recent
أخبار ساخنة

ليليان عامود الجرانيت

 



بعد لحظة من القلق الغامض. غفوت مرة أخرى على الجذور الباسقة الناتئة لشجرة "الشوح"، ولكنني سرعان ما سمعت من جديد وقع أقدام وأصوات قريبة، وحفيف عربة خشبية بين الشجيرات، وضجة خافتة على مقربُة، وعرفت صوت قائد المجموعة "عمَّار"، وصوت آخر أعرفه جيداً، ولكنني لم أتمكن من تحديد مكان صاحبه بسبب النعاس.

"لا. لن أذهب. لن أذهب إلى أي مكان".

أجل. إنها "ليليان"، زوجة "مندور"، نائب القائد، والعنصر النسائي الوحيد بيننا، وأستطيع أن أميز صوتها الرنان على بُعد كيلو متر من بين مئات الأصوات النسائية، وأنا الآن أسمعه على بُعد عشرة خطوات.

إنضمت "ليليان" لنا من زمن قريب... هيفاء. طويلة. عامود من العمدان التي ترفع السماء عن الأرض.. سمراء، كأنها قطعة نساها الليل، ومضى هارباً من سطوة النهار الذي جاء قبل أوانه،.. كان فوق سمار "ليليان" ملابس فضفاضة بيضاء، يفوح منها الطيب والمسك، ومن الأعطاف ينتشر بخور يحمل إلى الروح ذكرى مجالس العُشاق.. وعلى شفتيها المكتنزتين ابتسامة قبل النطق بالكلمات، إبتسامة حيية قبل نزول الصمت. (يا لقدرتك يا "ليليان" على الإبتسام وأنت في هذا الموقف العصيب، فيا تُرى ما هو سبب انضمامك لنا رغم كونك أنثى؟).

جسد "ليليان" كأنه كان مشدوداً على قالب من الجمال. عندما جاءت، كل ردودها على كافة الأسئلة كانت بكلمة واحدة "الثأر". لم يسكن التلجلج بين الأحرف، كما يحدث عادة بين بنات الدعة والسكينة. لم تقم بالتجول بين التهويلات حتى يمكنها العثور على أكثرها مناسبة، وأقواها قدرة على استدرار الدموع. ولما انضمت، منحناها حزمة من التدريبات. أتي ذلك في الوقت الذي التهبت فيه المشاعر بينها وبين "مندور".. الأمر الذي أثار كثيراً من اللغط والشكوك تجاه الفتاة في حينها، إنتهى بعد فترة قصيرة بزواجهما. 


من روايتي "صاحب الشقة" من أدب المقاومة الفلسطينية


author-img
عزت عبد العزيز حجازي - المُحامي

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent