recent
أخبار ساخنة

جوانب ثقافية في حياة (جمال عبد الناصر)

 


جوانب ثقافية في حياة (جمال عبد الناصر) 


.. ثمة وثائق شخصية للرئيس (جمال عبد الناصر) هى أوراق كتبها لنفسه؛ وليس للنشر؛ فجاءت معبرة عن أفكاره وسياساته بلا تزييف أو تزويق؛ صفحات مجهولة من تاريخ هذه الشخصية.

.. وقد كان من اللافت حقاً في هذه الأوراق أن (عبد الناصر) إلتحق بمدرسة النهضة الثانوية في حي الظاهر بالقاهرة؛ ليعيش في كنف عمه (خليل) بسبب إشتراكه في إضرابات الإسكندرية حيث كان يقيم مع أسرته؛ وذلك إحتجاجاً على إستصدار(إسماعيل صدقي) مرسوماً بإلغاء دستور 1932؛ وفي مدرسة النهضة أصبح رئيس إتحاد طلاب مدارس النهضة الثانوية؛ وتبدى شغفه بالقراءة في فروع المعرفة فاطلع على سيرة رسول الله (ص) وأبطال الإسلام؛ وكذلك كتابات (روسو وفولتير وتشارليز ديكينز وفيكتور هوجو) وأشعار (شوقي وحافظ والعقاد) وروايات (توفيق الحكيم) ومنها (عودة الروح) التي تركت في نفسه أثراً طالما تحدث عنه؛ وقرأ عن تاريخ الثورات خاصة الفرنسية المثل الأعلى للثورات التي أتت بعدها؛ وقرأ عن كبار القادة والثائرين في التاريخ مثل الإسكندر الأكبر؛ ويوليوس قيصر؛ ونابليون ومصطفى كامل وغاندي؛ وكتب مقالاً عن (فولتير) بعنوان (فولتير رجُل الحرية).. ثم حاول بعد ذلك أن يؤلف رواية عن (حملة فريزر على مصر)؛ لم يتمها؛ كما كان يقوم بجمع مختارات أدبية؛ أشعار للعقاد؛ وقصة (حديث قطن) للرافعي... وقد كان من المدهش أن يتم إختيار الطالب (جمال عبد الناصر) عام 1952؛ لأداء شخصية (يوليوس قيصر) بطل تحرير الجماهير في مسرحية (شكسبير) المعروفة؛ بعد ما رأى فيه المدرس المشرف على المسرح المدرسي مهابة وكاريزما تليق بدور قيص؛ وكان هذا المدرس يحوز رؤية نافذة في التاريخ؛ وفي نفس الوقت يقرأ المستقبل... أما بالنسبة للرئيس الراحل (أنور السادات) فالأمر يختلف ككاتب له رؤية وقلم؛ حيث كان نابغاً متعدد المواهب الأدبية والفنية والإبداعية؛ في لغته العربية واللغة الإنجليزية ووعيه السياسي العميق؛ بل إنه حتى وهو نزيل سجن الأجانب في عام 1946 بعد إتهامه  في قضية الإغتيالات السياسية التي أطاحت بحياة الوزير (أمين عثمان)؛ وفوق هذا وذاك كان وهو في قفص المحاكمة وداخل زنازين السجن؛ من أقوى المتهمين شخصية وأكبرهم عمراً؛ وأكثرهم ثقافة وتجربة.

مذكرات  يوم الجمعة (18 يناير 1964)

.. دخلت سجن الأجانب بعد منتصف الليل؛ بعد أن عُدت من سراي النيابة؛ هاهو ذا سجن الأجانب يضمني ثانية بعد أن كنت قد نسيته تماماً؛ وقد نقلت إلى السجن في شهر سبتمبر 1944؛ في أواخر عهد الحكومة الوفدية؛ على أثر مشادة بيننا وبين إدارة المعتقل بالزيتون؛ تمهيداً لترحيلنا إلى (الطور) كما إرتأى الحاكم العسكري وقتذاك.

.. ومن إصدارات الرئيس (السادات) على طريق هوايته الأدبية ومشواره الثقافي حتى نهاية عمره.

.. ومن أطرف ما كتبه تلك المذكرات التي تصور تفاصيل الحياة داخل السجن؛ في أصدق تصوير؛ وأطرف أسلوب؛ وقد نشرت هذه المذكرات مجلة (المصور) وهي تحمل الكثير من الرؤى والخواطر التي دونها (السادات) بشكل دقيق ولماح وساحر لأحوال سجناء مصر وقتها في كافة ظروفهم الصعبة البائسة؛ لهذا إخترت بعض المواقف من هذه المذكرات حتى أخفف من وطأة ما تعرضت له مصر وأهلها في غياهبسجون ومعتقلات ووسائل تعذيب تلك المرحلة البشعة التي كانت ميداناً لطغيان (مبارك) المخلوع وأذنابه.

.. حدث ذلك بعد أن تم الحكم لـ(السادات) بالبراءة؛ وإنضم للعمل ضمن أسرة دار(الهلال) في عام 1948.

(20 يناير 1946)

.. مضى عبيّ ثلاثة أيام وأنا أنام ببذلتي؛ بدون أن يحضروا ملابسي وحاجياتي من سجن مصر حيث كنت.. لذلك كتبت خطاباً شديد اللهجة إلى النائب العام لتركي بدون ملابسي؛ أو حتى صابونة لأغتسل؛ وقد سبب لي النوم بالبدلة إلتهاباً شديداً قي فخذي جعلني أهرش؛ كما لو كنت (أجرب)!!.

الإثنين (12 يناير 1946)

.. يظهر أن خطابي للنائب العام أحدث أثراً؛ فقد أحضر لي مأمور السجن ملابسي؛ كما أحضر الصابون؛ وقد طلبت حماماً ساخناً فأذن لي المأمور بذلك؛ واستمتعت بإستلقاءة بديعة داخل البيجاما والبطاطين!!.. رغم أن الفسحة في السجن معدومة؛ كما أن غرفة السجن مظلمة وشديدة الرطوبة.

الثلاثاء (23 يناير 1946)

.. أصبحت الحالة لا تطاق؛ فلم يسمح لي بالتوجه إلى دورة المياه في الصباح كالمعتاد؛ وقد كتبت للنائب العام مرة ثانية؛ أبلغه بهذه المعاملة الشاذة؛ خاصة فيما يختص بالسماح لي بالقراءة؛ ولكنه سامحه الله؛ لم يسمح لي بشئ؛ ولا حتى المصحف الشريف.

يوم (14 فبراير 1946)

.. ليس في الإمكان أبدع مما كان؛ فقد صحوت اليوم على صوت حنون يغني (كليوباترا) وآهاتها؛ إنها (ليلى) في الغرفة المجاورة.. لقد إمتزجت البراءة مع رقة الأنوثة؛ في إخراج هذا النغم الساحر؛ إنني أعشق الموسيقى بكل جوارحي؛ وأكثر من ذلك فهى تضفي على هذا الجو الرهيب لوناً خفيفاً طلياً من الجمال الذي يرتفع بالنفس إلى آفاق الروح؛ فينسى الإنسان الزمان والمكان والأشياء! أستغفرك اللهم وأحمدك حتى ترضى.

يوم (17 فبراير 1946)

.. طلعت علينا جريدة (المقطم) وفيها خبر نقل (كيلرن) من مصر؛ ولما كنت أبغض هذا المخلوق الذي أدمى كرامة مصر كلها؛ فقد صممت أن أحتفل بهذه المناسبة بقدر ما أتمكن؛ فأرسلت في شراء دستة جاتوه بإسم المسجونة (ليلة الهندية) ووزعتها على ليلى والسجانات والسجانوالفراشة؛ واستبقيت ثلاث قطع أكُلها على فنجان شاي المساء.. وقد إستمتعت بأكلها آيما إستمتاع؛ خاصة أن (المعازيم) تركوها لي من النوع المملوء بالكريمة!.

.. وفي الساعة الثانية صباحاً إستيقظت على مغص وإسهال مروع؛ واتضح لي أن الجاتوه كان تالفاً وقد جئ من دكان بشارع (محمد علي).

يوم أول يوليو 1946

.. إجتمعنا اليوم نحن المتهمين في قضية (أمين عثمان) لأول مرة لنتعارف؛ وقد كان يسود الجو ريبة وشك شديدان؛ إلا أن سرد أهوال سجن الأجانب قرب بين نفوسنا فاقترحت أن نفكر في كيفية النهوض بحالتنا؛ وجعل حياتنا هنا شيئاً محتملاً بقدر الإمكان؛ وانتهينا إلى قرارات كثيرة كان أهمها: إصدار مجلتين إسبوعيتين تتضمنان الحوادث العامة والتعليق عليهما.

.. وقد سرت إشاعة أن المقالة الجيدة أو القصيدة الموزونة ستكون مكافأتها سيجارة؛ بإعتبار أن السيجارة هنا أندر من الذهب!!؛ وكان عنوان الجريدة الأولى (الهنكرة والمنكرة).

يوم (26 أكتوبر 1946)

.. طلع الصباح؛ وطلعة علينا المجلة.. يا إلهي ما أجمل أن يشرق النور فتبدو فرحة الإنتصار؛ ولهفة الشوق!

.. هاهى مجلتنا بين يدي وسأحتفظ بها تذكاراً لهذه الفترة؛ ولعلي أهديها لقومي في يوم من الأيام.

يوم (20 فبراير 1948)

.. إستخف بنا الفرح؛ فنظمنا أمس لأول مرة مهرجاناً مكتوماً؛ وكم يطيب لي أن أروي في هذه الصفحات وصفاً لهذا المهرجان (الهيستيري)؛ لعلي أتمتع بقراءته في الخارج.

.. كان المهرجان سهرة في قصر (هارون الرشيد) واشتركنا جميعاً في وضعه وتمثيله وإخراجه؛ والإستمتاع به في آن واحد!!.. وكان توزيع الأدوار كالآتي:

أنور السادات: هارون الرشيد (الخليفة)

حسين توفيق: السياف عبد الله

السيد خميس القهرمانة وكبيرة القيان

سعيد توفيق: كبير الحجاب

مدحت فخري: شهرزاد؛ الراقصة المغرية

عمر أبو علي: إسحق الموصلي

أحمد وسيم / محمد كريم / محجوب: فتيات الكورس الجوهري: بائع اللب

مراد: الخواجة؛ ورئيس وفد الفرنجة

.. وتبدأ السهرة؛ بأن يشير الخليفة إلى القهرمانة لتدبير العزف والغناء؛ فيرتفع صوتها هى وفتيات الكورس في توشيح جميل.:

بالذي أسكر من خمر اللمـا      كل مسجون أسيف وحبا

والذي أجرى دموعي عندما      أخرج (...) والظلم سوا

.. ويطرب الخليفة؛ بيستعيد النغم مثنى وثلاث؛ ويطرب الحضور فيندفع الجميع في جو كله طرب وطبول.. ثم يهدأ الجو؛ ويشير الخليفة إلى القهرمانة لتغني أحدث ألحان الموصلي قائلاً في نشوة:

ولتغن القيان؛ وليحرق البخور في أرجاء المكان

.. فتنحني القهرمانة أدباً وخضوعاً؛ وفي حنان ورقة يرتفع الغناء فيعم الأرجاء.

جانا الخليفة جانا    والسعد أهو ويانــا

في مجلسه حيانا    وبخمرته سقانـــا

.. وتأخذ القهرمانة والقيان في ترديد النغم على مختلف الألحان؛ والموصلي يهتز للأوزان؛ فيأخذ الطرب بمجامع الخليقة؛ فلا يتمالك من أن يندفع ويرد على القيان:

أنا جيت لكم والله يا ولاد    أنا أحبكم قوي يا ولاد

أنا جيت لكم أنا جيــت    ده ألاتـــها لخبيط

يوم (30 مارس 1948)

.. حدث اليوم أن كنا في طابور الصباح؛ مقدم إلينا المدعو (عبد الله زيدان) (مساعد العشماوي)؛ وجعل يحدثنا عن عمليات الشنق التي باشرها في الأربعة عشرة مديرية على حد قوله؛ ثم أخذ يداعبنا بأن أخذ يعاين رقبة كل منا؛ ويصف له الحبل الذي يناسبه؛ والمدة التي يستغرقها النبض.. وكان حديثه مدار تعليقاتنا ودعابتنا طول اليوم!

يوم (8 يوليو 1948)

.. ولكن.. حل علينا رمضان برهبته ونشوته؛ والنفس مشغولة كأشد ما يكون الإنشغال؛ والقلب يتلهف؛ والإنفعالات تعتمل في عنف وهدير.

.. ولا عجب فنحن اليوم على أبواب المصير.. ولكن.. لم الجزع؛ ولم الخوف يا نفس؟!!.. ألم يقل سبحانه وتعالى (قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا).. أليست حياتي هذه من صنع الله وتيسيره؛ وهو الذي يعلم ما في السموات وما في الأرض؛ وما بينهما.

.. يا نفس إثبتي ولا تضعفك الدنيا؛ واعلمي أن الحكم لله؛ والأمر لله.. واحتفظي بالقوة والعزة تعودي إلى ربك راضية مرضية؛ وتدخلي جنته!!

.. ومن إصدارات الرئيس (السادات) على طريق مسيرته الأدبية ومشواره الثقافي الذي إمتد لآخر عمره –يرحمه الله- (يا ولدي.. هذا عمك جمال؛ البحث عن الذات؛ 30 شهراً في السجن؛ القاعدة الشعبية؛ صفحات مجهولة؛ قصة الثورة كاملة؛ معنى الإتحاد القومي؛ نحو بعث جديد؛ وصيتي)!!

***

.. رحمك الله أيها الرئيس المؤمن وتغمدك برحمته؛ وليسامحك الله على ما إرتكبته في حق العهلم والفكر بإختيارك هذا التافه الفاشل البائس الفرعون، أما بالنسبة لأحوال العقل الواعي المثقف الذي يملكه الرئيس المخلوع –والسجين بحكم الله وعدله- فلم تظهر له أية بادرة في المعرفة؛ ولا أية دراية في أمور الناس؛ حتى المتواضع منها؛ الساذج فيها؛ وكأنه لم يغادر (كفر مصيلحة)؛ ولم يدخل يوماً (كُتاباً) ناهيك عن (المدرسة)؛ وكانه إنتقل فجأة من ثقل أعمال الزراعة؛ إلى عز رفاهية قصور الرئاسة!! وبعد الفبحث والفحص والتمحيص للوقوف على هذا الوضع الغريب وفهم هذا الإنتقال الرهيب؛ هذا التحول المستحيل!! ومع ذلك؛ ورغم كل ماسبق إنكشفت عورات (مبارك) العقلية والفكرية والثقافية بعد أإن أزيحت الستائر السوداء؛ وتبددت غازات النفاق المسيلة للعقول والعيون والدموع.. وقامت الثورة؛ وسقط خيال المآتة؛ وسراب الزمن؛ وخيبة الماضي والحاضر والمستقبل.. بعد أن نسى الرئيس بدايته المبشرة وكيف إنقلبت الشعارات كوارث.. حيث أن طول بقاء (مبارك) فوق القمة المشقوقة المتهاوية أدى إلى تكاثر الطحالب؛ وتكالب دفة المصالح؛ وتقنين الفساد؛ حتى أصبح فسادا عارياً لا يتوارى ولا يخجل، بل يفرض نفسه في وقاحة، وقدر غير مسبوق من الضمور والشراسة.

.. ثلاثون عاماً غيرت الرجل؛ تغير قبل إتمامه ثلاثة عقود في الحكم، تغير منذ 50 عاما، صار الشعب فيها شاهد على الخراب، مغيباً بإرادته أو بالإكراه، وأما شهيد الدمار، وتعددت ألوان الشهادة، حيث ترا الأعمار بلا كرامة؛ في زمن إرادة (مبارك) صلداً أملس لا يصلح لإنبات عشب، ولا تثبت عليه قدم، غامت شمس مصر، ولانت عظام جيل كامل أدرك أنه غير مهيأ للإنتفاض، لا نجم في الأفق؛ ولا أمل في حرية؛ إذ وزع (خراج مصر أربعة وعشرين قيراطاً)، أربعة عشر للسلطان؛ وستة للأغنياء؛ وأربعة للجند، وحين سئل عن نصيب المصريين بعد أن وزعت القراريط أجاب: لهم بحمد الله القيراط الخامس والعشرون الذي هو في جنة الخلد!!.

.. وقد ذكرني ما مضى بما قاله الدكتور في مقاله:(العائلية وأيديولوجية مصر الوحيدة) بعد أن إستقر (مبارك) على سريره في المركز الطبي العالمي بعد أن هبت ثورة يناير وأطاحت بكل سواد الليل العاجز الطويل.. وإليكم المقال:

author-img
عزت عبد العزيز حجازي - المُحامي

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent