recent
أخبار ساخنة

هدية العيد..!

 


هدية العيد..!

 


     كَاَنَ " فَالِحُُ " شَاَبَاً مُهَذَّباً ، أُشْتُهِرَ فِىِ الْمَدِيْنَةِ ، بِالْأَدَبِ وَحُسْنِ السِّيرَةِ ، وَكَاَنَتْ زَوْجَتُهُ " فَاَطِمَةُ " ، شَاَبَةً مُهَذَّبَةً مِثْلَهْ ، أُشتُهِرَتْ بَيْنَ رَفِيْقَاَتِهَاَ ، بِالْأَدَبِ وَحُسْنِ التَّدْبِيْرِ …

     وَكَاَنَ فَاَلْحُُ عَاَمِلَاًً أَجِيْرَاً ، فِىِ إِحْدَىََ الشَّرِكَاَتِ ، بِرَاَتِبٍ شَهْرِىٍّ ، قَلِيْلٍ ، وَلَكِنَّهُ كَاَنَ سَعِيْدَاً بِهِ ، قَاَنِعَاً كُلِّ الْقَنَاَعَةِ ، لِتَدْبِيْرِ زَوْجَتِهِ ، وِحُسْنِ تَصَرُّفِهَاَ …

     وَذَاَتَ يَوْمٍ ، وَقَعَتْ الشَّرِكَةُ ، الَّتِىِ يَعْمَلُ بِهَاَ ، فِىِ أَزْمَةٍ مَاَلِيَّةٍ ، فَاسْتَغْنَتْ عَنْ بَعْضِ عُمَاَلِهَاَ ، وَكَاَنَ فَاَلِحُُ مِنْ بَيْنِهِمْ ، فَعَاَدَ إِلَىَ دَاَرِهِ حَزِيْنَاً ، مَهْمُوْمَاً ، وَلَكِنْ زَوْجَتَهُ ، لَمْ تَكَدُ تَرَاَهُ ،حَتَّىَ هَوَّنَتْ عَلَيْهِ الْأَمْر ، وَقَاَلَتْ لَهُ :

- لِمَاَذَاَ تَحْزَنُ يَاَ فَاَلِحُ ؟ ، أَلَيْسَتْ الْأَرْزَاَقُ بِيَدِ اللهِ ؟ ، إِنّنَاَ يَاَ زَوْجِىِ الْعَزِيْزُ نَمْلِكُ وَفْرَاً مِنَ الْمَاَلِ ، يَكْفِيْنَاَ حَتَّىَ يَأْتِىِ اللهُ بِالْفَرَجِ …

      فَطَاَبَتْ نَفْسُ فَاَلِحُُ ، وَانْشَرَحَ صَدْرُهُ ، وَأَخَذَ يَبْحَثُ عَنْ عَمَلٍ آَخَرَ ، وَهُوَ رَاَضِى النَّفْسِ ، هَاَدِىءُ الْبَاَلْ ...

     وَاسْتَمَرَ فَاَلِحُُ وَزَوْجَتِهِ فَاَطِمَةُ ، يُنْفِقَاَنِ مِمَّاَ وَفْرَاَهُ مِنَ الْمَاَلِ ، حَتَّىَ نَفَِدَ ، وَلَكِنَّ اللهَ مَنَّ عَلَيْهِمَاَ بِلُطْفهِ ، فَلَمْ يَكَدْ يَنْفَدُ آَخِرُ دِرْهَمٍ مَعَهُمَاَ ، حَتَّىَ وَجَدَ فَاَلِحُُ عَمَلَاً جَدِيْدَاً ، بِرَاَتِبٍ شَهْرِىٍّ أَقَلَّ ، فَخَاَفَ أَلاَّ يَكْفِىِ ذَلِكَ الرَّاَتِبُ الضَّئِيْلُ بِحَاَجَاَتِهِ وَحَاَجَاَتِ زَوْجَتِهِ ، وَلَكِنَّهَاَ كَاَنَتْ كَرِيْمَةُُ ، طَيِّبَةُُ النَّفْسُ ، فَقَاَلَتْ لَهُ :

- هَذَاَ فَضْلُُ كَبِيْرُُ ، نَشْكُرُ اللهَ عَلَيْهِ ، وَلَسْنَاَ فِىِ حَاَجَةٍ إِلَىَ أَكْثَرَ مِنْهْ !

     فَاطْمَأَنَ فَاَلِحُُ وَهَدَأَتْ نَفْسُهُ ، وَشَكَرَ اللهَ عَلَىَ نِعْمَتِهِ ، وَفَضْلِهِ !

      وَكَاَنَتْ فَاَطِمَةُ تَبْزِلُ كُلَّ مَاَ تَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ جُهْدٍ وَحِيْلَةٍ ، لِتَسْتَكْفِىِ بِهَذَاَ الرَّاَتِبِ الضَّئِيْلِ ، تَفْرِيْجَاً لِهَمِّ زِوْجِهَا ، وَتَيْسِيْرَاً عَلَيْهِ ، فَتَسْتَغْنِىِ بَالْثَوْبِ الْقَدِيْمِ عَنْ ثَوْبٍٍ جَدِيْدٍ ، وَتَكْتَفِىِ بِالْطَّعَاَمِ الرَّخِيْصِ ، عَنْ الطَّعَاَمِ الشَّهِىِ ، وَتَقْتَصِدُ الدِّرْهَمَ إِلَىَ الدِّرْهَمِ ، لِتَنْتَفِعَ بِمَاَ تُوَفِّرُهُ فِىِ وَقْتِ الْحَاَجَةِ ...

     وَاقْتَرَبَ الْعِيْدُ ، فَأَخَذَتْ فَاَطِمَةُ تُفَكِّرُ فِىِ هَدِيَّةٍ مُلَاَئِمَةٍ ، تُهْدِيْهَاَ إِلَىَ زَوْجِهَاَ فِىِ يَوْمِ الْعِيْدِ ، عَلَىَ عَاَدَتِهَاَ مَعَهُ فِىِ كَلِّ سَنَةٍ ...

    وَأَخَذَ فَاَلِحُُ يُفَكِّرُ فِىِ هَدِيَّةٍ مُلَاَئِمَةٍ كَذِلِكَ ، يُهْدِيْهَاَ إِلَىَ زَوْجَتِهِ ، كَعَاَدَتِهِ مَعَهَاَ مُنْذُ تَزَوَّجَاَ ...

      وَأَحْصَّتْ فَاَطِمَةُ مَاَ وَفْرَتْهُ مِنَ الدَّرَاَهِمِ ، فَإِذَاَ بِهِ لَاَ يَزِيْدُ عَلَىَ دَرَاَهِمٍ قَلِيْلَةٍ ، فَقَاَلَتْ لِنَفْسِهَاَ :

    ( وَمَاَذَاَ أَفْعَلُ بِتِلْكَ الدَّرَاَهِمِ الْقَلِيْلَةِ ؟ ، وَأَىُّ شَىْءٍ يُمْكِنُ أَنْ أَشْتَرِيَهُ بِهَاَ ؟ لِأُهْدِيَهُ إِلَىَ زَوْجِىِ ؟ ...

     وَتَذَكَّرَتْ فَاَطِمَةُ السِّلْسِلَةُ الْجَمِيْلَةُ ، الَّتِىِ كَاَنَ زَوْجَهَاَ يَتَمَنَّىََ أَنْ يَشْتَرِيْهَاَ ، لِيَجْعَلَهَاَ فِىِ سَاَعَتِهِ ، وَهِىَ سِلْسِلَةُُ فِضِيَّةُُ ، تُسَاَوِىْ بِضْعَةُ عَشَرَاَتٍ مِنَ الدَّرَاَهِمِ ، فَقَاَلَتْ لِنَفْسِهَاَ يَاَئِسَةٍ :

     ( وَمِنْ أَيْنَ لِىِ بِهَذَاَ الْمَبْلَغِ لِأَشْتَرِيْهَاَ لَهُ ؟ ...

      أَمَّاَ فَاَلِحُُ ، فَلََمْ يَكُنْ مَعَهُ دِرْهَمٍ وَلَاَ نِصْفَ دِرْهَمٍ ، فَقَاَلَ لِنَفْسِهِ قَلِقَاً :

     ( وَمِنْ أَيْنَ أَشْتَرِىِ لِزَوْجَتِىِ هَدِيَّةِ الْعِيْدِ ، لِأَسُرَّهَاَ ، فِىِ هَذِهِ الْمُنَاَسَبَةِ السَّعِيْدَةِ ؟

     وَتَذَكَّرَ فَاَلِحُُ فِىِ تِلْكَ اللَّحْظَةِ ، مَجْمُوْعَةَ الْأَمْشَاَطِ وَالدَّبَاَبِيْسِ الْجَمِيْلَةِ ، الَّتِىِ كَاَنَتْ زَوْجَتُهُ ، تَتَمَنَّىَ أَنْ تَشْتَرِيْهَاَ ، لتُُزَيِّنَ بِهَاَ شَعْرَهَاَ الْجَمِيْلِ ، وَهِىَ مَجْمُوْعَةُُ ثَمِيْنَةُُ ، تُسَاَوِىْ بِضْعَةَ عَشَرَاَتٍ مِنَ الدَّرَاَهِمِ  ، فَقَاَلَ لِنَفْسِهِ يَاَئِسَاً كَذَلِكَ:

     ( وَمِنْ أَيْنَ لِى بِضْعَةَ عَشَرَاَتٍ مِنَ الدَّرَاَهِمِ ، لِأَشْتَرِيْهَاَ لَهَاَ ؟ )

     وَنَظَرَتْ فَاَطِمَةُ إِلَىَ مِرْآَتِهَاَ ، فَرَأَتْ شَعْرَهَاَ الذَّهَبِىَّ الْجَمِيْلَ ، يَتَهَدَلُ عَلَىَ جَبِيْنِهَاَ ، فَتَذَكَّرَتْ إِعْلَاَنَاً قَرَأَتْهُ مُنْذُ أُسُاُبٍيْعُ ، فِىِ إِحْدَىَ الصُّحُفِ ، عَنْ مَحَلٍ مِنْ مَحَاَلِ التَّجْمِيْلِ ، يَشْتَرِى شََعْرُ السَّيْدَاَتِ ، لِيَصْنَعَ مِنْهُ ضَفَاَئِرَ صِنَاَعِيَّةً ، تَشْتَرِيْهَاَ بَعْضُ السَّيْدَاَتِ ، الْقَصِيْرَاَتِ الشَّعْرِ ، لِيَتَجَمَّلْنَ بِهَاَ لِأَزْوَاَجِهِنَّ ، فقَاَلَتْ فَاَطِمَةُ لِنَفْسِهَاَ :

     ( كَمْ يُسَاَوِى يَاَ تُرَىَ ، مِثْلُ هَذَاَ الشَّعْرِ الْجَمِيْلِ ، الَّذِىِ يُزَيِّنُ رَأْسِىِ؟...

- ثُمَّ خَطَرَتْ لَهَاَ فِكْرَةُُ ، فَقَصَّتْ شَعْرَهَاَ ، ثُمَّ ذَهَبَتْ إِلَىَ مَحَلِّ التَّجْمِيْلِ فَبَاَعَتْهُ لَهُ ، فَاشْتَرَتْ لِزَوْجِهَاَ السِّلْسِلَةِ الْفِضْيَّةِ ،  الَّتِىِ كَاَنَ يَتَمَنَّاَهَاَ .

     وَلَمْ تَكََدْ فَاَطِمَةُ ، تَعُوْدُ إِلَىَ الدَّاَرِ ، حَتَّىَ بَدَأَتْ تُفَكِّرُ فِىِ زَوْجِهَاَ ، حَيْنَ يَرَاَهَاَ مَقْصُوْصَةُ الشَّعْرِ ، أَيُرْضِيْهُ مَاَ فَعَلَتْهُ ، أُمْ يُغْضِبَهُ ؟ ...

     وَلَكِنَّهَاَ لَمْ تَسْتَمِرُ فِىِ تَفْكِيْرِهَاَ طَوِيْلَاً ، فَإِنَّ زَوْجَهَاَ لَمْ يَلْبَثْ أَنْ حَضَََر ...

     وَنَظَرَ فَاَلِحُُ إِلَىَ زَوْجَتِهِ ، فَأَطَاَلَ النَّظَرَ ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَنْبِسَ بِكَلِمَةٍ ، وَلَمْ تَسْتَطِعَْ فَاَطِمَةُ أَنْ تَعْرِِفَ مِنْ نَظَرَاَتِهِ ، أَهِىَ نَظَرَاَتُ غَضَبٍ، أَمْ نَظَرَاَتُ دَهْشَةٍ ، وَعَجَبٍ ، فَاقْتَرَبَتْ مِنْهُ ، قَاَئِلَة :

- هَلْ سَاءَكَ أَنَّنِىِ قَصَصْتُ شَعْرِى يَاَ زَوْجِىِ الْعَزِيْز ؟ ، إِنَّهُ لَاَ يَلْبَثُ أَنْ يَطُوْلَ كَمَاَ كَاَنَ ، وَقَدْ بِعْتَهُ، لِأَشْتَرِىِ لَكَ هَذِهِ السِّلْسِلَةَ الَّتِىِ كُنْتَ تُعْجَبُ بِهَاَ ، فَهَلْ أَنْتَ غَاَضِبُُ ؟ ...

     وَأَفَاَقَ فَاَلِحُُ مِنْ دَهْشَتِهِ ، ثُمَّ قَاَلَ :

- آَهْ ... نَعَمْ ... لَاَ... وَلَكِنَّكِ حِيْنَ تَنْظُرِيْنَ إِلَىَ مَاَ فِىِ هَذِهِ الْعُلْبَةِ ، سَتَعْرِفِيْنَ ، لِمَاَذَاَ عَقَدَتْ الدَّهْشَةُ لِسَاَنِىِ عَنْ الْكَلَاَمِ؟...

     ثُمَّ دَفَعَ إِلَيْهَاَ الْعُلْبَةَ ، فَرَأَتْ بِهَاَ مَجْمُوْعَةَ الْأَمْشَاَطِ وَالْدَبَاَبِيْسِ ، الَّتِىِ كَاَنَتْ تُعْجَبُ بِهَاَ ، فَتَرَغْرَغَتْ عَيْنَاَهَاَ بِالدِّمُوْعِ ، ثُمَّ قَاَلَتْ:

- إِنَّ شَعْرِى ، لَاَ يَلْبَثُ أَنْ يَنْمُو ، فأُزَيِّنَهُ بِهَذِهِ الْهَدِيَّةِ الْغَاَلِيَةِ ، فَخُذْ أَنْتََ هَذِهِ السِّلْسِلَةِ الْفِضِّيَةِ ، وَاجْعَلْ فِيْهَاَ سَاَعَتَكْ، لِتَرَىَ ، وَأَرَىَ مَعَكْ ، كَمْ هِىَ جَمِيْلَة !..

     قَاَلَ الزَّوْجُ :

- فَلْنُرْجِىءُ تَبَاَدُلَ الْهَدَاَيَاَ ، لِوَقْتِ آَخَرَ يَاَ عَزِيْزَتِىِ ...

     وَنَظَرَتْ إِلَيْهِ فَاَطِمَةُ ، فَفَهِمَتْ مِنْ عَيْنَيْهِ كُلَّ شَىْءٍ ، فَأَخْفَتْ وَجْْهَهَاَ فِىِِ صَدْرِهِ ، وَهِىَ تَقُوْلُ:

- أَبِعْتَ سَاَعَتَكَ لِتَشْتَرِىِ هَذِهِ الْهَدِيَّةِ؟...

إِنْتَهِتْ

 

author-img
عزت عبد العزيز حجازي - المُحامي

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent