recent
أخبار ساخنة

البقرة المقدسة..! (9)

 

البقرة المقدسة..!.

البقرة المقدسة..!.

 

   
      فرح "كريم" واطمأن، حين عرف أنه ابتعد عن التبت، وعن المدينة المقدسة، وعن سلطة الكاهن الأعظم، وأن "مسعود" وصل به إلى مدينة كلكتا في الهند، فقال لـ"مسعود" : إنني لم أكن خائفا من أولئك القوم!. فابتسم "مسعود" وقال: إذا كان الأمر كذلك يا "كريم"، فسنخرج غداً من الفندق لنتجول جولة في مدينة "كلكتا"، ثم نستأنف رحلتنا بعد غد.

      قال "كريم": أتريد أن أقضي اليوم كله في الفراش؟. إنني بخير، ولا بأس عليّ، فلنخرج منذ الآن لنجول جولتنا في هذه المدينة الهندية الكبيرة!.

      قبما رأى "مسعود" رغبة "كريم" في الخروج، إرتدى ثيابه على عجل، ثم قال له: هيا نخرج إلى المدينة يا "كريم".

      أخذ "كريم" ينظر إلى ما حوله في شوارع المدينة، وهو مدهوش، فالشوارع منتظمة، منسقة، وقد لاحظ أن أهل "كلكتا" يلبسون قميصاً أبيض طويلاً إلى القدمين، وسترة بيضاء طويلة إلى قريب من الركبة، وعمامة ملونة، وبعضهم ينتطق فوق هذه الثياب بحزام في وسطه.

وبينما كان "مسعود" و"كريم" يمشيان في بعض شوارع المدينة، أبصر "كريم" طائفة من البقر تمشي في الشارع متتابعة، كأنها في موكب عُرس، وكان نوعها غريباً، لم ير مثله بين أنواع البقر، إذ كان في رقبة كل بقرة كيساً كبيراً من الشحم، يكاد يعوقها عن السير بثقله، ولم يُعجَب "كريم" بهذا البقر، وهو يتبختر في شارع من أعظم شوارع المدينة، وبدا له أن يركل إحداها بقدمه، ولكن "مسعود" أسرع إليه صائحاً به: إياك أن تفعل مثل هذا يا "كريم"، وإلا فقدنا حياتنا، ولم نستطع فراراً، فإن البقر هنا معبود، مقدس، فلو رفست بقرة منه لقامت علينا قيامة الطائفة الهندوسية التي تقدس البقر، فلم نسلم من أيديها، وقد ضاعت أرواح مئات من الأجانب في الهند بسبب مثل هذه الغلطة!.

      عندئذ تراجع "كريم" مبتعداً عن ذلك الحيوان المقدس، وهو يقول: يا للعجب!.

      ولم يزد حرفاً واحداً على هذه الكلمة.

      واستمر "مسعود" يقول: وقع هنا حادث مروع، إذ كان جماعة من الهنود الهندوس الذين يقدسون البقر مجندين في الجيش البريطاني الذي كان يحكم هذه البلاد، وذات يوم انطلقت قذيفة من بندقية بريطاني، فأصابت بقرة من البقر، فذعر القطيع، وهاج وماج بعضه في بعض، فغضب المجندون الهنود لهذه الإهانة التي أصابت البقر المقدس، وثاروا ثورة حاطمة، وآزرهم الأهالي في ثورتهم، فقتلوا ضابط الفرقة الإنجليزي، وخربوا بيوت الأوروبيين، واستمرت الثورة مشتعلة وقتاً طويلاً، ولم تستطع السلطة العسكرية البريطانية أن تطفئها، وكاد الزمام يُفلت من أيديها، فلولا النجدات العسكرية التي تلاحقت من كل مكان لتتعاون على اطفاء الثورة، لكانت العواقب وخيمة!.

      قال "كريم": منذ الآن سوف أرفع يدي إلى رأسي بالتحية كلما رأيت بقرة من هذا البقر المقدس، لئلا تشتعل بسببي ثورة أخرى لا يُستطاع إطفاؤها..!.

author-img
عزت عبد العزيز حجازي - المُحامي

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent