recent
أخبار ساخنة

مُناظرة بين تلميذين نال أحدهما جائزة الأشغال والثانى جائزة الديانة

مُناظرة بين تلميذين  نال أحدهما جائزة الأشغال والثانى جائزة الديانة
 
مُناظرة بين تلميذين
نال أحدهما جائزة الأشغال والثانى جائزة الديانة


      فهمى : - لقد حُققَّ لى اليوم أن أجر ثوب الفخار، وأرفع راية الإنتصار، ومن أولى بذلك منى، وقد أحرزت جائزة الأشغال اليدوية، التى تتعشَّقها الأنفس، وتهوى إليها الأفئدة، ويزدحم عليها الطلاب بالمناكب، فغدوت بذلك بدر مدرستى، وفخر أساتذتى، وتاج إخوانى، وقرة عين والدى، إنى لأحس كأنما الأرض الفضاء، تضيق بموضع قدمى، والجبال الشماء، تتطامن  لعظمتى، وكواكب السماء، لا تساوينى فى الرفعة والعلاء، وقد خُيَّل لى أن خبر جنازتى قد ذاع وسار، وطار إلى كل مطار، وأن الكائنات علوية وسفلية كلُّها عيون تنظر بالإكبار إلىّ، وألسنة تلهج بالثناء علىّ.

     لطفى : - تالله ما رأيت عجباً كاليوم ! طالب يصعر خده، ويثنى جيده، ويمشى مشية الخُيلاء، ويملأ شدقيه بألفاظ الكبرياء، كأنه حاز شهادة فنية، أو درجة علمية، أو استحق لقب النبالة، أو منح وسام البطولة، أو كأنما هو زعيم إستقلت على يده البلاد، أو قائد فاز فى ميدان الجهاد، أو مخترع أتى بما يُسعد العباد، ولو أنه قدر له أن يكون من هؤلاء الأفذاذ، لكان حقيقاً بالتواضع شكراً لله على نعمته وطلباَ للمزيد من فضله – وبالشكر تُستدام النِعم، إنه لو صح لكل من واتاه الحظ، فوصل بجائزة أن يمشى مرحاً ويختال فرحاً، لكنت أزهى من الديك، وأكثر إختيالا من الطاوس، فقد نلت جائزة ما أود أن لى بها ما تحويه خزائن الملوك، من صفراء  وبيضاء، جائزة الديانة والأخلاق، عنوان التهذيب والإستقامة، ودليل الصلاح والفلاح، وآية الطبع القويم، والخُلق الكريم : ×-                                     

                    وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت

                                            فإن هُم ذهبت أخلاقهم، ذهبوا

     فهمى : - رويداً أيها التقى النقى، والورع الصوفى، ذو الأخلاق الطاهرة، والكرامات الظاهرة. لقد كنت أتوقع أن ينازعنى رداء العظمة، من نال جائزة الأشياء، أو التربية البدنية، ولو فعلوا، لقلنا : كلُُّ يطلب الشرف المُعلَّى، ويدعى وصلاً  بلَيْلَى، ولكن شاء القدر الساخر، أن يبارينى فى العلاء، غير الأكفاء. إنى أعلمك يا حليف السجدات ومرتِّل الآيات، أن جائزتى لا ينالها إلا من رُزِقَ قوة فى الإدراك،وإخلاصاً فى العمل، وقدرة على التقليد، وبصراً بالنقد، وشغفاً بالإبتكار والإبتداع،، وهى شهادة لى بأنى ذو ذوق سليم، ومزاج رائق مُعتدل، ونفس صافية تهوىَ الفن الجميل، وتجيد المحاكاة فى الدقيق والجليل، ولو أنى صبوت إلى جائزتك، لما كلفنى ذلك سوى أن أتكلف الخضوع والخشوع، وأتغنى بالسجود والركوع، وأتخذ السكون شعاراً والصمت دثاراً، وأعطل حواسى، فلا أسأل ولا أجيب وأروض نفسى على الذلة والمسكنة، فأعظم من يحقرنى، وأشكر من يلطمنى، وأمشى مسترخى الأعضاء، مقفل العينين، أصم الأذنين، فإذا أنا أكثر الطلبة أخلاقاً، بل من الأولياء الصالحين والبررة المطهرين×، ولكنى أكره الملق والدهان، وأبغض النفاق والرياء، وأوثر حسن الباطن على حسن الظاهر – والله عليم بالسرائر – فتمسكت بأهداب الجد، وطلبت ما يعسر مرامه، ويعز مناله، حتى نلت هذه الجائزة السنية. ومن طلب الحسناء يصبر على البذل.

     لطفى : - يا هذا إن الثعلب إذا أراد أن يطير لا يقدر، والتمييز بين اللؤلؤ والحصى متيسر، وما نلت إذ نلت إلا ما يدل على أنك تؤثر اللعب واللهو، وتفضل الأعمال البدنية على المسائل العقلية، والخصائص الروحية، وأنت بالروح لا بالجسم إنسان، فعهدنا بكم معشر المولعين بهذه الأشغال، الغارقين فى طينها وأصباغها، إنكم لا تحسنون عملا غيرها، وتكرهون ما عداها من علوم وآداب، كراهة الأرض للدم ، وتلك طبيعة نعرفها ممن قصر عقله، وضاق فكره، فانصرف إلى العمل اليدوى، ينفق فيه قوته، ويقتل وقته، ولذا نراكم فى غرف الدراسة خرساً كالأصنام، صما كالأنعام، لا نُحس لكم حركة، ولا نسمع رِكزاً  إلا ما تقومون به من أعمال تتعطل بها الدروس، ويضطرب لها النظام، ويغضب منها المعلم والمتعلم، ولكم العذر فى هذا، فمن جهل شيئاً عاداه، حتى إذا أذن مؤذن الأشغال، إستنارت وجوهكم، وابتهجت قلوبكم، وعرتكم هزة الأسير إنطلق من الأغلال، والعليل حظىِ بالإبلال ، فألواح الطين، أشهى إليكم من صحائف الدين، وحمل المنشار والقَدوم، آثر لديكم من تحصيل العلوم، وقص الأوراق، أفضل عندكم من درس الأخلاق، إن أكثر ما إستفزنى يا فهمى فى حوارك وأنت صديقى وزميلى – أن رأيتك تستخف بالدين، وتقول قول المُبْطلين، فأعيذك بالله أن تكون من شبان هذه الأيام، الذين يحقرون الصلاة والصيام، ويعدون التمسك بالشعائر الدينية من سمات التأخر والجمود، وعندهم المدنية كل المدنية أن يهجروا دينهم، ويمقتوا قوميتهم، ويتركوا لغتهم، وهو الإنحطاط والهمجية لو كانوا يعقلون. ×

author-img
عزت عبد العزيز حجازي

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent