recent
أخبار ساخنة

أحدب الليموزين

عزت عبد العزيز حجازي
الصفحة الرئيسية

 

 



أحدب الليموزين

 

 

كأحدب (نوتردام) يدلف من بوابة حوش المنزل القديم؛ يفح ثقلاً جليدياً؛ خطوات بليدية؛ يرسم على وجهه (المغضن بالتجاعيد) إبتسامة بلهاء؛ ذليلة؛ يجُر أذيال جلبابه الرث. وبعينين كليلتين؛ يغوص (محني الظهر) في الحجرة البعيدة المضيئة.

يتحولق النفر من حوله؛ يصيخون السمع؛ يعبون من نثار حكاياته القديمة عن القرية؛ وسية الباشا؛ زوجته (حليمه)؛ غيط الحوض القبلي؛ جلبابه (الدبلان) القصير؛ منحول الياقة والأكمام؛ طاقيته المغبرة بالثقوب؛ (مشنة) الخبز القديد والجبن (القريش) والسريس والجعضيض المخلوطان بعيدان القش؛ القلة مشطوفة الرقبة؛ كرباج الباشا؛ أيامه الغبراء التي توقف تداولها بين الناس عند عتبة باب كوخه المطوس بسوء البخت والجفاف وغصة جوع البطون الخاوية في الليالي المظلمة.

يتكئ في ولوج سرده (الحزين) على نزوحه (البعيد) عن قريته؛ يذوب في زحام مدينة الأسياد؛ ذلك المكان الرائع الواسع؛ أم الدنيا الفخم الفاخر؛ الذي يجلو الصدأ عن الجلد؛ ويحيل من يعيشون فيه إلى (سنايير)؛ بفضل العيش الخاص الغلة؛ والغمس بالسمن؛ يبحث عن ملاذ آمن؛ وهو يجُر في ذيله زوجته (حليمه)؛ وأطفاله الخمس!! فكانت تلك الغرفة (الرطبة) تحت بئر سلم العمارة الضخمة الفخيمة؛ يودع ذاك (ويستقبل ذاك) على الدكة (الخشبية) النحيلة؛ الملاصقة للبوابة الزجاجية؛ بطريقة البوابين التي كان قد أتقنها؛ والتي كان يستطيع بها أن يوهمك أنه وقف لتحيتك؛ بينما هو (في الحقيقة) لم يغادر مجلسه؛ وهو يرسم ابتسامة طيبة؛ مليئة بسعادة ساذجة البراءة؛ قد تصادف؛ لينهي (بحماس فاتر) إبنه الأكبر عن تخطيط رخام المدخل بقطعة(طباشير)؛ عثر عليها منذ فترة. والغرفة فسيحة؛ رغم كل شئ؛ وفيها سرير بمرتبة حقيقية؛ ودولاب صغير؛ وتٌضاء بالكهرباء؛ واللمبة لها (زر) تدوس عليه هكذا؛ فإذا بــ(تك)؛ ويغمر النور (الوهاج) الغرفة.. وصحيح أن إمرأته الحلوة في قريتهم؛ بدت غريبة هنا؛ وبدت لسكان العمارة كعروس من مسرح العرائس؛ فقد كانت بيضاء؛ طويله؛ هذا حقيقي؛ وملامحها جميلة في حد ذاتها؛ عيناها جميلتان؛ وأنفها صغير؛ جميل؛ لا يمكن أن يكون أنف فلاحه؛ وفمها دقيق بالضبط كخاتم (سليمان)؛ ولكن المشكله أن ملامحها تلك بدت غير مناسبه (مطلقاً) لقامتها؛ ولحجمها؛ وكأنها وجه طفلة صغيرة؛ ورأسها قد ركبَ لإمرأة؛ أو كأن الرأس قد صغر بطريقة ما؛ ووضع فوق جسد عادي!! ولكن؛ لا يهم؛ فقد راق مزاجه؛ وانقلب من الكلب الكشر الذي يعوي طول النهار؛ ويصيح؛ إلى إنسان مرح؛ ضاحك؛ كالنحلة. صاعد؛ هابط؛ واقف؛ قاعد؛ يجئ؛ ويوصل؛ ويلبي الطلبات؛ إلى أن ذهب وراء شطوط الوطن المنكود به وله؛ يلفظه حذاء صاحب العمارة الذي حاول مغازلة إمرأته؛ والإيقاع بها؛ وضمها إلى قائمة فرائسه؛ كأنه الذئب من لحم ودم؛ فأبت؛ مستعصمة بشرفها؛ وها هو (بين عشية وضحاها) فواعلي من فواعلية المعمار؛ يتبول أحلامه القديمة في متاهات السفر؛ ولا يود غير زواج ابنته الكُبرى؛ وقطعة طين من الأرض السخية؛ وشقة بثلاث حجرات؛ بدلاً من اثنتين؛ وفي سرده الحزين تنهمر دوعه سخية؛ فيمنحه النفر (عوضاً عن عودته القسرية) ما تيسر من نقودهم القليلة؛ وأشياءهم الصغيرة؛ يكللونه بدعوات التضرع إلى الله أن يعود سالماًً إلى حضن وطنه؛ وأسرته؛ وفي الصباح؛ أنيق كالفنادق التي نخاف منها؛ ونبتعد عنها؛ صامت كرأسمالي؛ يكفيه إيماءة ليُجاب؛ واثق الخُطى؛ يمشي بتمايُل غرير؛ هادئ كبحيرة مغلقة يحف بها الهواء المتناغم على أصوات العصافير؛ وفي عبوره إلى الرصيف (اللامع) المقابل؛ المواجه للسوق الكبير) يلمحه أحدهم بظهر ممشوق؛ جلباب حريري فضفاض؛ عقال أسود براق؛ وعندما يحاول اللحاق به؛ يكون قد غاص (كأحدب نوتردام)؛ في بطن عربته الليموزين الفاخرة هذه المرة.

author-img
عزت عبد العزيز حجازي

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent