recent
أخبار ساخنة

الحدوة

 


الحدوة


هات قرش.

يقذفها في وجهي، ثم يغمرني بوابل من القبلات المتشنجة، كدت في إثرها أن أعدو نحو الزقاق الضيق، لولا وقاري، كأحد أبناء المدينة.

برباطة جأش مفتعلة، أمد يدي إلى جيبي، أنتزع بقايا نقود، على أمل أن يرضى هذا الوغد، قاطع الطريق، ويتركني في حالي.

بعد فاصل ترحيبي قصير، أحكي لمن حولي، عن ما حدث لي، وأنا قادم لزيارتهم المعتادة كل عام، وعلى الفور، تنفجر الأشداق بضحكات، ما تلبث أن تهدأ، ثم تبدأ ابنة العم زينب في سرد سر قاطع الطريق: إنه عطا، ورغم ما يبدو عليه من شر وإلحاح، لكنه طيب وصاحب كرامات، والحمد لله أنك لم تضربه، أو تؤذيه بشئ، وإلااا..

ينتفض الفرقع لوز، الشعنون: وإلا كان زمانا بنوزع قرص العيش على روحك الطاهرة يا ابن العم، وندعو لك بالمغفرة التي ربما لا تحتاج لها، فقد تصبح من شهداء عطا، وتدخل الجنة من أوسع أبوابها.

يقولها، ثم يفر من أمامي، فلا يفلح، يضرب لخمة في ذيل جلبابه الدبلان المخطط بالطول، والمنحول الياقة والأكمام.

تتقدم إبنة لعم بواجب الإعتذار عن أخيها الذي يملك -على ما يبدو- من حكمة الكبار الكثير، ومن جديد: وإلا كان قد حدث لك مكروه يا ابن العم، لا قدر الله، فقد امتنع الناس عن ضرب عطا، بعد ان لاحظ الجميع، أن من كان يقوم بضربه، أوالإمتناع عن الدفع له، لابد أن يحدث له مكروه: موت جاموسة، فقد عجل، حرق زرع، مرض إبن، أي مكروه والسلام، ورغم هذا، لم يكن له مطلب سوى هذا القرش الخرافي، الذي لم يعد له وجود، إلا في خيال التاريخ، وحواديت الأجداد، إلى أن..

أتدخل بشغف طفولي: أكملي؟.

بتؤدة: إلى أن اكتشفنا أن ثمة معادل لهذا القرش: شلن، بريزه، ربع جنيه. بشرط أن يكون غير ورقي، وأن يتم دفعه قبل أن تنهال تلك الكرامات والعطايا على الخدود والأكتاف، كما حدث لك هذا اليوم..

الفرقع لوز، الشعنون، وبخيث: لماذا لم تأت معك المدام هذه المرة؟.

يقولها، ثم يفر هذه المرة، غير مأسوف عليه، ولا أدري لماذا تمنيت أن كان قد حدث هذا، وأتت معي المدام، علَّها كانت تتعظ،، أو أتعظ أنا، لإنهاء حالة الملل والفتور، وإشعال جذوة الحياة بحدث جلل كهذا؟.

أفيق من تهويمتي الخطرة على لمسة يد ابنة العم: نحن هنا، ألا تريد الإستماع إلى باقي الحكاية، علك تقوم بنشرها في الجريدة التي تعمل بها، أو تصنع منها قصة، يمكن أن تفوز بإحدى الجوائز؟.

بلهفة: أكملي يا زينب، فقد اشتقت لسماع الباق من قصتك.

تعتذر زينب مرة أخرى عن أخيها، ثم تواصل وحمرة الخجل تكسو وجنتيها: شعر الناس أن عطا، قد يكون به مَس من الجن، أو شئ لله، فهو يظهر ويختفي، ولا ندري له طعاماً، أو شراباً، ولا ندري له أصلاً من فصل، بل أنهم يزعمون، أنه يشعر بوفاة المتوفي قبلها بأربع وعشرين ساعة على الأقل، وفي ليلة الوفاة، يقوم بكنس وتجهيز التربة، والدوران حول القرية في سبعة أشواط، كما يتناقل الرواة، أنه يقوم بالجلوس بالمسجد حتى ساعات متاخرة من الليل لقراءة القرآن مع الملائكة الكرام، والله أعلم.

ثم بتنهيدة حارة: المهم أن الهدوء قد عَم القرية، حتى خلت الأزقة من أقدام المارة، إلا للضرورة، خصوصاً من جانب الرجال، وأصبح الشغل الشاغل للجميع، هو تدبير الفكة، باعتبارها جواز المرور.

تسري سحابة صمت قصيرة: واستمر الحال على هذا المنوال، حتى أتى لنا شيخ القرية الله يستره برؤيته المنامية، والهاتف الذي هتف به: حين يقول (عطا) هات قرش، يكون الرد عليه بسرعة: يوم الجمعة يا عطا.  فيتركه يمضي لحال سبيله، بدون عطايا، أو كرامات، ويا دار ما دخلك شر.

أوسع من عيني: وماذا بعد يا زينب؟. ماذا بعد؟. أكملي.

بابتسامة حيية، طرية، ندية، مثل كوز لبن في صباح يوم بارد: أبداً، من وقتها -والحمد لله- عادت الحياه إلى أوصال وشرايين قريتنا المنكوبة بــ عطا، وفي صباح كل يوم جمعة، يجلس عطا القرفصاء أمام باب المسجد، منتظرا قدوم القرش المستحيل، بعدما صنعوا في الجدار الخلفي للمسجد فتحة -كحدوة الحصان- ينسل منها المصلين واحد وراء الآخر!!.

author-img
عزت عبد العزيز حجازي

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent