سألت وزير الدفاع:

§           ومن الذي سيُعيَّن رئيساً للأركان بدلاً مني؟!

.. وتصور وزير الدفاع أنني أريد شخصاً بالذات ليعمل معي؛ وقال لي:

- لقد إخترنا فلاناً. فهل لديك مانع؟!

.. وقلت له:

-لا.. أبداً.. كُلهم زملائي؛ وأستطيع أن أعمل مع أي واحد منهم؛ كل ما يهمني هو أن نتعاون معاُ؛ وأن يقوم كل واحد بواجبه على أكمل وجه)!!.

***

.. ويستكمل (مبارك) حديثه الإنساني:(هكذا كنت.. وسأظل دائماً!!). ومع ما في كلامه من بلاغة بائسة؛ وتمثيل ردئ؛ يبدأ ينشر دروس الفضيلة؛ ويعلن عن قيمة الحق؛ ومحاسن القيام بالواجب:

(.. إنني أقبل العمل مع أي إنسان؛ ولا أختار من يعاونني نتيجة لرأي شخصي؛ إنما إستناداً لما يمكن أن يقدمه ويعمله.. فالعمل يأتي في الدرجة الأولى كشرط لمن يساعدني؛ ويتعاون معي؛ والذي يؤدي واجبه بإخلاص؛ فإنني أرحب به دائماً؛ أما الذي لا يعمل أو يهمل؛ فلا مكان له أبداً بجانبي!!).

.. ويضيف:

(.. إنني أكره الظلم "!!"؛ ولا أقبل أن يُظلم أحد "!!"؛ والذي يُخطئ أو يهمل فيجب مواجهته بخطئه وإهماله؛ ثم يبعد بعد ذلك؛ حتى لا يحس أن ظلماً وقع عليه؛ أو أنه لم تُعطى له الفرصة ليدافع عن نفسه!!).

.. وإنه:

(..  منذ أن بدأت عملي؛ ومنذ أن أصبحت مسئولاً عن أول موقع خدمت فيه؛ وأنا أتبع هذا الأسلوب في علاقات العمل!!).

.. لأنني:

(.. لا أستمع إلى وشاية؛ ولا أحكُم قبل أن أعرف الحقيقة؛ ولا أستبعد شخصاً إلا إذا سمعت أولاً دفاعه عن نفسه!!).

.. لقد:

 (.. لقد إلتزمت بهذا الأسلوب حتى يومنا هذا؛ ولن أغيره أبداً.. فلا شىء يؤلم النفس أكثر من الظلم!!).

 

***

 

.. ومع إنسانية هذا الكلام الطنان وذاك الأسلوب الرنان؛ إنقلب (مبارك) فيما بعد  رأساً على عقب؛ -بعد أن توحش أسلوبه من الألف إلى الياء؛ والدليل قصة أقرب الناس إليه؛ شقيقه (سامي مبارك)؛ الذي عمل على تحطيمه هو وكل من يشعر بعبقريته؛ أو يلاحظ توهجه مهما أخلص له الصُحبة تعرض لهجوم شرس من الرئيس.. في معركة دلت على –في الكثير من تفاصيلها- طبائع يصعب تفسيرها (10).. عندما دارت أحداثها الغريبة في بداية إنتخابات سنة 1984؛ حيث كانت -من ضراوة مبارك؛ واستسلام سامي مبارك- بداية إختبار لقوتة وثبات لنظامه؛ وهو يدخل سنته الثالثة؛ في رئاسة الدولة.

.. لهذا بدتْ إدارة معركة إنتخابات برلمانية حل موعدها؛ وكأنها سوف تكون تحدياً سياسياً؛ يواجهه الرئيس الجديد؛ وفي هذا الوقت كان يرى أن تكون الإنتخابات –الأولى في عهده- مفتوحة لكل من يُريد أن يترشح؛ لكن من أجل السلامة الوطنية سوف يحدد نسبة مئوية لما يمكن أن تفوز به المعارضة من مقاعد مجلس الشعب؛ بإعتبار أن أحوال البلد –في هذه الظروف- لا تتحمل (اللعب) والمغامرة (!!)؛ بالإضافة إلى أن (الرئيس) لديه قائمة أسماء لا يُريد لأصحابها أن يدخلوا المجلس الجديد؛ مهما كانت الدوافع؛ وأنه سوف يعطي قائمة هذه الأسماء؛ حينما يظهر -فيما بعد- من ترشحوا ومن لم يترشح للبرلمان الجديد (!!).

.. لكن في اليوم الثاني والسابق للإنتخابات؛ سمع اللواء (حسن أبو باشا) وزير الداخلية من مبارك؛ ما إندهش له وأفزعه؛ حين أعلن الرئيس في مقابلة بينه وبين وزير الداخلية أنه على إستعداد أن يترك للمعارضة 5% من المقاعد؛ وأن قائمة غير المرغوب فيهم كانت أكبر مما توقع؛ وكان من الغريب أن الإسم الأول فيها كان لشقيق الرئيس مبارك نفسه؛ وهو (سامي مبارك) !!.

.. وبدا تشدُّد (الرئيس) حيال ترشيح شقيقه غير مفهوم؛ فقد وصل (مبارك) إلى حد القول:(لقد أمرت بحذف إسم شقيقي من قائمة مرشحي الحزب الوطني؛ ومع ذلك فقد سمعت أنه ذهب بعدها إلى "حزب الوفد" يطلب من "فؤاد سراج الدين" أن يرشحه عن حزب الوفد؛ وأن رئيس الوفد قبل منه ما إقترحه عليه!!)... وزادت المفاجأت حين أوفد (مبارك) (أسامه الباز) إلى (فؤاد سراج الدين)؛ حتى يلغي وعده الذي قطعه بالنسبة لترشيح (سامي)؛ ولكنه لم ينجح.

.. ثم طلب (مبارك) من وزير داخليته أن يتصل بنفسه على (فؤاد سراج الدين) وأن يبلغه –بإسم الرئيس- أنه لا يريد دخول شقيقه الإنتخابات على قائمة مرشحي الوفد.

.. وحاول وزير الداخلية أن يبحث عن حل يغنيه عن الإتصال بـ(فؤاد سراج الدين)؛ بعرض بعض المقترحات التي يمكن أن تسد الطريق أمام (سامي مبارك)؛ وفوجئ اللواء (أبو باشا) بالرئيس (مبارك)؛ وقد علا صوته؛ وإحتدت نبرة رده؛ وهو يقول:

- سامي مش حيدخل؛ يعني مش حيدخل!!.

  .. وإستطرد يقول لوزير داخليته:

- (حسن) إنت ضغطت على أعصابي أكتر من اللازم؛ ولست الآن في حال تسمح لي بمواصلة الكلام معاك.

.. ثم نهض واقفاً ينهي المقابلة؛ ويخرج من الغرفة؛ ويترك وزير داخليته يغرق في عرقه؛ ويذوب في فشله.

.. وأدرك –في لحظة- أن معركة الرئيس ضد شقيقه (سامي مبارك) دالة –في تفاصيلها- على طبائع لا يُمكن تفسيرها.

.. ورغم ذلك حاول وزير الداخلية طلب مقابلة (مبارك) قبل الإنتخابات بعدة أيام؛ لكن(مبارك) رفض؛ وقال:

- ليس لديّ المزاج لمقابلة وزير الداخلية.

.. ولم تكن هذه المرة الأولى التي يرفُض فيها الرئيس مقابلة (أبو باشا)؛ وبعد رجاء كان رد (مبارك):

- موعدنا بعد الإنتخابات يا(حسن)!!.

   .. وبعد الإنتخابات ؛ كان موعد وزير الداخلية مع (الخروج من الوزارة)!!.

 .. تم هذا بعد أن قال:

- إن (أبو باشا) سوف يدفع ثمن غلطته!!.

.. وبالطبع لم يشأ (سامي مبارك) أن يتحدث في هذا الأمر؛ أو يفسر علاقات عائلية مزدحمة بالعقد الفائرة؛ والتعقيدات الظاهرة؛ وكُله مُعبأ بالمرارة.

.. بل كان من فرط ضيق أفق فخامة الرئيس؛ وبؤس فكره؛ لا يقرأ الصحف؛ ولا يطيق الكتب؛ لهذا إفتقد الخلفية الثقافية؛ الرؤية السياسية؛ العقل الإقتصادي والسياسي.. ولا شك أن المجموعة التي كانت مُحيطة به؛ قد أقامت حول تعاملاته طوقاً مُحكماً؛ مستعلة عزوفه عن القراءة؛ وإهتمامه المفرط بصحته وشكله ومظهره؛ متحدياً الزمن؛ لتنفرد أسرته وأذنابه بإتخاذ القرار.

.. وبجانب كل هذا وذاك؛ لم يكُن خبيراً عسكريا في العلوم العسكرية؛ والدليل ترتيبه كان الأخير عند تخرجه من الكلية الحربية.. وقد تهكم بعض من يعرفون هذه المعلومة الشخصية في ملف (مبارك)؛ لكن ثمة آخرون صححوا ما خفي في هذه الواقعة؛ والذي يفيد بأن ترتيب (مبارك) لم يكُن الأخير؛ لكن كان قبل الأخير بواحد (!!).. لكن هذا الواحد قد إنتقل للدار الآخرة؛ ربما بسبب خيبته؛ أو غبائه؛ أو ربما حسرته على نفسه؛ فأصبح الرئيس –بجلالة قدره- هو الرقم الأخير في ترتيب نجاحه.

.. ومع ذلك ظل حيَّاً؛ يناور؛ ويداهن؛ ويلقي بالنكات؛ ويلعب بكل المهارة في كافة مباريات (البيضة والحجر)؛ التي عوضته عن الكثير من مطبات الإخفاق ومهارة الفهلوة والإستعباط؛ بل كانت سبباً رئيسياً في ترقية وصعود وإطالة فترة حُكمه التي بلغت 30 عاماً؛ بأيامها الغبراء؛ ولياليها السوداء.. وبالطبع لم يكتف (مبارك) بهذه المباريات؛ بل إنغمس مع فيض الرياء والنفاق؛ الذي أحاطه به وزراء إعلامه؛ ورؤساء تحرير الصحف اللا قومية؛ وكُتل الفاسدين؛ أذناب الحزب الوطني؛ الذين شَغلوا –بالتزوير- مقاعد مجلس الشعب؛ ومجلس الشورى.. وبالطبع -وحسب سير الأمور-  كان لابُد لـ(مبارك) أن يتحول إلى (طاغية)؛ يرهب الناس بالتعالي والتعاظُم؛ ويذلهم بالقهر والقوة وسلب المال؛ حتى لا يجدوا إلا التزلف له وتملقه.

.. لهذا فإن بعض عوام الناس يختلط في أذهانهم الإله المعبود؛ والمستبدون من الحكام.. بيد أن ظلم الطاغية لا يعرف تفرقة بين المواطنين.. وليس للطاعية (صديق) فهو لا يمانع في الغدر بالأصدقاء أو الأشقاء أو المعاونين إذا ما إشتبه فيهم.. فهو إذا وجد من بين أولئك -الذين أعانوه على تولي الحكم؛ والذين أصبحوا من ذوي السلطان والنفوذ- فئة من الشجعان الذين يعبرون عن أرائهم بصراحة أمامه؛ وفيما بينهم؛ وينتقدون ما يقوم به من تصرفات؛ فإن الطاغية لابُد أن يقضي على كل هؤلاء؛ إن شاء أن يظل صاحب سلطان؛ بحيث لا يترك –في النهاية- شخصاً ذا قيمة؛ سواء بين أصدقائه؛ أو أقربائه؛ أو معاونيه؛ أو أعدائه!!. (11)

..ورغم بشاعة إنتقام (مبارك) من رفيقه؛ وطغيانه الأعمى؛ وقدرته ؛ وقدم له معونته بسطوته.

.. ومن الغريب أن (مبارك) بعد أن هدم شقيقه؛ وحطم حلمه؛ وإغتال غده بطريقة كاسحة؛ تبين حصول الشقيق المضطهد على نسبة تزيد على سبعين في المائة من الأصوات في الدائرة التي رشح نفسه عنها.

.. وجاءت الأوامر من الرئيس شخصياً بأنه (أبداً)! وأن كل شئ في اللجنة العامة للفرز يجب أن يتوقف حتى يصل إلى هناك مبعوث خاص للرئيس (!!).. وبالفعل وصل إلى مقر اللجنة الرئيسية مستشاره (أسامه الباز) وطلب إعادة فرز الأصوات.. والتصرف بكياسة لكي يتوقف الرئيس عن الغضب (!!).

.. وكان المشهد مزعجاً للجميع؛ وأعيد فرز الأصوات وظهرت النتائج –مرة أخرى-- كاسحة لصالح سامي (مبارك).

.. وبعد شهور؛ أعلن (سامي مبارك) في حديث طويل مع الأستاذ /هيكل (12) أنه سوف يترك البلد لـ(حسني مبارك)؛ ويسافر إلى ألمانيا!!.

.. وعلى ضوء كل ما سبق أرى أن من أكبر أخطاء (مبارك)؛ كانت تكمن في جهله بالسياسة؛ وأعتقد أن هذا الجهل كان من بين أهم الأسباب التي دفعت (السادات)؛ ليختار (مبارك) نائباً له.

.. كذا بدأ (مبارك) في حُكمه وإنتهى.. لهذا تحول –بعد سنوات- إلى إقطاعي  ديكتاتور؛ طاغية؛ يمتلك مصر كُلها شخصياً؛ يمتلك أرضها وشعبها وجيشها؛ بإعتبارها ممتلكاته الشخصية؛ ما دام سيبقى حاكماً لها؛ (إلى أخر نبضة قلب)!؛ ثم تؤول –بعده- إلى ورثته؛ ويؤول حكمها إلى من إختارته قرينته الدكتورة الفاضلة؛ والذي حددته في(جمال) الذي أعدوه ليصبح الرئيس؛ وقائداً أعلى للقوات المسلحة؛ رغم تهربُه من الجُندية؛ ولم يؤد الخدمة العسكرية.

.. وهكذا بانت بشاعة طغيان (مبارك)؛ وقدرة عقليته الهابطة؛ وجبروته الضرير؛ وقدرته الغاشمة؛ الكاسحة؛ على هدم مقدرات مصر؛ وتخريب مستقبل حياتها؛ وتحويلها إلى أنقاض؛ خرائب؛ دمار؛ أطلال. حينما أبتليت بوصوله؛ وسقوطه على رأسها من باراشوت (السادات). وهو يحمل كل سمات الطغيان ومنها أن:

¤    الطاغية رجُل يصل إلى الحكم بشكل عشوائي؛ بطريق غير مشروع؛ أي أنه شخص لم يكُن من حقه أن يحكُم؛ لو سارت الأمور سيراً طبيعياً؛ ولكنه قفز؛ أو تسلل؛ أو هبط إلى منصة الحُكم عن غير طريق طبيعي؛ شرعي؛ وهو لهذا:(يتحكم في شئون الناس بإرادته هو؛ لا بإرادتهم هُم؛ وبالتالي يحاكمهم بهواه؛ لا بشريعتهم؛ لأته يعلم –من نفسه- أنه الوحيد الذي يستحق الحكم؛ كما يدرك أنه الغاصب والمُعتدي).

¤    لا يعترف بقانون أو دستور في البلاد؛ بل تصبح إرادته هي القانون الذي يحكُم؛ وتوجيهاته أوامر فوقية واجبة التنفيذ؛ وما على المواطنين إلا الإنحناء؛ والإنكفاء؛ والسمع والطاعة؛ فيضع كعب رجله في أفواه ملايين الناس لسدها عن النطق بالحق؛ والتداعي لمطالبه.

¤                يسخر كل موارد البلاد لإشباع رغباته وأطماعه وزيادة أمواله وتوسيع أملاكه.

¤    ينفرد مثل هذا الحُكم بخاصية أساسية –في جميع العصور- وهي أنه لا يخضع للمساءلة؛ ولا للمحاسبة؛ ولا للرقابة من أي نوع.. والواقع أن الطغيان –في أي عصر:(.. خدمة للحاكم المطلق العنان؛ الذي يتصرف في شؤون الرعية كما يشاء؛ بلا خشية حساب؛ ولا عقاب محققين..).. والحاكم لا يخرج من هذه الصفة؛ ما لم يكُن تحت المراقبة الشديدة؛ والمحاسبة التي لا تسامُح فيها.. ومن هنا ينبغي علينا ألا نندهش عندما نقرأ في كتب التراث أن(الوليد إبن عبد الملك)؛ إستفسر -ذات مرة- في عجب:(أيمكن للخليفة أن يُحَاسَب؟!!).

.. والواقع أن هذه الخاصية بالغة الأهمية؛ لأنها العلامة الحاسمة التي تفرق بين الطغيان وبين الأنظمة الديمقراطية؛ التي يُحاسَب فيها رئيس الدولة كأي فرد آخر.. فلا أحد يعلو على القانون فعلاً.

.. وبالطبع كانت كل هذه المظالم تتم في العديد من مناطق التخلف والفقر والجهل؛ وتمر بهدوء ودون ضجيج؛ بسبب حنكة الحُكام في بهتان أقوالهم؛ وخبث أغراضهم؛ على طريق تزييف الوعي؛ وإستقرار حالات الفساد.. لكن (مبارك) –على الجانب الآخر وبسبب ضحالة ثقافته؛ وضيق أفقه؛ الذي أصبح بعد 30 عاماً من ممارسته له؛ نوادراً تثير السخرية؛ وتخلق الإندهاش في حياة الناس؛ وهُم يرون حاكمهم مجرد مهرج في حديثه؛ كوميدي في تعليقاته غريب في تصرفاته؛ وتحركاته؛ وسخافة أقواله المرسلة دون علم؛ وبلا حرص؛ وهو بذلك يتشابه –وإلى حد بعيد- بشخصية (نجيب الريحاني) في فيلمه الرائع القديم (سلامه في خير) حيث كان يؤدي دور البديل لحاكم تم إبعاده عن الساحة؛ بسبب مؤامرة حيكت ضده؛ داخل قصره الملكي؛ وذلك لشبهه الكبير به؛ في تفاصيل الشكل؛ لا حيثيات المضمون؛ حيث كان (الريحاني) –قبل مؤامرة تنصيبه- مجرد شخصية تافهة؛ مهزوزة؛ جاهلة؛ تبدو عشوائية في التصرف؛ غبية في رد الفعل.

.. وهكذا كان دور (مبارك) في بطولة الفيلم الكوميدي الزاعق (إستقرار البقرة الضاحكة)؛ كان رذيلاً حتى في معاملاته العادية؛ ينحط في تعليقاته السوقية؛ لهذا لم يكن أمامه –بعد أن خلعوا عنه لباسه العسكري المعتاد؛ وألبسوه حرائر السلطان- إلا أن(يعُك) في تعاملاته العامة والخاصة؛ ينحط في تعليقاته وملاحظاته ورؤيته المشوهة للناس والأشياء.. رغم إلتفاف الإذيال والأعوان والأنجال والمستشارين حوله؛ في يقظة وإهتمام؛ لإنقاذه من المواقف الحرجة والتصرفات المفضوحة.

.. لهذا كان لابُد أن ينخرط (مبارك) في دور (الريحاني) الساقط؛ العابث؛ الخائب؛ والذي دام عرضَه –وعلى مدى ثلاثين عاماُ- ليكون مصدراً؛ وعرضاً مستمراً للقفشات والنكات والتندر والسخرية القبيحة؛ الزاعقة... وقد كان السبب في كل هذا؛ إختيار (السادات) له ليكون نائباً له؛ رغم هزاله الفكري؛ وضحالة إستيعابه؛ وعمى رؤياه.

.. لهذا ظهر –ومنذ بداية حُكمه- وهو يتقمص دور (سلامه مبارك): لا يقول؛ ولا يسكُت!.. لا يوافق؛ ولا يعترض!.. لا يذهب؛ ولا يجئ!.. لا يطلع؛ ولا ينزل!.

.. لم يكُن في يده؛ أو في عقله؛ إلا أن يكون (خيال مآته) مُعَلق بسند خشبي؛ ككارثة قومية؛ لعنة تتهاوى فوق رأس مصر؛ حتى تحولت –بعد 30 عاماً- إلى خلاء من الخرائب؛ والدمار؛ والأطلال؛ والمقابر...

.. لك الله يا(سادات)؛ وليسامحك أيها الزعيم المؤمن؛ فيما فعلته بإختيار البقرة الضاحكة؛ وإلا؛ فهل سمع أحد –في هذا الكون الطويل العريض- أن ثمة بقرة تضحك على خيبة أملها؛ وسوء أحوالها (!!)؛ ومع ذلك يتم إختيارها لتكون على قمة سدة حكم دولة بحجم وقيمة وعظمة (مصر)؟!!.

.. والغريب إنه -وبرغم كل ما سبق- فقد أعلن (مبارك) –في أحد جلساته ولقاءاته بصاحب كتاب (إسمي.. حسني مبارك)- أنه أُرغم إرغاماً على تولي منصب نائب رئيس الجمهورية؛ وأُجبر إجباراً على رئاسة الجمهورية؛ التي يعتبرها (وجع قلب)؛(هم لا ينزاح)؛ فقد حرمته هذه الرئاسة البغيضة من حريته التي كان يسعى إليها في نهاية سنين كفاحه والتي بلغت أكثر من 60 عاماً؛ وبذلك خسر الفرصة السعيدة في الإسترخاء المريح؛ وأريحيَّة التعامُل الطبيعي مع الناس والحياة؛ بعد أن قدم للوطن عصارة جهده؛ كل أيام عمره من أجل إعلاء مستقبل الجيش؛ ونهضة الطيران الذي أيقظه (مبارك) -بجهد يفوق الخيال- من تعثره؛ ودفع بالدم الهادر إلى عروقه؛ والحماس إلى حياة قادته وجنوده (!!!).. وفي هذا الموقف –ومن مهرجان البيضة والحجر_ إنبثق ذلك الفيلم الذي تم عرضه ووصف أحداثه المضحكة؛ وألوانه الغبية؛ المبكية؛ تحت عنوان (سجين قفص الرئاسة "9") على شاشة (إسمي .. حسني مبارك)!!!. 

.. وحسب الحبكة يبدأ الفيلم بشكل سينمائي تافه؛ متخلف؛ كما تدور الأفلام الهندية؛ وتتحرك في مشاهد أفلام (حسن الإمام)؛ وأحداث المسلسلات التركية والمصرية والخليجية؛ بسيناريوهاتها الزاعقة ومآسيها الصارخة؛ وألوان الملل (المللي دراما) الزاعقة.

.. وبالطبع كان لـ(مبارك) البطولة المطلقة في فيلم جديد يحتل كافة مشاهده من البداية وحتى النهاية؛ وليس بضعة لقطات عابرة؛ كما حدث في فيلمه الأول (وداع في الفجر) بطولة وإنتاج الفنان (كمال الشناوي) والذي لم يزد دور (مبارك) فيه عن كومبارس سحبوه من مقهى (أنفار الفن) بشارع (عماد الدين).

.. وإليكُم عرضاً خاصاً لفيلم (سجين.. في قفص الرئاسة) والذي أعده وأشرف على إنتاجه وتصويره وإخراجه؛ وكتب له السيناريو والحوار؛ وكل أحوال الألوان الطبيعية؛ والمشاهد الداخلية.. الكاتب الفنان (أنور محمد)!.

.. لهذا وجب على كل مواطن فتح له الرئيس قلبه قبل خلعه؛ وكشف له سره قبل وصوله السرير الطبي أن يشاهد هذا الفيلم التاريخي؛ الإنساني؛ العالمي؛ الإعلامي؛ أن يجهز ما يستطيع من مناديل التواليت؛ ومناشف دورات المياه؛ حتى لا يغرق المكلوم في دموعه؛ أو يجف ماء بصره؛ وهو يرى حجم العذاب؛ ويحس بنار اللوعة؛ وقسوة المآساة التي عاشها الزعيم أيام كان يئن داخل سجنه بقصر الرئاسة.

.. وكانت اللقطة الأولى عبارة عن مشهد للرئيس العظيم؛ الزعيم الحكيم وهو يعيش أسوأ لحظات الحزن.. وكان وصف اللقطة كما يلي:

(.. كانت لحظات عصيبة وحرجة غي حياة الرئيس .. تنازعت فيها أحاسيسه وعواطفه ومشاعره؛ بين حنان الأبوة.. ومهام منصب الرئيس.

.. على بعد مئات الأميال.. كانت كانت كل مشاعر الرئيس تتجه نحو إحدى غرف العمليات بإحدى المستشفيات بالولايات المتحدة الأمريكية.

.. حيث كان في هذه الحجرة يرقد فلذة كبد الرئيس.. إبنه الأكبر "علاء" لإجراء عملية جراحية دقيقة.

.. قلب الأب ينزف.. يعتصره الخوف على أول من رأته عينيه.. وأول ما سمع منه كلمة بابا.. تسافر نبضاته –بكل مشاعر الأبوة- إلى إبنه "علاء" في أمريكا.. بينما عقل الرئيس يتولى مسئولية أداء المهام الوطنية... أخذ أبو "علاء".. يجوب حجرة مكتبه في قصر  الرئاسة.. لا يستطيع أن يجلس في مقعد الرئيس.. يقرأ ما يتيسر من القرآن الكريم.

.. في هذه اللحظات العصيبة.. يبتهل إلى الله أن يشفي "علاء" ويعود إليه... تراوده الأفكار والظنون.. لو كان أبو "علاء" رجُلاً عادياً لسافر مع إبنه إلى الولايات المتحدة ليكون بجواره وهو يجري العملية الجراحية الدقيقة.

.. ولو كان الرئيس من نوع الرؤساء الذين لا يهمهم إلا كُرسي العرش.. ولا تهمهم مصالح شعوبهم.. لسافر بطائرته الخاصة ودون أن يدري أحد.. أو قام بمهمة إلى الولايات المتحدة.. للتغطية أمام الشعب.

.. ولكن هذا قدره.. غلب مصالح شعبه على مصالحه الشخصية.. فضل الإنتظار بالقاهرة لمباشرة أمور الدولة في خدمة الوطن عن الذهاب مع إبنه إلى أمريكا.

.. ولم يكُن هذا غريباً على الرئيس "حسني مبارك".. الذي كرس حياته من أجل رفعة شأن مصر وضحى بأولاده وأسرته ومتعتهم بالحياة في سبيل هذا الوطن. وعاش"حسني مبارك" أسير هذا الموقع الكبير الذي يتولاه.

.. بل أصبح المعتقل الوحيد في مصر.. حتى ولو كان داخل قصر الرئاسة!!.

.. فهو الوحيد الذي لا يستطيع أن يستمتع بحياته كسائر المواطنين.. ولا يستطيع أن يخرُج بمفرده لشراء بعض إحتياجاته على مزاجه الشخصي.

.. ولا يستطيع –هو وأسرته- أن يخرجوا ليتناولوا سندوتشات في أحد مطاعم مصر الجديدة –كما كان يفعل من قبل- ولا يستطيع أن يخرج مع أسرة صديقه في سيارته للنزهة في شارع الحجاز الذي كان يسكُن فيه. قبل الرئاسة.

.. وإذا سافر الرئيس إلى الخارج لا يرى إلا حُجرات الإجتماعات التي يلتقي فيها برؤساء الدول.. وكبار مسئولي الدول التي يزورها في مهام عمل وليست للسياحة.. والمتعة.. والرفاهية.. كما يفعل كثير من الرؤساء!!.

.. بعض أصدقائه -في الخارج- أثناء زيارته لبعض الدول تحدثوا إليه إلى قبول دعوتهم لقضاء بعض السهرات في الفنادق .. لكنه كان يعتذر.. ويقول لهم:(يا بختكم)!!.

.. عندما كان نائباً لرئيس الجمهورية.. إنتقل –في الصيف- إلى إستراحته برشدي بالأسكندرية.. وظل أسبوعين لا يخرج في نزهة.. عمل متواصل بجانب الرئيس"السادات".

.. ألح عليه اللواء "منير ثابت" شقيق السيدة "سوزان مبارك" إلى تناول العشاء معه في نادي اليخت.. وبالفعل تم حجز مكاناً لهُما؛ وذهبا في الموعد إلى النادي.

.. وأثناء تناول العشاء.. جاء الجرسون وأعطى ورقة إلى اللواء "منير ثابت".

.. إعتقد النائب –لأول وهلة- أنها فاتورة الحساب!! فقال له ثابت:"لا.. أنا الذي سأدفع الحساب".. وتناول ثابت الورقة فوجدها طلب من الجرسون لنائب رئيس الجمهورية بتخصيص شقة له!!.

.. قبل الرئاسة كان "حسني مبارك" يستطيع أن يفعل ما يريد.. يخرج هو وأسرته.. يزور أقاربه.. يزور أصدقائه.. ولكنه اليوم أصبح أسير هذا المنصب الكبير!!.

.. كان الرئيس في زيارة للولايات المتحدة.. وفي فترة راحته طلب منه اللواء "منير ثابت" أن يخرج لشراء حاجة على مزاجه لأول مرة.

.. وذهب الرئيس إلى أحد المحلات الكبرى القريبة من مقر إقامته.. وبعد 5 دقائق فقط خرج الرئيس.. شعر أن الأمريكان أصحاب المحل.. عرفوا شخصيته.. فأغلقوا المكان لتأمينه.. والرئيس لا يرغب في مضايقة الناس.

.. إنصرف الرئيس دون أن يشتري شيئاً وطلب من اللواء "منير ثابت" أن يشتري له زوج أحذية.. وعاد الرئيس إلى الفندق.

.. في إحدى زيارات الرئيس الميدانية لمواقع العمل والإنتاج.. دخل مطعم العمال قي أحد المصانع.. وشاهد طاولة عيش طازجة.. برائحته المميزة.

.. في هذه اللحظة كانت رغبة الرئيس أن يأخذ رغيفاً وقرص طعمية ساخناً ليتناولهما.. لكنه فكر سريعاً.. لو عملها لقال البعض عنه أنه بيمثل عليهم!!.. معقول يأكل رئيس الجمهورية رغيف وطعمية!!.

.. يقول الرئيس "مبارك":"أيوه.. أنا كان نفسي ساعتها في الرغيف. وفي قرص الطعمية.. لكن علشان المنصب مقدرتش.. إوعى تفتكر إن جواي فيه حاجه.. حاجه إتغيرت.. المنصب حاجة.. والشخص حاجه تانيه".

.. هذه ضريبة المنصب الكبير..

.. وهذا قدر الرئيس الذي ظل مقاتلاً ومدافعاً عن تراب مصر المقدس.. أن يصبح أسير هذا المنصب الكبير.

.. بل المعتقل الوحيد في مصر؛ حتى ولو داخل القصر الجمهوري!!).        

.. وهكذا.. وكما يبدو حوار الكاتب مع الرئيس السابق- أن (مبارك) أُُرغَم إرغاماً على تولي الحكم؛ أُُجبر إجباراً على أن يفقد حريته وفرصة راحته؛ بعد أن قدم لمصر سنين عمره؛ شبابه؛ عصارة جهده؛ ولجيشها الباسل طاقته؛ ولطيرانها العظيم؛ الدم الملتهب الذي يسري في عروقه؛ والحماس الذي يوقظ القادة والحنود من السبات العميق والهزيمة المنكرة (!!!).

 الجوية.

 من كتابي (جبروت الطاغية .. وطغيان الحاشية) وهو لم ينشر ورقياً بعد

 

author-img
عزت عبد العزيز حجازي

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent