recent
أخبار ساخنة

هذيان امرأة

أنا وأمي


 أمي وأنا والمبخره


حملت أمي المبخرة، لتدور بها حول رأسي، وتدعو لي بالعمر المديد، والمستقبل السعيد، وأن يبعد عني المولى شياطين الجن والإنس، عيون نساء المدينة والقرية، فأضحك من أمي وأقبل يدها، جبينها، تواصل التمتمة، بالإبرة تفقع عيون العروس الورق، أخر كلماتها بالستر، وأن أنجب عشرة أولاد، كلهم ذكور، لآن الأم كما الجدات يكرهن ولادة البنات، حتى ليصبحن معيرة العائلات، بأن إنجابهن بنات. كما ظل الصياح الباكي لأمي: ها تعنسي يا بنتي، وها يفوتك القطر. لم أكن أهتم، وفي كل مرة، كنت أمازحها عن هذا القطار الذي يقتحم حظ البنات، يدوس مستقبلهن: إكسبريس يا أمي هذا القطار، أم قشاش، يسير بالكهرباء، أم بالكاز، سيصل إلى محطتي، أم كالعادة سيحترق بما فيه؟. وفي كل الاحوال، لم تكن ردود أمي أكثر من نظرة تائهة، إبتسامة جريحة في إحساسها المقلي بالقنوط، بالدمع، بالشفقة، وأنا أطبع قبلة حانية على خدها الصافي، أسترق السمع لدقات قلبها الواهن، اللاهج بالدعاء، أن يهديني الله من جنوني، وولعي بفنون التصوير الضوئي، وزهوي بكل صورة ألتقطها من صخب حفلات الزفاف العديدة، وأعياد الميلاد، دون أن أعلم أن دموعها حين تزرفها عند كل زغاريد قران، أو حفل زفاف، لم تكن دموع فرح، بل كانت دموع رثاء، آلام حزن، بسبب رفضي لكل عريس يتقدم لي، ودهشتي من بكائها، ولهفتها على مصير ثمره، بينما أشجار الغابة ومحاصيل الحقول، كثيفة، مزدحمة، مفعمة عن أخرها بالثمار.

يختلط الغضب بالخوف في صدر أمي، بينما روحها تتلوى آلماً، تتمزع يأساً، تتساءل عن العِلة التي ألمت بي، وأسباب ردي الأعرج، صدي الأبله، لا مبالاتي من سكين الأيام، وهى تسرقني بعيداً عن حضن أحلامي الشابة، الفتية، بريق كوشة العرس الوردي، وهى تتألق بثوب زفافي الأبيض، متأبطة ذراع عريسي إلى بيت العدَل، وليلة الدخلة حلم كل الصبايا.

ثم فجأة ترحل أمي، فأبقى وحدي، مثل عروس الغابة التي لمستها عصاة ساحرة خبيثة، فنامت، تحلم والشمس طالعة، وتبقى الكاميرا بيدي، أصوبها للكل، هروباً من الجميع. ومع الزمن لم تعد تجدي، لا قناعاتي القديمة، ولا أحلامي البعيدة لألحق بركب قطر الندى، تغمرني الزغاريد، بين الزوايا، الجدران، الأسماء، الوجوه. باحثة دون جدوي عن رصيف محطة، زئير قطار، فلا أجدهما، ساكبة أحلامي الدميمة، وأحزاني البليدة على كل وجه مخدوش مثلي بالقنوط، باللهفة الجريحة، مصوبة العدسة كمدفع نحو ملاذي، مكمني الحائر، أنوثتي الظامئة، الذابلة، يلسعني صخب الصور المشوشة، جدران الغرفة الباردة، العمق القاتل في ذاكرتي ووجداني، ذكرى الأحبة وروائح الأمكنة، صوت الأحداث الجميلة والفاجعة، ضمة شوق، أو فراق باك، صوت أمي وهى تضحك، ثم تبتعد ضحكاتها بطيئة، ثم تنكسر، ثم تئن، وصفير ابن الجيران إلى البنت المطلة دائماً من الشرفة يخفت في داخلي، تبهت صورته، وكأن ريحاً ضعيفة من تراب ودخان تسحبانه إلى وراء، بعد أن تملأ عيناه وفمه، ما أفظع وجهه وهو يعتم بداخل ذاكرتي، لما كان يعتز بي، يعطرني بعناية عاشق صغير، والآن، ما أتعسني، وكل شئ يسعى إلى ركون القاع، وكل صوت ينفلت، وكل وجد يذبل، ما أتعسني، وكل شئ من حولي يلفه الصمت والخواء، لا هما الموت، ولا هما الحياة، لا هما الكراهية، ولا هما الحب، لا هما الحقد، ولا هما التسامح، فلا أبالي باجترار ما تبقي من ذاكرة، والأيام تمُر كئية، رتيبة، باردة، والساعة تدق على الجدار، تنهش دقاتها البطيئة ما بقى في قلبي من حزن، وفرح، ولا مبالاة، واكتراث، والمرأة العجوز تحدث نفسها دائماً بصوت مسموع من وراء الشرفة، كنت وأنا طفلة أدق لها فوق الحائط قبل أن أنام، فترد دقاتي، وهى تدمدم بإسم رجلها، الذي هانت عنده وتركها لآنها عاقر، لا تنجب، وكلما هدأ صوتها وتلاشى، أمد رجلي، وأترك فراشي البارد، وأعود إلى الشرفة لأراها مرة أخرى، ولكن بدون هلوسة هذه المرة، وهى تمد لي يد مرتعشة، مطبقة بضعف على كوب الحليب، وأمد جسدي الثقيل من فوق حبال الغسيل والمشابك الخشبية، لأبحث بداخل الغرفة المهملة عن أشياء، أو حاجيات حيَّة، لكني لا أرى غير فوضى وعبث وروائح غريبة ومبولة. تفزعني تلك الأشياء، وأحس برعب ورغبة في القئ، ويرق قلبي، ويملؤه: لماذا جحظت عينا المرأة، وانتفخ وجهها، وتشعث شعرها كغريق؟.

في الماضي القريب، كنا نتحدث سوياً، أنا وهي، في كل شئ، وكانت تدهشني ثقافة واسعة، ولغات متعددة، كل ذلك، رغم فقرها المعدم في الليل، وهذيانها الدائم الذي كان يملؤني رعباً، وكأنه معي في الغرفة، وكل شئ تغمره ملامح قديمة، وروائح يوريا، وعندما قمت بزيارة أمي في لحظاتها الأخيرة، كانت تجلس على مقعد معدني بوسط غرفة بيضاء، وبين يديها صورة أبي الراحل إلى ملكوت الرب، في إطار خشبي منمق، ذهبي. كانت تجلس في هدوء من يبحثون عن إجابة لسؤال عمر، ووجدوه عبر ذاكرة قديمة، متوارثة، في تسلسل، لحظتها شممت روائح غريبة، مع أن غرفتها نظيفة بفعل إكرامية دائمة لعاملة العنبر، روائح تشبه الديتول، أو مادة حفظ جثث الموتي، تلك الرائحة التي نشعر بها بعد موت عزيز لدينا، ورؤية أشيائه القديمة بعد سنين وسنين، تلك الرائحة التي تتسلل بطيئاً إلى أنوفنا، ثم تختفي وتتركنا في صمت وذهول بليدين، بعد أن تأخذ معها روائح حقيقية لأشخاص حقيقيين، مخلفة وراءها بهوتاً وسكون، فلا نهلوس، ولا نموت، ولا نحيا، ولكني عندما أتذكر وجه أمي الذابل، وإرهاقها، وهى تحاول أن تمسك ببعض وجد، وهى تقبلني، تستحثني على القبول بأي عريس والسلام، ولكني أتراخي في لا مبالاة، وأجلس أمامها دون اكتراث، ودون وجد، وتجئ كالعادة صورة ابن الجيران, دائماً تجئ، وتغزو وحدتي، وهو يهذي معي، ولكن في صمت، وقد حجبتني عنه غمامة من بُعد وفراق، غمامة ترابية يختفي وراءها، وكأنه دمية من ورق، وتجئ ملازمة أيضاً صورة أمي، كهيكل متآكل في صندوق زجاجي مترب، وهى تمد لي يدها بكوب الحليب المخلوط بالقرفة والجنزبيل، ثم تهذي، ولكني أقول: إن الهذيان يا أمي لا يأت سوى في الليل، وليس النهار، عندما تبدأ مخاوفي. عندما أحملق في الجدار الأصفر للدولاب، وهذا الشئ الأسود فوق اللون الأصفر، شئ على شكل مربع، على شكل إطار صورة، الصوره لفتاه بملابس العرس الطويله البيضاء، تمسك بأصابعها الملفوفه كأصابع الموز باقة ورد، وإلى جوارها شاب طويل الوجه، له شارب أسود، منمق. عندما أتذكر، فتفر الذاكرة من هذياني، وتتسلل رائحة إلى أنفي، وتملؤني رغبة في الصمت. عندما ألوذ بأضواء أحلام لم تعُد ترسم البسمات والقبلات والأحضان الدافئة. عندما أقفز كقطة برية لاهثة، أبحث عن صورة الحلم البعيد، المجهول، من بين عشرات الصور المبعثرة كل ليلة في الخيال والقلب والعقل والناس، أنقب عن صورة الفارس المحب، والحصان الجامح، فلا أجدها، لا أراها، وحين أدقق، أتأمل، أتمعن، أعثر، وفي لحظة خاطفة، على صورة وحيدة باكية في المرآة، صورة ذابلة، جامدة، تنظر نحوي دون أدنى اكتراث.

author-img
عزت عبد العزيز حجازي - المُحامي

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent