recent
أخبار ساخنة

الزائر الكريم..!

 

الزائر الكريم..!

 

 

(  أَوْلُ مَبَاَدِىِءُ الْعَدْلِ مِنَ الْحَاَكِمِ ، هُوَ أَنَّ النَّاَسَ جَمِيْعَاً ، جَدِيْرُوْنَ بِِرِعَاَيَتِهِ ، وَاهْتِمَاَمِهِ ، وَعَدْلِهِ ! )

 

 

Í     فِىِ الْخَلَاَءِ الْوَاَسِعِ ، وَعَلَىَ بُعْدٍ شَاَسِعٍ ، مِنَ الْمَدِيْنَةِ ، كَاَنَتْ دَاَرُُ صَغِيْرَةُُ ، مُنْفَرِدَةُُُ ، تَسْكُنُهَاَ سَيِّدَةُُ عَجُوْزُُ ، وَأَحْفَاَدُهَاَ الْأَرْبَعَةُ الصِّغَاَرُ ...

     وَلَمْ يَكُنْ لِهَؤُلَاَءِ الْأَحْفَاَدِ الصِّغَاَرِ أُمٍّ ، لَأَنَّ أُمَّهُمْ مَاَتَتْ ، مُنْذُ سِنِيْنٍ ، وَتَرَكَتْهُمْ فِىِ رِعَاَيَةِ جِدَّتِهِمُ الْعَجُوُزُ، أَمَّاَ أَبُوْهُمْ ، فَكَاَنَ جُنْدِيَّاً فِىِ الْجَيْشِ، وَقَدْ سَاَفَرَ مَعَ فِرْقَتِهِ ، مُنْذُ أَشْهُرٍٍ، إِلَىَ مَيْدَاَنِ الْقِتَاَلِ ، فَلَمْ يَرَ أَوْلَاَدَهْ مِنْ يَوْمَئِذٍ، وَلَمْ يَرُوْهُ ، وَلَكِنَّهُ كَاَنَ يُرْسِلُ إِلَىَ الْجَدَّةِ الْعَجُوْزِ ، شَيْئَاً مِنْ مَاَلٍ ، فِىِ كُلِّ شَهْرٍ ، لِتُنْفِقَ مِنْهُ عَلَىَ نَفْسِهَاَ، وَعَلَىَ أَوْلَاَدِهِ الْأَرْبَعَةِ الصِّغَاَرِ ... !

     وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الْمَاَلُ الْقَلِيْلُ ، يَكْفِىِ حَاَجَاَتِ الْخَمْسَةِ ، وَلَكِنَّ الْأَبَ ، لَمْ يَكُنْ يَسْتَطِيْعُ أَنْ يُرْسِلَ إِلَيْهِمْ أَكْثَرَ مِنْهُ، فَكَاَنَتِ الْجَدَّةُ الْعَجُوْزُ تَقْتَصِدُ ، وَتُدَبِّرُ ، وَتَحْتَاَلُ ، لَكَىْ يَكْفِىِ ذَلِكَ الْمَاَلُ حَاَجَتِهَاَ ، وَحَاَجَاَتِ الْأَوْلَاَدْ ...

     وَكَاَنَ بَعْضُ الْمُسَاَفِرِيْنَ ، مِنْ أَهْلِ الْمَدِيْنَةِ ، يَمُرُّوْنَ فِىِ طَرِيْقِهِمْ ، بِهَذِهِ الْأُسْرَةِ الْفَقِيْرَةِ ، فِىِ تِلْكَ الدَّاَرِ الصَّغِيْرَةِ ، فَيَجُوْدُوْنَ عَلَيْهَاَ بِبَعْضِ مَاَ يَمْلِكُوْنَ ، مِنَ الطَّعَاَمِ ، وَمِنْ الشَّرَاَبِ ، وَمِنَ الْمَاَلِ، فَتَسْتَعِيْنُ بِذَلِكَ عَلَىَ حَاَجَاَتِ الْحَيَاَةِ .

     ثُمَّ جَاَءَ الشِّتَاَءُ ، فَعَصَفَتْ الرِّيْحُ ، وَهَطَلَ الْمَطَرُ ، وَاشْتَدَّ الْبَرْدُ ، وَسَاَلَ الْمَاَءُ فِىِ الْأَوْدِيَةِ ، فَاَنْقَطَعَ طَرِيْقُ الْغَاَدِىِ وَالرَّاَئِحُ ، وَاَنْفَرَدَتْ هَذِهِ الْأُسْرَةُ ، الْبَاَئِسَةُ فِىِ دَاَرِهَاَ ، لَاَ يَمُرُّ بِهَاَ ماَرٍّ ، وَلَاَ يَسْأَلُ عَنْهَاَ سَاَئِلُُ ...

     وَكَاَنَتْ ثِيَاَبُ الْأَطْفَاَلِ قَصِيْرَةٍ ، رَقِيْقَةٍ ، فَشَعَرُوُا بَالْبَرْدِ ، يَلْسَعُ عِظَاَمَهُمْ ، وَلَكِنَّ الْجِدَّةَ ، كَاَنَتْ مُسْتَعِدَّةً لِمِثْلِ هَذَاَ الْيَوْمِ ، بِكَثِيْرٍ مِنْ حَطَبِ الْوَقُوْدِ ، فَلَمَّاَ رَأَتْ الْأَطْفَاَلَ يَرْتَعِدُوْنَ مِنْ شِدَّةِ الْبَرْدِ ، أَشْعَلَتْ الْنَاَرَ فِىِ حُزْمَةٍ مِنْ ذَلِكَ الْحَطَبِ ، فَتَحَلَّقَ الْأَطْفَاَلُ حَوْلَهَاَ يَسْتَدْفِئُوْنَ ، حَتَّىَ غَلَبَهُمُ النَّوْمُ ، فَأَرْقَدَتْهُمْ الْجَدَّةُ فِىِ أَمَاَكِنَهُمْ ، ثُمَّ أَطْفَأَتِ النَّاَرَ ، وَنَاَمَتْ إِلَىَ جَاَنِبَهِمْ  ...

     وَلَمْ تَكُنْ الْجِدَّةُ، تَظُنُّ أَنَّ أَيَّاَمَ الْبَرْدِ سَتَطُوْلُ ، وَلَكِنَّهَاَ طَاَلَتْ فِىِ ذَلِكَ الْمُوْسِمِ ، وَتَعَاَقَبَتْ ، وَطَاَلَ إِنْقِطَاَعُ الْأُسْرَةِ الْبَاَئِسَةِ عَنِ النَّاَسِ ، وَعَنِ الْعُمْرَاَنِ ، وَهِىَ تَأْكُلُ ، مِمَّاَ تَدَّخِرُ مِنْ طَعَاَمٍ ، وَتَسْتَفِىءُ بِمَاَ تَدَّخِرُ مِنْ وَقُوْدٍ ، وَتَحْمَدُ اللهْ ، عَلَىَ نِعْمَتِهِ وَفَضْلِهِ ...

     وَذَاَتَ يَوْمٍ ، إِسْتَيْقَظَتِ السَّيِّدَةُ مُبَكِّرَةُُُ ، وَنَهَضَتْ ! ، وَفَتَحَتْ كِيْسِ الدَّقِيْقِ لِتُعِدَّ لِأَحْفَاَدِهَاَ خُبزَ الْفُطُوْرْ ، فَلَمْ تَجِدَ فِىِ الْكِيْسِ إِلاَّ حِفْنَةً صَغِيْرَةً مِنَ الدَّقِيْقِ ، لَاَ تَسِدَّ جُوْعَ الْأَطْفَاَلِ الْأَرْبَعَةِ ، لَقَدِ إِسْتَنْفَدَتْ تِلْكَ الْأَيَّاَمُ الطَّوِيْلَةُ ، الْبَاَرِدَةُ ، كُلَّ مَاَ كَاَنَتْ تَدَّخِرُهُ الْجَدَّةُ الْعَجُوْزُ مِنْ دَقِيْقٍ ، وَمِنْ إِدَاَمٍ ، وَلَكِنَّهَاَ ، لَمْ تَيْأَسُ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ، وَصَنَعَتْ مِنْ تِلْكَ الْحِفْنَةِ رَغِيْفَاً ، ثُمَّ قَسَّمَتْهُ عَلَىَ الْأَطْفَاَلِ الْأَرْبَعَةِ بِالْتَسَاَوِىْ ، وَجَلَسَتْ تَنْظُرُ إِلَيْهِمُ صَاَمِتَةً ، وَهُمْ يَأْكُلُوْنَ ، وَتَدْعُوْ اللهْ ، أَنْ يُدْرِكَهُمْ بِرَحْمَتِهِ... !

     وَانْقَضَىَ ذَلِكَ النَّهَاَرُ ، وَأَقْبَلَ اللَّيْلُ بِظَلَاَمِهِ ، وَبَرْدِهِ ، وَرِيَاَحِهِ الْعَاَصِفَةِ ، وَلَيْسَ فِىِ تِلْكَ الدَّاَرِ الصَّغِيْرَةِ ، لُقْمَةُُ مِنْ خُبْزٍ ، وَلَاَ قَلِيْلُُ مِنْ إِدَاَمٍ ، وَصَاَحَ الْأَطْفَاَلَ بِجِدَّتِهِمْ :

×- نُرِيْدُ أَنْ نَأْكُلَ يَاَ أُمَّاَهُ  !

      فَتَرَقْرَقَتْ دَمْعَتَاَنِ فِىِ عَيْنِىِ الْعَجُوْزِ ، وَلَكِنَّهَاَ أَخْفَتْهُمَاَ عَنْ أَحْفَاَدِهَاَ ، وَنَهَضَتْ ، وَهِىَ تَقُوْلُ لَهُمْ:

- صَبْرَاً يَاَ بَنِىَّ ، حَتَّىَ أَصْنَعَ لَكُمْ طَعَاَمَاً !

     ثُمَّ أَشْعَلَتْ فِىِ ( الْكَاَنُوْنِ )* نَاَرَاً ، وَوَضَعَتْ عَلَيْهِ قِدْرَاً ، وَمَلَأَتْ الْقِدْرَ مَاَءً ، وَأَخَذَتْ تُقَلِّبَهُ عَلَىَ النَّاَرِ بِالْمَغْرَفَةِ، كَأَنَّهَاَ تَطْبِخُ لَهُمْ طَعَاَمَاً يَأْكُلُوْنَهُ ...

      وَجَلَسَ الْأَطْفَاَلُ حَوْلَ النَّاَرِ ، وَأَعْيُنَهُمْ مُعَلَّقَةُُ بِالْقِدْرِ ، يَنْتَظِرُوْنَ أَنْ يَنْضُجَ الطَّعَاَمُ ، فَيَأْكُلُوُا ، وَالسَّيِّدَةُ لَمْ تَزَلْ تَدُوْرُ بِالْمَغْرَفَةِ ، فِىِ قَعْرِ الْقِدْرِ ، وَقَلْبُهَاَ يَكَاَدُ يَتَمَزَّقُ ، مِنْ شِدَّةِ الْأَلَمِ ، لِأَحْفَاَدِهَاَ الصِّغَاَرِ ، الْجِيَاَعِ ...

 وَأَدْفَأَتْ النَّاَرُ الْأَطْفَاَلُ ، فَثَقُلَتْ جُفُوْنَهُمْ ، ثُمَّ غَلَبَهُمُ النَّوْمُ ، فَحَمَلَتْهُمْ إِلَىَ فِرَاَشِهِمْ ، وَغَطَّتْهُمْ بِأَغْطِيَتِهِمْ ،

وَلَكِنَّ كَبِيْرَهُمْ " عُثْمَاَنُ "، لَمْ تَثْقُلْ أَجْفَاَنِهْ ، وَلَمْ يَغْلِبُهْ النَّوْمُ، فَظَلَ يَقِظَاً ، يَتَطَلَّعُ إِلَىَ النَّاَرِ الْمُشْتَعِلَةِ ، وَإِلَىَ الْقِدْرِ ×الْفَاَرِغَةِ ، فَأَشْفَقَتْ عَلَيْهِ جَدَّتُهُ ، وَقَاَلَتْ لَهُ :

- قُمْ ، فَنَاَمْ يَاَ عُثْمَاَنُ ، وَسَأُوْقِظُكَ ، حِيْنَ يَنْضَجُ الطَّعَاَمْ !

     فَاَبْتَسَمَ عُثْمَاَنُ ، وَقَاَلَ لَهَاَ :

- أَيْنَ الطَّعَاَمُ الَّتِىِ تِنْتَظِرِيْنَ ، أَنْ يَنْضَجَ يَاَ جَدَّتِىِ ، وَلَيْسَ فِىِ الْقِدْرِ ، إِلَّا الْمَاَءُ ؟!

     وَلَمْ تَكْنْ السَّيِّدّةُ تَظُنُ ، أَنَ عُثْمَاَنُ يَعْرِفُ ذَلِكَ السِّرِ ، فَسَكَتَتْ لَحْظَةً، مُتَحَيِّرَةً ، ثُمَّ قَاَلَتْ لَهُ:

- وَمَاَ إِنْتِظَاَرُكَ يَاَ بُنَىَّ، مَاَدُمْتَ تَعْرِفُ ، أًنَّ الْقِدْرَ لَيْسَ فِيْهَاَ طَعَاَمً؟

قَاَلَ عُثْمَاَنُ ، وَفِىِ عَيْنَيْهِ بَرِيْقُ الْإٍيْمَاَنِ بِاللهِ :

- لَسْتُ فِىِ إِنْتِظَاَرِ هَذَاَ الطَّعَاَمِ يَاَ أُمْاَهُ ، وَلَكِنِّىِ فِىِ إِنْتِظَاَرِ رَسُوْلٍ ، يُرْسِلُهُ اللهُ إِلَيْنَاَ بِرَحْمَتِهِ ، فَلَيْسَ مِنَ الْمُمْكِنِ ، أَنْ يَخْلِقَ الْخَلْقَ ، وَيُهْمِلَهُمْ !

  وَقَبْلَ أَنْ يَنْتَهِىِ عُثْمَاَنُ ، سَمِعَتْ الْعَجُوْزُ ، طَرْقَاً عَلَىَ الْبَاَبِ ، فَقَاَمَتْ لِتَرَىَ مَنِ الطَّاَرِقِ ، فَإِذَاَ زَاَئِرُُ غَرِيْبُُ ، لَمْ تَرَ لَهُ مِنْ قَبْلٍ وَجْهَاً ، وَلَمْ تَعْرِفُ لَهُ صِفَةً ، فَتَرَاَجَعَتِ السَّيِّدَةُ (مُسْتَحِيَّةِ )*  ، ثُمَّ عَاَدَتْ إِلَىَ حَفِيْدِهَاَ ، لِتَقُوْلَ لَهُ :

- وَيْلِىِ يَاَ عُثْمَاَنُ ، إِنَّهُ ضَيْفُُ غَرِيْبُُ ، وَلَاَ زَاَدَ عِنْدَنَاَ !

  فَقَاَمَ عُثْمَاَنُ ، لِيَسْتَقْبِلَ الضَّيْفُ ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَجِدْ ضَيْفَاً جَاَئِعَاً ، يَطْلُبُ زَاَدَاً وَمَأْوَىَ ، كَمَاَ زَعَمَتْ جَدَّتُهُ ، بَلْ ضَيْفَاً كَرِيْمَاً ، يَحْمِلُ عَلَىَ كَتِفَيْهِ ، زَاَدَاً لِلْأُسْرَةِ الْجَاَئِعَةِ ، فَلَمْ يَكََدْ يَدْخُلُ الدَّاَرَ ، حَتَّىَ وَضَعَ عَنْ إِحْدَىَ كَتِفَيْهِ ، كِيْسَ دَقِيْقٍ ، وَعَنِ الْأُخْرَىَ جَرَّةَ سَمْنٍ !

  قَاَلَ عُثْمَاَنُ الصَّغِيْرُ، وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ ، مُبْتَسِمَاً :

- لَقَدْ كُنْتُ عَلَىَ يَقِيْنٍ ، بَأَنَّ شَيْئَاً مِثْلَ هَذَاَ ، لَاَبُدَّ أَنْ يَحْدُثَ، وَلَكِنْ ، مَنْ أَنْتّْ ؟ وَمَنْ أَرْسَلَكَ ؟

  قَاَلَ الزَّاَئِرُ :

-   أَنَاَ عُمَرُ بْن الْخَطَاَبْ ، أَمِيْرُ الْمُؤْمِنِيْنْ ، شَعُرْتُ بِحَاَلِكُمْ ، وَمَاَ أَصَاَبَكُمْ ، وَاسْتَشْعَرْتُ النَّدَمَ عَلَىَ تَقصِيْرِىِ فِىِ حَقِّكُمْ ، فَلَمْ أَجِدْ كَفَاَرَةً لِذَنْبِىِ ، إِلاَّ أَنْ أَحْمِلَ لَكُمْ الطَّعَاَمَ عَلَىَ كَتِفِىِ ، فِىِ ظَلَاَمِ اللَّيْلِ ، لِتَأْكًلُوُا قَبْلَ أَنْ تَنَاَمُوُا ، وَتَسْتَغْفِرُوُا اللهَ ، لِىِ وَلَكُمْ !

       رَحِمَ اللهُ عُمَرْ  !

 

إِنْتَهِتْ



× × * كَاَنُوُنْ : فُرْنْ قَرَوِىْ صَغِيْرْ ، مَبْنِىِ مِنَ الطُّوْبِ اللَّبِنِ .

author-img
عزت عبد العزيز حجازي

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent