recent
أخبار ساخنة

الزائر الكريم

عزت عبد العزيز حجازي
الصفحة الرئيسية

 

 


 الزائر الكريم


      فى الخلاءِ الواسع ، وعلى بُعد شاسع من المدينة ، كانت دار صغيرة ، مُنفردة ، تسكنها سيدة عجوز ، وأحفادها الأربعةُ الصِّغار ...

      ولم يكُن لهؤلاءِ الأحفادِ الصِّغَاَر أُمٍّ ، لأنَّ أُمَّهُمْ ماتت ، منذ سنين ، وتركتهم فى رعاية جدَّتهمُ العجُوز ، أُمَ أبوهم ، فكان جُندياً فى الجَيش ، وقد سافر مع فرقته - مُنذ أشهر - إلى ميدان القتال ، فلم ير أولاده من يومئِذ ، ولم يروه ، ولكنَّهُ كان يُرسلُ إلى الجدَّةِ العجوز، شيئاً من مال ، فى كُل شهرٍ ، لتُنفقَ منهُ علَى نفسها ، وعلى أولاده الأربعة الصِّغار ...

      ولم يكُن ذلكَ المالُ القليلُ ، يكفى حاجات الخمسة ، ولكنَّ الأب ، لم يكُن يستَطيعُ أن يُرسلَ إليهم أكثرَ منهُ ، فكانت الجدَّةُ العجوزُ تقتصد ، وتُدبِّرُ ، وتحتالُ ، لكى يكفى ذلك المالُ حاجتها ، وحاجات الأولاد ...

      وكان بعضُ المُسافرينَ ، من أهلِ المدينةِ ، يمُرُّوْنَ فى طريقهم ، بهذه الأسرة الفقيرة، فى تلك الدَّارِ الصغيرة ، فيجودون عليها ببعض ما يملكون من الطعام ، ومن الشَّراب ، ومن المال ، فتستعينُ بذلكَ على حاجات الحياة .

      ثُمَّ جاء الشتاء ، فعصفت الريح ، وهطل المطرُ ، واشتد البردُ ، وسال الماءُ فى الأودية ، فانقطع طريقُ الغادى والرائح ، وانفردت هذه الأسرةُ ، البائسةُ فى دارها ، لا يمُر بها مار ، ولا يسألُ عنها سائلُُ ...

      وكانت ثيابُ الأطفال قصيرةٍ ، رقيقةٍ ، فشعروا بالبرد ، يلسع عظامهم ، ولكن الجدةَ، كانت مُستَعدَّةً لمثل هذا اليوم ، بكثير من حطب الوقود ، فلما رأت الأطفال يرتعدون من شدة البرد ، أشعلت النار فى حُزمة من ذلك الحطب ، فتحلق الأطفال حولها يستدفئون ، حتى غلبهُم النوم ، فأرقدتهُم الجدةُ فى أماكنهُم ، ثم أطفأت النار، ونامت إلى جانبهم  ...

      ولم تكُن الجِدةُ ، تظُن أن أيام البرد ستطول ، ولكنها طالت فى ذلك الموسم ، وتعاقبت ، وطال إنقطاع الأُسرة البائسة عن الناس ، وعن العُمران ، وهى تأكُل ، مما تدخرُ من طعامٍ ، وتستَفىءُ بما تدخرُ من وقودٍ ، وتحمَدُ اللهْ ، على نعمته وفضله ...

      وذات يومٍ ، إستيقظت السيةُ مُبكرة ، ونهضت ! ، وفتحت كيس الدقيق لتُعِدَّ لأحفادها خُبز الفُطور ، فلم تجد فى الكيس إلا حِفنةً صغيرةً من الدقيق ، لا تسد جوع الأطفال الأربعة ، لقد إستنفدت تلك الأيام الطويلة ، الباَردة ، كل ما كانت تدخرُهُ الجدةُ العجوز من دقيق ، ومن إدام ، ولكنها ، لم تيأسُ من رحمة اللهِ ، وصنعت من تلك الحفنة رغيفاً ، ثم قسمتهُ علَى الأطفال الأربعة بالتساوى ، وجلَست تنظُرُ إلَيِم صامتةً ، وهُم يأكُلونَ ، وتدعو اللهْ ، أَنْ يدركهُم برحمته ... !

      وانقضى ذلك النَّهارُ ، وأقبل الليلُ بظلامه ، وبرده ، ورياحِه العاصفة ، وليس فى تلك الدار الصغيرة ، لقمة من خُبز ، ولا قليل من إدام ، وصاح الأطفال بجدَّتهِم :

×- نُريدُ أن نأكُل يا أُماه  !

      فترقرقت دمعتان فى عينى العجوز ، ولكنها أخفتهُما عن أحفادها ، ونهضت ، وهى تقولُ لهم :

- صبراً يا بَنِىَّ ، حتى أصنع لكم طعاماً !

     ثم أشعلت فى ( الكانون )* ناراً ، ووضعت عليه قدراً ، وملأت القدر ماءً ، وأخذت تقلبه على النار بالمغرفةِ ، كأنها تطبخُ لهُم طعاماً يأكلونه ...

      وجلس الأطفالُ حول النار ، وأعيُنهُم مُعلقةُُ بالقدر ، ينتظرون أن ينضُجَ الطعام ، فيأكُلوا ، والسيدةُ لم تزل تدورُ بالمغرفة فى قعر القدر ، وقلبُها يكادُ يتمزقُ من شدة الألم ، لأحفادها الصغار ، الجياع ...

      وأدفأت النار الأطفال ، فثقلت جفونَهُم ، ثم غلبهُم النوم ، فحملتهُم إلى فراشهم ، وغطتهُم بأغطيتهم ،

ولكن كبيرهُم " عثمان " ، لم تثقُل أجفانه ، ولم يغلبه النوم ، فظل يقظاً ، يتطلع إلى النار المُشتعلة ، وإلَى القدر الفارغةِ ، فأشفقت عليه جدته ، وقالت لهُ :

- قُمْ ، فنام يا عثمان ، وسأُوقظك ، حين ينضج الطعام !

     فابتسم عثمان ، وقال لها :

- أين الطعام التى تنتظرين أن ينضج يا جدتى ، وليسَ فى القدرِ إلا الماء ؟!

     ولم تكُن السيدةُ تظُن أن عثمان يعرفُ ذلك السر ، فسكتت لحظةً ، مُتحيِرةً ، ثم قالت لهُ:

- وما إنتظارُكَ يا بُنَىَّ ، ماَدُمت تعرفُ ، أن القدر ليس فيها طعام ؟

قال عثمان ، وفى عينيه بريقُ الإيمان باللهِ :

- لستُ فى إنتظار هذا الطعام يا أُماهُ ، ولكنىِ فى إنتظار رسولٍ ، يُرسلُهُ اللهُ إلينا برحمته، فليس من المُمكن أن يخلق الخلق ويُهملهُم !

      وقبل أن ينتهى عثمان ، سمعت العجُوزُ ، طرقاً على الباب ، فقامت لترى من الطارق، فإذا زائر غريب ، لم تر له من قبل وجهاً ، ولم تعرفُ له صفةً ، فتراجعت السيدة بخجل  ، ثم عادت إلى حفيدها ، لتقول له :

-      ويلى يا عثمان ، إنهُ ضيفُ غريب ، ولا زاد عندنا !

      فقام عثمان ، ليستقبل الضيف ، ولكنهُ لم يجد ضيفاً جائعاً ، يطلُب زاداً ومأوى ، كما زعمت جدته ، بل ضيفاً كريماً ، يحمل على كتفيه زاداً للأُسرة الجاَئعةِ ، فلم يكد يدخُلُ الدار، حتى وضع عن إحدى كتفيه كيس دقيق ، وعن الأخرى جَرَّةَ سمن !

  قال عثمان الصغير ، وهو ينظُر إليه ، مُبتسماً :

- لقد كُنت على يقين ، بأن شيئاً مثل هذا ، لابُد أن يحدُث ، ولكن ، من أنت ؟ ، ومن أرسلك؟

  قال الزائر :

- أنا عُمر بن الخطاب ، أمير المُؤمنين ، أخبرونى بحالكُم ، وما أصابكُم ، واستشعرت الندم على تقصيرى فى حقكُم ، فلم أجد كفارَةً لذنبى ، إلا أن أحمل لكُم الطعام على كتفى، فى ظلام الليل ، لتَأكلوا قبل أن تناموا ، وتستغفروا اللهَ ، لى ولكُم !

       رحم الله عُمر  !

 

إنتهت



author-img
عزت عبد العزيز حجازي

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent