recent
أخبار ساخنة

إبتسامة صفراء يابسة

 


إبتسامة صفراء يابسة

 

بسعادة ثعلب يطارد الريح والبوم، أمام قصعة القوالح، وكركرة الجوزة بالوسعاية، يفكر ويفكر، يسف قرطاسين كاملين من بلح جوزة الطيب، وكوز شاي بالأفيون، يرسم بجسده النحيل، جلبابه الواسع، الفضفاض، الطويل، دوائر راقصة، مهللاً: يا حالولي يا اولاد، مراتي حامل. متخذاً سيماء إمرأة تتمنع قبل أن تلين، مانحة لذائذ جسدها وأطبابه لمن يعرف كيف يستخرجها منه.

يفط –كسمكة إلى الزقاق الملتوي مثل أمعاء ميت، يسير كأنه يجري، يجري كأنه يطير، يملأ الأفق الشرقي، يشق العتمة التي تحيط بالأرض، بدور القرية القديمة، المتناثرة كبجعات سوداء مطوية الأجنحة، يقابله شارع واسع جداً، يسمح ضيق البلدة باتساعه، وتلمع فيه برك ماء، وتتجمع على حوافه أكوام من قشر الأرز الذي تنفثه ماسورة طويلة، تمتد عبر الشارع، وتنتهي في مضرب الأرز، أعلى بناء في القرية، والبناء الوحيد الصاحي، وتتصاعد دقات وابوره موحشة، كئيبة، على إيقاع أنفاس شبح الليل المار، التي تتقارب، وتتباعد، غير عابئة بأنفه الأفطس الذي يمتلئ برائحة الزفارة، فكل ما في القرية يضج بها، الأرض، والدور، ورغبات الناس، والقوارب، فالقرية أكثر أهلها صيادون، والسمك صناعتهم، وفي كل مكان تجد آثاره، وعلى باب دار أبيه القديمة، المتآكلة، يزف البشري البليدة لأمه العجوز، الأم جالسة بلباسها الأسود، أساورها الرخيصة، أسنانها الصفراء، المشرشرة، جاء ليفوز، جاثياً على ركبتيه، مصوباً نظرة ناحية الأم، راسماً لنفسه سيناريو الفوز.

بفعل الشاي والتبغ الممصوص تبصق الأم على الأرض، تصرخ في وجهه: ياما جاب الغراب لامه، أتوقظني يا ولد المركوب من عز النوم، لتخبرني بأن امرأتك حامل، بأمارة ماذا يا سبع البراري؟. كنت أظنك تحمل لي ذكر بط،. أو أوزة، أو حتي دجاجة أتقوت بها، أغرب يا ولد الرفضي عن وجهي، قال إمراتي حامل قال. وحين يخرج، يجد نفسه غير الذي دخل، يصير منزوياً تحت أقدام الوهَن، مكسوراً، يجر أذيال خيبته، لوعته، صدمته، تسرقه سكين وكسته إلى حيث دار أخته الحيّلة، أخر العنقود سكر معقود، لعل وعسي يلين قلبها له، كي تنوب عنه في زف بشارة طمأنينة قلبه، بمنحه بهجة ولو منقوصه في صباح يأت له دون أن يذهب إليه، لتوزيع الملبس والبمبوني، والسمبوسكة، والشرّبات على الصغار والكبار بشري تشريف ولي العهد، منية النفس، بعد طول صبر، مناهدة، دوخة شرق وغرب، شمال وجنوب على الأطباء، العطارين، الرقايين، السحرة، طالبي النذور، العطايا، الهبات، الصلاة والدعاء في بيوت أولياء الله الصالحين، ويا سعي ما تم، يرد علي أعقابه، مشيعاً بوجع الكلمات الموجعة: الآن افتكرت أختك يا حيلة أبيك وامك، لك كم سنة لم يرك أحد، دائر مع الحربائة من مولد لمولد، ألا تعلم بأن أولادي قد نسيوا وجهك؟. إذهب عني، الله لا يسيئك، ألا يكفي أن أبيك قد مات بحسرته، وأمك عدمت نظرها بسببك، ثم تعالى هنا، كيف تكون امرأتك حامل، هه؟. وكالمحموم يعاني نوبة هذيان، نصفه يضحك، ونصفه يبكي، ونصفه الآخر مثل بحر نيل القرية يريد أن يتخلص من زبده قبل أن ينام، يزوم مثل كلب، يعوي مثل ذئب، يترنح في طريق عودته، ناظراً إلى البعيد، البعيد، إلى عتمة ليلته المتكاثرة على الضفتين، متشبثاًً بحواف الجسر الواصل به إلى باب داره، يقاوم العجز والنكوص، ينز نثار حلمه القديم في ولد يشيل إسمه، ويرفع رأسه، وفي مخيلته تلوح مشوشه صورة امرأته، وهى تتلوىَ بالوجع، وبجوارها الدايه نبوية، تسحب رأس وليده، أما هو، فيفغر فاهه عن ابتسامة صفراء، يابسة كالقش، حزينة مثل جمرة منطفئه، وبصوت مسموع، مصحوباً بخشخشة وتزييق أنفاس صدره اللاهث، المريض، يغمغم: ماذا يريدون مني، أن أبكي؟. ها هو بكائي وضحكي في قلب العتمة، وماذا يعني كلام الطبيب بأن العيب مني، وليس منها، وهل علم الطبيب أقوي من علم ربنا؟. وهل يستطيع أحد أن يقيم ظل شئ معوج سواه؟. أي نعم هى راقصة لهلوبة، وأصغر مني بكثير، وخفة دمها ناقعة حبتين، قل ثلاثه، ولكن، لا تفعلها، هى تعلم مدى تضحيتي من أجلها، ألا يكفي بأن طيني ومالي تحت قدميها؟. لا، لا، لن أقوم بأي تحاليل ولا دياولوا، فيكفي الولد أن يكون شبهي، ولو من بعيد، ويأخذ لوني، ومن بعده صوتي، تتمايل أمه والربابة عليه، ولكن، ماذا أفعل يا الله، أأكون قد جننت؟. أم في طريقي؟. أأذهب إلى طبيب من هؤلاء الذين أصبحوا الموده في هذه الأيام، الذين يزعمون القدرة على تحليل النفس، وسبر الرغبات، وحتى تفسير الأحلام؟. وفي تلك اللحظة، لا يدرك ان الأرض تتآلم حين تشقها النبتة، ولكن ماذا يفعل؟. وهل تستطيع الإنتظار حتى الصباح؟. كل أسراب النمل تسري في دمه، وخوفه عليها، وعلى من سيأتي يدفعه إلى الخارج، تقابله النسمات الباردة، نباح الكلاب، مواء القطط، قأقأة الدجاج، خوار الأبقار، حمحمة الأفراس، أشباح الليل، وقارب جاره الشاب الوسيم، فلقة القمر، وهو يهتز اهتزازات خفيفة، يجذبه موج صغير إلى الداخل، ثم يدفعه الموج الكبير ليصفع به إلى الشاطئ، والقمر يلقي بنوره الكابي على أسطح الدور، ووسعاية الجرن، ومضرب الأرز، والشوارع والأزقة تمر به، فلا يراها، ولا يشعر بها، وأمام باب الدار الخشبي، برسوماته النباتيه الضامرة، يتسمر كالوتد، يدق الباب بهمود، وبصوت متهدج:  يا خاله نبوية، يا خاله نبوية.

ترد الخاله نبوية التي لا تخشي عفاريت الليل: مَنْ؟.

-انا يا خاله.

-جن أم إنس؟.

-إنس يا خاله.

-وماذا تريد؟.

-حالة ولاده يا خاله.

-حالا يا ولدي.

 تشد الخالة نبوية رتاج الباب، وتخرج، وما إن تراه، حتى تبتسم له، وتقول بوهن العجوز: صباح الخير يا ولدي.

لم تاخذ السنين من حيويتها، وبشاشتها، وعندما تلاحظ صمته، تقول له: بكريَّه يا ولدي؟.

 -ألا تعلمي يا خاله؟.

بلعثمة: نعم يا ولدي، نعم، يقطعني، لا أقصد يا حبيبي، ربنا ينتعها لك بالسلامة.

يتردد في الآفاق آذان الفجر، تتمتم الداية بكلمات الدعاء، يدعو هو أيضاً، يصلا إلى الدار، يفتح الباب، إمرأته لا زالت تتأوه بالوجع، تدخل الدايه حجرتها، تطلب منه ماءً ساخناً، وصابوناً، يعد الماء الساخن، يناولها الإناء والصابونة، تغلق باب الحجرة، كي تحول بينه وبين الصراخ

عقارب الساعه لا تسير، وقت ثقيل وراكد كالرصاص المنصهر، وقلبه ينخلع مع كل آهه، ولو خافتة.

خمس دقائق تمر كدهر، وفي السادسة، ترفع الخالة نبوية الوليد بيد واحدة في وضع مقلوب، وتأخذ تضرب على قدميه برفق، وعلى ظهره، فيتدفق من فمه بعض الماء، والرغاوي، ثم تعدل من وضع انفه، وسقف فمه، وهى تبش وتزف النبأ: مبروك يا ولدي.

-ولد، أم بنت، يا خاله؟.

-ولد أبيض مثل الفل، فلقة قمر، يتربي في عزك يا ولدي.

يعكمه حزن. ويفريه ضيق: لكن، يا خاله.

-من غير لكن يا ولدي، غداً شمس قريتنا تجعله في لون طينها، لا تقلق يا ولدي، ربنا يكون في عونك.

تلف الخاله نبوية الشال على رأسها، وتتأهب للخروج، يناولها بعض المال، ترفض ان تأخذه، ولكنها تستسلم تحت اصراره، وتمضي مبتعدة على الطريق الواصل به إلى بحر النيل، الذي يفتح له ذراعيه، وهو منكس الراس، دامع العينين، وعلى شفتيه ترتسم ابتسامه صفراء، يابسه كالقش، حزينة مثل جمرة منطفئة، وقارب جاره الشاب الوسيم، فلقة القمر، لا يزال يهتز اهتزازات خفيفة، يجذبه موج صغير إلى الداخل، ثم يدفعه الموج الكبير ليصفع به إلى الشاطئ.

author-img
عزت عبد العزيز حجازي

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent