recent
أخبار ساخنة

الجانب الأخر من شخصية هولاكو قائد التتار

 

الجانب الأخر من شخصية هولاكو قائد التتار .. بعد سلسلة من الصراعات على تولي السلطة بين أمراء البيت الحاكم المغولي، تولى "منجوقا نطولوي" إبن "جنكيز خان، عرش المغول عام 1250، وعمل على استتباب الأمن، وإعادة الإستقرار، وإقامة الإصلاحات والنظم الإدارية، واختيار القادة الأكفاء، لإدارة شئون ولايته، وبعد أن نجح في أن يقر الأحوال الداخلية، ويتخلص من مناوئيه، إتجه نحو الغزو والفتح، وتوسيع رقعة بلاده، فجهز حملتين كبيرتين، وأرسل أخاه الأوسط "قوبيلاي" على رأس حملة لفتح أقاليم "الصين" الجنوبية، ونصب أخاه الأصغر على رأس حملة لغزو "إيران"، والقضاء على الطائفة الإسماعيلية، وإخضاع الخلافة العباسية.

من هو هولاكو وماذا فعل؟

لم يكن "هولاكو" في ذلك الوقت قد جاوز السادسة والثلاثين من عمره، حين عهد إليه أخوه "منقوقا" القيام بمهمة إخضاع الخلافة العباسية، فخرج على رأس جيش هائل قدُر بنحو 120 ألف جندي من خيرة جنود المغول، بالإضافة إلى كبار القادة والفرسان، وحرص الخان الأكبر، أن يوصي أخاه "هولاكو" قبل التحرك، بالإلتزام بالعادات والتقاليد المغولية، وتطبيق قوانين جده "جنكيز خان"، وأن يكون هدفه هو أدخال البلاد من ضفاف نهر "جيجون" حتى "مصر" في دولة المغول، وأن يعامل من يخضع لسلطاته معاملة طيبة، ويذيق الذل من يبدى المقاومة، حتى لو كان الخليفة العباسي نفسه، وحقق "هولاكو" هدفه الأول بالإستيلاء على "بغداد" والقضاء على الخلافة العباسية، حيث أرسل إلى الخليفة "المستعصم بالله" يتهدده، ويتوعده، ويطلب منه الدخول إلى طاعته، وتسليم العاصمة "بغداد"، ونصحه بأن يسرع الإستجابة لمطالبه، حتى يحفظ لنفسه كرامتها، ولدولته أمنها واستقرارها، لكن الخليفة رفض هذا الوعيد، وقرر أن يقاوم، على الرغم من ضعف قواته، وما كان عليه قادته من خلاف وعداء، فضرب "هولاكو" حصاره على المدينة المنكوبة "بغداد"، التي لم تكن تملك شئ يدفع عنها قدرها المحتوم، فدخل المغول "بغداد" سنة 1258 ميلادية، وارتكب "هولاكو" وجنوده من الفظائع ما يشيب لها رأس الولدان، وتجفف لبن الضرع من صدور الأمهات، وحينها اهتز العالم الإسلامي لسقوط الدولة العباسية التي أظلت العالم أكثر من خمسة قرون، وبلغ الحزن عند المسلمين مداه، حتى ظنوا أن العالم على وشك الإنتهاء، وأن الساعة أتية عما قريب، وكان هذا لهول المصيبة التي حلت بهم، وإحساسهم بأنهم أصبحوا بدون خليفة، وهو أمر لم يعتادوه منذ وفاة النبي "محمد" صلى الله عليه وسلم.

ماذا فعل هولاكو بعد سقوط "بغداد"؟

شرع "هولاكو" بعد فتح وسقوط "بغداد" في استعداد الإستيلاء على بلاد الشام و"مصر" حسب الخطة المرسومة التي وضعها له أخوه، فخرج من "أذربيجان" سنة 1259 ميلادية متجها|ً إلى "الشام"، ونجح بالتعاون مع حلفائه المسيحيين في الإستيلاء على "ميافارقين" بحلب، وهى أول مدينة سورية تبتدء بها الحملة المغولية، ولم تسقط إلا بعد عامين من الحصار، نفذت خلالها المؤن، وهلك معظم سكان المدينة، وفي أثناء حصارها، كانت قوات من جيش "هولاكو" تغزو المناطق المجاورة، فاستولت على "نصيبين" و"حران" و"الرها" و"البيرا"، وبعد ذلك تقدم "هولاكو" على رأس قواته لمحاصرة "حلب"، ونصب المغول 20 منجنيقاً حول المدينة، وصاروا يمطرونها بوابل من القذائف حتى استسلمت سنة 1260 ميلادية، وبعد "حلب" سقطت قلعة "حارب" و"حمص" والمعره" وأصبح طريق الحملة مفتوحاً إلى "دمشق"، ولما وصلت الأنباء باقتراب المغول من "دمشق" فر الملك "ناصريوسف الأيوبي" مع قواته، تاركاً مدينته لمصيرها المحتوم، ولم يكن أمام أهالي "دمشق" بعد ما عرفوه بما حل بحلب، سوى تسليم مدينتهم بدون مقاومة،، حتى لا تلقى مصير "حلب" التي قوامت فسقطت، فسارع عدد من أعيانها إلى زعيم المغول "هولاكو" يقدمون الهدايا، ويطلبون منه الأمان، في مقابل تسليم مدينتهم، فقبل "هولاكو" ذلك، ودخل المدينة في نفس العام.

نتائج الإنتصارات المتتالية للمغول:

أدى تحقيق الإنتصارات المتتالية للمغول، إلى الإعتقاد بأنه لن تستطيع قوة في الأرض التصدى لهم، وأن هؤلاء بلاء من الله  سلطهم على المسلمين الذين ركنوا إلى الراحة، وأهملوا قرآنهم وسنة نبيهم، وخارت عزائمهم، وفي وسط هذه الحيرة، جاءت الأنباء إلى "هولاكو" بوفاة أخيه "منجوقان خان" وكان عليه أن يكون قريباً من عملية اختيار خان جديد للمغول، ويساند ترشيح أخيه الأصغر "قوبيلاي" لهذا المنصب، فاضطر إلى العودة لإيران، وكان في نيته أن يكتفي بما حققه، ولكنه عدل عن ذلك بسبب إلحاح القوات المسيحية التي كانت معه على الإستمرار في الغزو، واستعادة بيت المقدس من المسلمين، فأبقى قوة من عساكره تحت إمرة أمهر قواده "كيتي يوا" لإتمام عملية الغزو، وقبل أن يغادر "هولاكو" الشام، أرسل إلى "قطز" رسالة وعيد وتهديد، يدعوه فيها إلى الإستسلام، وإلقاء السلاح، وأنه لا جدوى من المقاومة أمام قوات كُتب لها النصر دوماً، غير أن السلطان "قطز" لم يهتز لكلمات "هولاكو"، أو يتملكه الخوف والفزع، كما تملك غيره من قادة الشام، وكان "قطز" على قدر الحدث العظيم، والخطب الجلل، فقتل رسل "هولاكو"، وخرج للقتال، ولم ينتظر قدوم المغول، والتقى الفريقان في رمضان سنة 652 للهجرة، الموافق أغسطس سنة 1260 للميلاد، في موقعة "عين جالوت" بفلسطين، وحمل المسلمون على المغول الذين كانوا تحت قيادة "كيتب يوا" وقاتلوهم باستبسال وشجاعة من الفجر حتى منتصف النهار، فكتب الله لهم النصر، وهزم المغول هزيمة منكرة لأول مرة في تاريخهم، بعد أن كانت القلوب قد يئست من النصر عبليهم، وكان لهذا النصر أثره العظيم في تاريخ المنطقة العربية، والعالم الإسلامي، بل في تاريخ العالم بأسره، حيث احتفظت "مصر" بما لديها من حضارة ومدنية، وطردت المغول من "دمشق"، وأصبحت بلاد الشام حتى نهر "الفرات" تحت حكم المماليك، وخلصت أوروبا من شر عظيم لم يكن لأحد من ملوكها قدرة على دفعه ومقاومته.

ماذا فعل هولاكو بعد الهزيمة؟

حاول "هولاكو" أن يثأر لجيشه في "عين جالوت"، ويعيد للمغول هيبتهم في النفوس، فأرسل جيشاً إلى "حلب" فأغار عليها ونهبها، ولكنه تعرض للهزيمة بالقرب من "حمص"، فارتد إلى ما وراء نهر "الفرات"، ولم تساعد الأحوال السياسية المغولية في أن يعيد "هولاكو" غزواته على الشام، ويستكمل ما بدأه، فبعد موت "ميقوقا خان" تنازع أمراء البيت الحاكم على السلطة، وانقسمت الإمبراطورية المغوليةإلى ثلاث خانات مستقلة، إستقل "هولاكو" بواحدة منها هى "خانية فارس، ثم دخل في صراع مع "برقا خان" زعيم القبيلة الذهبية، واشتعلت الحرب بينهما، وكان "هولاكو" يعد نفسه نصيراً وحامياً للمسيحخية بتأثير زوجته "توقوز خاتون" في الوقت الذي أسلم فيه "برقا خان" ومال إلى نصرة المسلمين، وأدى هذا الصراع إلى تعطل النشاط الحربي لهولاكو في الشام، ثم ما لبث أن أدى نشوب الحروب الدائم بين أمراء المغول إلى توقف عمليات الغزو والتوسع تماما.

هولاكو نصير الأدب والأدباء والعلم والعلماء:

وعلى الرغم مما اشتهر به "هولاكو" من قوة وغلظة، وإسراف في القتل وسفك الدماء، فإنه لم يغفل تشجيع رجال الأدب والعلم، فحظى "الجويني"، المؤرخ الفارسي المعروف، بتقدير "هولاكو"، ونجح في أن يقنع "هولاكو" بألا يحرق مكتبة "الإسماعيلية"، وكان من نتيجة ارتحاله إلى "منغوليا"، ووقوفه على الأحوال هناك، أن ألف كتاب "تاريخ جنكيز خان وأخلافه"، ويؤثر عن "هولاكو" أنه كلف العالم الرياضي "نصير الدين الطوسي" ببناء مرصد في مدينة "مراغا" وهى مدينة بشمال غرب "إيران"، وقد زوده بأدق الأجهزة المعروفة في زمانه، ويقال بأن المكتبة التي أنشأها "الطوسي" وألحقها بالمرصد، كانت تحوي إلى ما يزيد على 400 ألف مجلد.

ماذا قال الذهبي في كتاب "العبر في تاريخ من غبر"؟

لقد قال: مات "هولاكو" بعلة الصرع، فإنه ًمنذ قتل الشهيد "صاحب ميافارقين" بالصلب وتقطيع جسده وهو حي، إبتلاه الله بالصرع حتى كان يُصرع في اليوم مرة ومرتين، وكان القضاء على المماليك أهم أهدافه، لكنه فشل في ذلك عدة مرات أيام "الظاهر بيبرس" فتزايدت علته حتى صار يعوي كالكلاب، ثم هلك في التاسع عشر من ربيع الأول سنة 663 للهجرة، بالقرب من "مراغا" وهو في الثامنة والأربعين من عمره، تاركاً لأبنائه وأحفاده مملكة فسيحة غرفت بخانية فارس، فلعنة الله على الظالمين، ورحمة الله على الأبطال الصالحين الذين رفعوا راية الإسلام، ورفضوا الخضوع والذل لغير الله.

الجانب الأخر من شخصية هولاكو قائد التتار.. وإلى اللقاء مع موضوع جديد من سياق التاريخ.

author-img
عزت عبد العزيز حجازي - المُحامي

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent