recent
أخبار ساخنة

مُناظرة بين تلميذين أحدهما نال كتاباً ثمينا والآخر راسمه ( آلة تصوير )

مُناظرة بين تلميذين أحدهما نال كتاباً ثمينا والآخر راسمه ( آلة تصوير )
  

مُناظرة بين تلميذين
أحدهما نال كتاباً ثمينا والآخر راسمه ( آلة تصوير )


     نجيب : - أرأيت يا جميل ذلك الكتاب الثمي
ن، الذى أجازتنى به المدرسة ؟ ما أمتن غلافه، وألطف حجمه، وأجود خطه، وأحلى عنوانه !. وقد تصفحته فراقتنى موضوعاته الطريفة، ومعانيه السامية، ومغازيه الشريفة، وأسلوبه الشائق الممتع، وإنى به لفرح فخور.

     جميل : - وهل شاهدت جائزتى السنية يا نجيب ؟ إنها راسمة جيدة النوع، خفيفة الحِمل، بديعة الشكل، سهلة الإستعمال، تلتقط الأشياء على حقيقتها، وقد وقَعت منى بموقع، وحازت القبول والإستحسان.

     نجيب : - ولكن ألا تعتقد أن الكتاب خير من الراسمة، وأعَمْ فائدة، وأجذل نفعاً. وهو أليق بالتلميذ، لأنه حلية الناشئين، وشعار المتعلمين. والراسمة أداة لعب ولهو، وأخشى أن تشغفك  حُبا، فتركن إليها، وتنصرف عن دروسك، وتنفق وقتك فيما لا طائل تحته، ولا فائدة منه، لذلك كنت أوَد ألا تكون الراسمة من نصيبك، وما كان أكثر سرورى لو ظفرت بمثل كتابى هذا، لأننا أخَوان متآلفان، ولا يكمُل للمرء الإيمان حتى يحب لأخيه ما يحبه لنفسه.

     جميل : -× أشكر لك يا أخى عاطفتك الشريفة نحو إخوانك، وأستميحك  العُذر إذا لم أشاطرك اعتقادك فى الراسمة، فليس الكتاب بأفضل منها ولا أنفع كما تظن، وإذا كنت أستطيع أن أستغنى عن الكتاب، بما أتلقاه من أساتذتى، والعلم ما وعاه الصدر، وبما أنقله من السبورة، أو تهدينى إليه الفطرة والتنقيب. والحقيقة بنت البحث. فليس فى إستطاعتك أن تستغنى عن الراسمة، وهى شارة التمدين وآية الرقى. وإذا صح أنها أداة لعب ولهو، فهو اللهو البرىء واللعب المفيد، الذى يلجأ إليه التلميذ بعد العناء العقلى، والتعب الفكرى، فتتجدد قواه، ويعود نشاطه إليه، وينشرح صدره، ويصح جسمه – والعقل السليم فى الجسم السليم.

     ولو أن المدرسة وهى المشرفة على على أخلاقنا، والقائمة بتربيتنا، رأت فى الراسمة ضرراً، ما كافأت بها المجدين، وأثابت النابغين.

     نجيب : - لك رأيك يا أخى، ولكن كيف ذهب عنك أن الكتاب صديق صادق، وخل وامق ، يسرنى فى خلوتى، ويؤنسنى فى وحشتى، ويقفنى على ما أجهل من نفائس العلِم، ومُلًح الأدب، وطرائف الحكمة، وشهى القصص، وعيون الأخيار، فيحصف  عقلى، ويثقف  فكرى، وتصلح أخلاقى، وتستقيم أمورى، وأغدو رجلا مهذباً، وإنساناً كاملا. إننى لو سردت لك ما قيل فى الكتاب، لَكَلَّ لسانى وعَىَّ بيانى، ولكن حسبك قول المتنبى : -

نعم المحدَّث والجليس كتاب        تلهو به إن ملَّك الأصحاب

     ما للتلميذ ولهذا العبث الذى لم يخلق له، تراه كل يوم حاملاً راسمته، فى الوقت الذى يعكف فيه إخوانه على دروسهم يستظهرونها، ويلمون بدقائقها : يصور ما يعن له من مناظر تجمع بين القبيح والمليح، ويضيع الوقت والصحة والمال، فيما يستتبع ذلك من ( تحميض ) وتكبير، حتى إذا أظله الإمتحان ألقى نفسه خالى الوِفاض إلا من صور شتى، لا تسمن ولا تُغنى من جوع، فيندم ولات ساعة مندم. إن لنا يا عزيزى فى حوانيت ×

المصورين التى لا يحصيها العدّ، ما يغنينا عن حمل تلك الآلة السوداء – والوقت من ذهب، والفرصة تمَرُ مَر

×السحاب – فلا يسوغ لنا نحن الناشئين عُدة الوطن ورجَال المستقبل، أن نتلهىَ عما أخذنا به أنفسنا، من التبحُّر فى العلوم والصناعات، التى بها تسعد الأمم، وترقىَ الشعوب. فقبل أن نكون مصورين، يجب أن نكون رجَال عمَل نافعين، هناك يحلو لنا أن نصور ما نقوم به من منشئات عمرانية، أساسها الفن الدقيق والصنع الأنيق.

     جميل : - يا صديقى إننى لم أجحد فضل الكتاب، ولم أغمطه حقه، ولكنى لا أستطيع أن أجاريك فى أن الراسمة عديمة الجدوى. ولعل كتابك أخذ بمجامع قلبك،، فجعلك تزدرى ما سواه – وحبك الشىء يعمى ويصم – إن راسمتى عدتى فى حَلَّى  وترحالى، ألتقط بها المناظر البديعة، والمشاهد الجميلة، التى لا يسمح بها الدهر فى كل حين، وأصور بها أفراد أسرتى، وأهلى وأصدقائى، فى أطوار عدة من شباب وهِرَم، وصحة وسقم. فإذا ضرب الدهر بيننا، بضرباته، رجعت إلى ذلك السجل، فشفيت بالنظر إليه غلة الشوق والهيام، وإن كان الكتاب يحوى مسائل نظرية، وأفكارا خيالية، فالراسمة كتاب الحقيقة الناصعة، ترى فى صفحاته الطبيعة بما حوت من أرض وسماء، والصناعة وما أخرجت من روائع وبدائع، - وخير المعلومات ما بنى على المشاهدات – أجل : إن المصورين عدد الرمل والحصى كما تقول، ولكن الذهاب إليهم يحملنى نفقة جمة، ويضيع وقتى الثمين، ولا يتسنى لى أن أصور ما أبغى تصويره، فى أثناء نزهتى واستراضتى. ومالى لا أكون مصورا، إذا كان ذلك ميسورا لى، أليس التصوير فناً جميلا، تشادله المدارس العالية، والمعاهد الكبيرة، وتُعْنَى به الأمم المتحضرة، عنايتها بما يرفع درجتها، ويعلى كلمتها، أليس هو يصقل الشعور، ويغرس الذوق السليم، ويربى ملكة النقد والحكم. فلا منافاة بين أن يكون الإنسان عالماكبيرا وصانعا ماهرا، ومصورا حاذقا. فالفضل بيد الله يؤتيه من يشاء : -

وليس على الله بمُسْتنكَر       أن يجمع العالم فى واحد

     إن وقتا يحذق فيه أفراد الأمة فن التصوير، لهو الوقت الذى تبلغ فيه الغاية من الرقى الحِسى والمعنوى. فدعنى وراسمتى يا عزيزى، فإنى بها قرير العين، جذل الفؤاد، - ولكلِّ وجهة هو موليها –

     نجيب : - أشكر لك يا صديقى حوارك البديع، ومنطقك السديد، ومجادلتك بالتى هى أحسن، ولقد كشفت لى عن كثير من مزايا الراسمة، وإن كنت لا أزال على رأيى. كل حزب بما لديهم فرحون. فليدم لنا جِدِّنا واجتهادنا، حتى نحرز أمثال هذه الجوائز الثمينة، أياً كان نوعها " ولكل مجتهد نصيب  ".

author-img
عزت عبد العزيز حجازي

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent