recent
أخبار ساخنة

مصر .. وظل الدبابة

 


مصر .. وظل الدبابة


إثنان لم يفهما مصر: السائح الخليجي والعسكري الكاكي، السائح الخليجي تصورها مجرد غانية عارية الصدر والساقين، تجلس تحت الشمس تحتسي الخمر، ثم تذهب في المساء إلى نايت كلوب، وتنام في أي مكان، مع أي شخص.

والعسكري الكاكي، بعدما نظر إليها من داخل الدبابة، فلم يشاهد أي شئ. فالمشهد من داخل الدبابة يغري بمحو الصور والأشخاص. وفجأة، خلعت مصر قيدها الصدئ، وخرج أديبها يوسف إدريس يبحث عن جنته الضائعة، فسأله العسكري الكاكي: من أنت؟. فابتسم، ولم يجب. فجرده العسكري الكاكي من ثيابه وكتبه وقلمه، وأمر بسحبه إلى الزنزانة. ومرت أم كلثوم بالأوبرا، تتسرب من بين حيطانها تراتيل خائفة. موجوعة، فلم تعرف كوكب الشرق وطنها. فأوقعها العسكري الكاكي، وطلب منها إذن المرور. فأخرجت منديلها، وهى تشدو بأغنية مصر تتحدث عن نفسها. فمزق العسكري الكاكي منديلها، ثم وهو يقطع رأسها:الآن صرت تستحقين أن تكوني مواطنة صالحة. وتحول الأفق كله إلى عالم كبير، وضاع العسكري الكاكي بين سطور مكتوبه باللون الأخضر، ولحن أغنية كانت ملائكية. وانفجر الغضب، وسقط ظل الدبابة، وبعد وقت قصير، صرخ ةالعسكري الكاكي: إحبسوا كل النار، ضعوا الخونة في الأقبية، وقيدوهم بالسلاسل، أطلقوا الرصاص ليتبدد خوفي.

لكن كل هدير الرصاص لم يغط على الصوت. كانت الهتافات تزمجر كأنها تحاول أن تزحف على كل شبر لتحمي من في الميدان، من يريدون الخبز والعدالة والكرامة والحرية.

أما العسكري الكاكي، فقرأ بذعر المكتوب على منافذ الميدان: إعرف نفسك. ومثل الملوك القدامى راح يسأل العرافات: ما هو مستقبلي؟. فغطت كبيرة العرافات وجهها بالوشاح الأسود: أنصحك بالذهاب إلى البيت الأبيض، إنه يعرف مستقبلك أكثر مني، فهو العراب، والعراف الحديث. وحين عاد العسكري الكاكي إلى الدبابة، سمع هدير الحناجر، فاسرع يطلق الرصاص في كل الإتجاهات، ولكن، لم يدرك أن من في الميدان هم الدين يحاصرون الدبابة، وأنهم يقفون في الظلمة يسمعون صوت الأغنية الطالعة من الأحراش والتاريخ والحجارة. فقد نبتت للحروف والأغنيات أسنان، ولأفواه الحناجر فوهات بنادق. وراح السائح الخليجي يعرف أن مصر لم تعد مجرد وطن يباع فيه اللحم والتاريخ والنبيذ!!!!.

****

author-img
عزت عبد العزيز حجازي

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent