recent
أخبار ساخنة

طالبان والبنتين المخطوفتين: حكاية نشأت طالبان

 

طالبان والبنتين المخطوفتين: حكاية نشأت طالبان


منذ عدة أيام نشر موقع "قناة الحرة" أن طالبان التي استولت على مدن "أفغانستان" مدينة تلو أخرى، بدأت تنتزع في تلك المدن زوجات الرجال الأحرار، وتأخذهم لها، وتفرقهن على مقاتليها، ولو تركنا الموضوع لقناة الحرة ومواقعها الإلكترونية، وغير ذلك من القنوات الأخرى، فمن الممكن، ومن السهل جداً، أن تسمع أخبار تخبرك أن طالبان ومقاتلي طالبان بدأوا ينتزعوا الأطفال من أجل شيهم وأكلهم، وأنهم كذلك قرروا وئد البنات، بل لا نستبعد على الإطلاق، أنهم سوف يحدثونا عن تطور الشكل الجسدي لعناصر طالبان، وأنهم قد برزت لهم أنياب، وأصبحوا مصاصي دماء. أي من الأخر، طالبان ليسوا من البشر، بل مخلوقات برية بربرية، لا يمكن التهاون معهم، أو الرحمة بهم. ولكن ليست تلك الصورة على الإطلاق لما يحاولوا أن يصوروا طالبان بها ومقاتليها، بل الصورة مختلفة تماماً، لكن في نفس الوقت طالبان لم تكن قبل ذلك هى التي تمثل الدين الإسلامي الحقيقي، أو الدين الإسلامي المعتبر، إنما كانت تمثل نظرة ضيقة لهذا الدين.

حكاية طالبان:

دعونا نبدأ معاً حكاية طالبان من البداية، فقد بدأت الحكاية سنة 1989 ميلادية، لما خرج الإحتلال السوفيتي من "أفغانستان" وترك فيها دولة مقسمة ومفتتة، يسودها قانون القوة، وقانون العنف، فأصبحت "أفغانسان" جغرافياً وفكرياً وسياسياً، مقسمة بين عدد كبير من الحركات، وبين العديد من أمراء الحرب، والكل يتنازع ضد بعضه البعض، أهمها 7 حركات معروفين بالحركات المجاهدة، إلى جانب حزب الوحدة الشيعي، وكذلك الحركة الإسلامية "محسنين"، وغير ذلك من حركات أخرى، وإذ انتزعت كل حركة من تلك الحركات جزءً من "أفغانستان" وحكمته لحسابها، كل ذلك وسط حكومة مركزية ليست لها سلطة فعلية على أرض "أفغانستان"، وعلى الرغم من المحاولات العديدة لفرض النظام في الدولة، مثل ذلك الإتفاق الذي تم عام 1992 ميلادية، بعد استمرار العنف والقتل، وقطع الطرق، لمدة تزيد عن سنتين، على الرغم من هذا الإتفاق الذي عُرف في التاريخ بإسم "إتفاق بيشاور"، والذي نظم الأوضاع إلى حد ما، حتى تصبح "أفغانستان" شبه دولة، إلا أن الحروب والفساد وقطع الطرق، وانعدام الأمن، والذي استمر لفترة طويلة، وفي كل مكان تقريباً من "أفغانستان"، بل حتى وصلت تلك النزاعات والحروب إلى العاصمة "كابول" نفسها، وكان ذلك تحديداً في مارس 1993. وعندما أتت سنة 1994 حصلت محاولة انقلاب فاشلة ضد النظام الموجود، وكانت تلك المحاولة من داخل النظام نفسه (حكمت يار وعبد الرشيد رستم ضد برهان الدين رباني)، وفي تلك السنة تحديداً، ومع انتشار الفساد، ومع انتشار قطع الطرق، ومع انتشار القتل والحروب والنزاعات في كل مكان، إلى جانب بقايا الفكر الشيوعي الذي حاول "الإتحاد السوفيتي" زرعه بين الناس، خصوصاً في المدن. كل ذلك أدى لحالة غريبة جداً من الممكن أن نطلق عليها "قانون الغاب".

قصة غريبة:

وفي عام 1994، تم سرد حكاية غريبة، حيث صار يُحكى أن مجموعة من قطاع الطرق، قد اختطفوا بنتين من قرية أفغانية، واعتدوا عليهما، ولإن في هذا العام كما ذكرت، لم يكن هناك نظام يحكم البلاد، ولا يوجد قانون، ولا شرطة تسيطر على كل البلاد، فقد اجتمع الأهالي حول رجال الدين، وكان أشهرهم في هذا الوقت المُلا "محمد عمر"، حيث جمع على الفور من حوله مجموعة من الطلاب التابعين للمدارس الدينية، إذ زحفوا نحو المناطق المتواجد بها قطاع الطرق الذين اعتدوا على البنتين، فقاموا بقتل مجموعة منهم، وقبضو على مجموعة أخرى، وأعدموا أفرادها في ميدان عام، وكان ذلك خارج إطار أي قانون، فحاولت الشرطة أن تلقي القبض على مجموعة الطلاب، وعلى رأسهم المُلا "عمر"، ولكن بمساعدة الأهالي استطاعوا أن يهربوا بعيداً عن المناطق التي تتواجد فيها الشرطة.

التحول الجذري:

ومع أخذ رجال الدين زمام فرض القانون والنظام، وأخذ الحقوق لأصحابها، وعلى رأس رجال الدين هؤلاء كان المُلا "عمر"، ومن حوله الطلاب، وسريعاً ما تحول رجال الدين والطلاب إلى "روبين هود" أفغانستان، أو إلى شخصية "زورو". أي تحولوا إلى هؤلاء الأبطال الشعبيين العظام الذين يحبهم الناس، ويؤمن بهم الناس. ومن هنا تحول رجال الدين وعلى رأسهم المُلا "عمر" والطلاب لأبطال شعبيين في غمضة عين. ومع انسحاب هؤلاء الأبطال الشعبيين بعيداً عن المناطق التي تتواجد بها الشرطة، فقد عادوا بعد فترة ومعهم أعداد أكبر من الشباب، أي من الممكن أن نقول بأنهم عادوا ومعهم جيش صغير، ومن هنا بدأوا يسيطروا على مدن "أفغانستان" مدينة وراء مدينة، وهم رافعين شعار الحماية، وفرض القانون، ولكن بما أنهم رجال دين، فسوف يفرضون القانون من وجهة النظر الدينية، ففي البداية كانت "الحماية" هى الشعار، ثم صارت "الوصاية"، ومع وجود الحركات الأخرى التي كان هدفها سياسياً بغرض الوصول للحكم، صارت المعادلة صعبة في الحياة الأفغانية، وانتشرت سمعة الطلاب بين الأهالي في المدن والقرى، ومع ازدياد قوة طالبان، وازياد محبة الأهالي لها، سقطت المدن الأفغانية تباعاً في يد الحركة الجديدة المثقفة من وجهة نظر الشعب، أليسوا هم رجال دين وطلاب مدارس وجامعات؟.

سقوط العاصمة كابول:

ومع تنامي قوة طالبان، فقد استطاعت السيطؤة على العاصمة "كابول" عام 1996 ميلادية، أي أنه خلال عامان فقط، قد استطاعت حركة طالبان السيطرة تقريباً على كل "أفغانستان"، وفي العاصمة "كابول" تم إعلان الجمهورية الأفغانية الإسلامية، ومنذ عام 1996 حتى عام 2001، حكمت طالبان معظم نواحي "أفغانستان"، وفرضت الأمن، وفرضت القانون، وفرضت الحماية للمستضعفين، واستطاعت إلى حد ما أن تظهر شكل من أشكال الدولة، وعلى الرغم أن طالبان طوال تلك السنوات لم تكن تحكم كل "أفغانستان"، إلا أنها، بما أن السيطرة على العاصمة "كابول" لها، فهى المسيطرة على كل "أفغانستان" وتمثلها.

الإعتراف بالنظام الجديد:

وفي تلك الفترة لم تعترف بالحكم الجديد لأفغانستان، سوى ثلاث دول فقط هم (السعودية والإمارات وباكستان)، وبعد ذلك سحبت (السعودية والإماؤرات" إعترافهما بحكم طالبان، وخلال الأربع سنوات من حكم طالبان، وقعت تلك الحركة في معظم المشاكل التي يقع فيها االفكر السلفي المعاصر، وهى السلفية التي تختلف عن تلك السلفية التاريخية في الفكر الإسلامي، أو على مدار الحضارة الإسلامية، فوجدنا حركة طالبان على سبيل المثال قد هدمت تمثالين لبوذا في حادثة مشهورة جداً في التاريخ الحديث، والذي استغله الغرب وإعلامه من أجل الإساءة للحركة، بل أخذ يسئ للمسلمين بصفة عامة في العالم كله، وكان هدم التمثالين عمل شائن، ولا وجوب له، فقد تعاقبت على "أفغانستان" دول متعاقبة، وحكم المسلمين لأفغانستان منذ الفتح الإسلامي، إلا أن الجميع ترك تمثالي "بوذا" في مكانهما، ولم يقترب منهما أحد (الدولة الأموية والدولة العباسية) وحتى الدول التي نشأت بعد ذلك مع ضعف الخلافة العباسية (السنادقة والخوارزميين) وغيرهما من الحركات الإسلامية، والنظم الإسلانمية التي نشأت في "أفغانستان". ولنا في "مصر" المثل، إذ مع الفتح الإسلامي لها، لم يقترب أحد من كل تماثيل وأثار "مصر"، وظلت على حالها إلى اليوم، مع تنوعها ما بين أثار فرعونية ويونانية وإغريقية وغير ذلك.

هل هدم تمثالي "بوذا" الخطأ الوحيد؟

لا، فلم تخطئ "طالبان" في هدم التمثالين فقط، بل أخطأت كذلك حين انتهجت فكر "الحاكمية لله"، والمشكلة هنا ليست في أن الحكم لله لا سمح الله، ولكن المشكلة "بتفسير من؟"، فهناك في التاريخ الإسلامي 4 مذاهب هى المشهورة، وبناء عليه، فمعظم الأحكام الشرعية لها رأي، ورأي أخر، وإذا كان الدين الإسلامي كله قائم على القرأن والسنة، فيجب أن تضع في حسبانك التفسير لهذا القرأن، ولهذه السنة. فلا يمكن إنكار على الإطلاق، أنه توجد مذاهب وأراء، بل داخل المذهب الواحد يكون هناك اختلاف. ومن أجل كل هذا، ومع وجود هذا الفكر، أصبح هنا "إن الحكم إلا لله" هو حكمك انت، لا حكم الله، وتفسيرك أنت للنص الديني. ومن هنا تأتي دعوتنا دوماً للمجالس التشريعية، والمجالس التي تنظم هذا الحكم الديني، وتنظم تفسير النصوص بما يلائم كل مجتمع، فكل مجتمع محتلف عن الأخر، وبما يلائم العصر الذي نحن فيه.

ومن أجل تلك الحاكمية لله، تحول الدين على يد "طالبان" ما بين أوامر وفروض، وما بين محرمات ونواهي. أما في المنتصف فتم إلغاؤه على الإطلاق، ليصبح عندهم الدين، لا وجود لكراهة التنزيل فيه، ولا كراهة التحريم، بل أصبح الدين كله حرام، وليصبح الدين ليس فقط سنة، ولا سنة مؤكدة، بل أصبح الدين كله فروض، وما بين الحرام والفروض، ضاع جزء كبير جداً من الدين. ومن هنا أصبح الدين تحت حكم "طالبان" في تلك الفترة "دين جامد، ولا علاقة له بالتغيرات المكانية، ولا التغيرات الزمانية، وفي الختام نتمنى أن تكون حركة طالبان، بعد أن دانت لها السيطرة من جديد، قد غيرت فكرها الديني وصححته، بما يلائم عصرنا.


author-img
عزت عبد العزيز حجازي - المُحامي

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent