recent
أخبار ساخنة

عيون فريد

 


عيون فريد


الحقيبة ثقيلة، ولأني لا أحب لحظات وداع الأحبة، لا أحبذ إيقاظ زوجتي وإبني، ولكن، لا يفتني الذهاب إلى غرفة صغيري، ووشم قبله ضامة، ماصَّة، طريَّة، حييَّة، نديَّة، على جبينه الوضاء، وكذلك لا يفتني طبع قبلة أيضاً ضامَّة، ماصَّة، طريَّة، حييَّة، نديَّة، على خد نحمدو السارح، التي تتململ في إثرها، ثم بتثاؤب، وغنج حقيقي: صباح الخير يا حبيبي.

-صباح النور يا قمر.

-كم الساعه؟.

-السابعة.

-فريد.

-عيون فريد.

-أعمل لك فطار؟.

ولأني أعلم أن زوجتي لا تعزم عزومة مراكبي لا أكثر، كما كان يفعل أبي مع كل مار من أمام المسطبة الخارجية لدارنا الطينية، التي كان دائم الجلوس أمامها، وأنا بجواره صغيراً، في ليالي الصيف القمرية، أو عند العصاري، والشمس في بدء الزوال، وقد كان يفعل ذلك، لا عن شح، أو ضيق زاد اليد، لا سمح الله، ولكن، هكذا، ولأبد الأبدين، يجرى العرف بقرى المحروسة، فبعد إلقاء السلام الفاتر، أو الحماسي، من جانب المار يكون الرد بفتور، أو بحماس أيضاً من جانب المراكبي:وعليكم السلام والرحمه، إتفضل.

ولابد أن تتذيل كلمة إتفضل بإسم أو بلقب المار، يزعق به المراكبي بأعلى صوته، في الوقت الذي يمر فيه المدعو دون أن يبطئ، فهو يعلم جيداً أن الدعوة مراكبيَّة، أي من باب المجامله، لا أكثر، فيمضي غير عابئ، وهو يردد بأعلى صوته هو الآخر: الله يكرمك، عشت.

وسلوك أبي هذا، كان هو ذات سلوكي وأنا جن مصوَّر مع جدتي لأبي المدعوة بـ نبويَّه، وذلك كلما عزمت عليها بملبسَه، أو أرواحََه، أو حمصََه، أو سودنيايه، أو لبَّايَه، أو بونبونايه، أو برغوثه من براغيث الست، أو فسفوسَه من قمع عسل، أو حرنشه صغيره، أو لحسِة حلاوه طحينيه، أو فتفوتَه من دومَه، أو عنبايه من عنقود عنب، أو حبِّة ترمس، وأنا أعلم تماماً، في قرارة نفسي، بأني لا أنوي تحت أي ظرف زماني، أو مكاني إعطائها شئ من ذلك أبداً، ولو انطبقت مراوح السماوات السبع على طبقات الأراضين السبع، أو قامت علينا الساعة، أو انشقت الأرض وابتلعتني، أو حملني طائر رخ الساحرة الشريرة بابا ياجا ليلقيني في هونها الملتهب، لماذا؟ لأنها كانت توبخني دوما، وأحياناً تمد يدها إلى وجهي، لا لتتأكد من نعومته بالطبع، أو مدى دسامته، ولكن لتغافله، وتمسك بأذني تطحنها كالدقيق، فيعلو صراخي، كما لو كان لا يكفيها علق أمي، وذلك كله كلما أتيت كدأبي بفعل من أفعال جنِّي المصوَّر الشيطانية، كالغياب اليومي القدري من صباحة ربنا إلى ما شاء الله، وكالزحلقة على درابزين السلم الخشبي المتهالك، المؤدي لسطح الدار، وكاعتلاء الزير الفخاري المشروخ، المركون بجوار الباب، في انتظار هبة ريح، لا تجئ أبداً حتى في أماشير الشتاء، لتريحني منه، وهو شاخص لي هكذا في الخارجه والداخله كخيال مأتة بستان الخاله ماريَّا، وكقذف العصافير على الشرفة الزجاجية لقصر الباشا بالحصى، وما يتبع ذلك من جلد للغفير، الذي فشل في الإمساك بي، وعودة الغفير على أمي، لا أبي، بالشكوى، والباقي بالطبع معروف لكم، وكالخبط بيد الهون على الطشت النحاسي الصغير، المقطوعة حافته، وكالتسلل إلى المشنة في ركن المندرة، وسرقة رغيف، أو فطيرة، أو حبِّة طماطم، أو حزمة فجل، أو جرجير، أو كرات، أو عدة أعواد سريس، أو جعضيض، أو خس، أو حتى جزرايَه، أو خيارايه، أو قتاية، أو كوز ذرة، من صومعة السطح، والهرولة بالغنيمة إلى البنت اليتيمة برديس، ولذا، أرد بحنو على نحمدو المتأوهه من ليلة أمس الصاخبة: لا، شكراً يا حبيبتي، سأتناول فطوري بالخارج.

وفجأة، بحماس: لا، إنتظر.

تنهض نحمدو، شعرها ترسله على ظهرها، دون أن يرده دبوس، أو يكبحه مشط، تدخل رجليها العاريتين في شبشب من قماش الستان عند حافة السرير، وتذهب إلى المطبخ، وبعد قليل، تحضر لي كوب لبن ساخن، أتناوله في هدوء ورضا، كي لا أتناول سيجارتي على ريق النوم كما طلبت، على وعد مني، أن أتناول فطوري الثقيل في أقرب محطة وصول، ثم وأنا أتجه إلى الخارج، لا يفتها كدأبها أن تطبع قبله ضامَّة، ماصّة، طريَّة، حييَّة، نديَّة، على شفتي، وهى تقول: فريد.

وأنا أضمها إلى صدري: عيون فريد.

وهى تمسح دمعه، وبصوت مخنوق: خذ بالك من روحك.

وأنا أضمها أكثر، وأطبع قبلة جديدة: ولماذا الدموع؟.

وهى تحاول رسم ابتسامة: لا، لا شئ، فقط، إن نشبت الحرب، لا قدر الله، عد إلىّ، وإلى إبنك، سالماً، غانماً، أرجوك.

وأنا أربت على كتفها: حاضر يا روحي.

وقبل أن تنسل من حضني باكية: لا إله إلا الله.

وأنا أقبلها على خدها هذه المرة قي قبلة خاطفة، وأمسح دموعها بمنديلي الميري: محمد رسول الله.

ثم تتذكر: أخذت الحجاب معك؟.

أتحسس جيب جاكتتي: نعم، معي، إطمئني.

تزم شفتيها المرتجفتين، تغالب البكاء.

أنسل إلى الخارج، كأن ملامحي الظاهره غطاء قدر يغلي، على خدي دمعه، أمسحها بمنديلي، وفي يدي اليسرى الحقيبة، وبين أصابعي سيجارة أشعلها على درج السلم الحجري، وفي جيب بنطلوني ولاعة رونسون أخر طراز، كان قد أهداها لي صديقي مينا، وفي جيب جاكتتي الحجاب الورقي، مثلث الشكل، المغلف بقطعة قماش سميكة.

author-img
عزت عبد العزيز حجازي - المُحامي

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent