recent
أخبار ساخنة

المُصارع الصغير..!

 

المُصارع الصغير..!

 

المصارع الصغير..!

 

  

( مَاَ مِن أَحَدٍ ، يَسْتَطيِعُ أَنْ يَشْعُرُ بِأَنَّكَ ، أَقَلَ مِنْهُ قٌوَّةً، إِلاَّ إِذَاَ أَنْتَ ، رَضِيْتَ ذَلِكَ لِنَفْسِكْ!)

 

 

     نَظَرَ " شَاَكِرُُ " فِىِ سَاَعَتِهِ ، فَرَأَىَ مَوْعِدَ الْمَدْرَسَةِ قَدِ إِقْتَرَبَ ، فَارْتَدَىَ ثِيَاَبَهُ عَلَىَ عَجَلٍ ، وَحَمَلَ حَقِيْبََةَ كُتُبِهِ، وَأَسْرَعَ إِلَىَ الْمَدْرَسَةِ ، لِيُدْرِكَ الْتَلَاَمِيِذَ ، قَبْلَ أَنْ يَدْخُلُوا حُجُرَاَتِ الدِّرَاَسَةِ .

     وَلَكِنَّهُ ، لَمْ يَكَدْ يَبْلُغُ نِصْفَ الطَّرِيْقِ ، حَتَّىَ رَأَىَ مَنْظَرَاً مُثِيْرَاً، رَأَىَ شَاَبَاً قَوِيَّاً ، مّفْتُوْلُ الْعَضَلْ ، يَنْهَاَلُ بَالضَّرْبِ الْمُوْجِِعُ ، عَلَىَ صََبىٍّ صَغِيْرٍ ، لَمْ يَتَجَاَوَزِ الْخَاَمِسَةَ مِنْ عُمْرِهِ ، تَدَلُ هَيْئَتُهُ وَمَنْظَرُهُ ، عَلَىَ ضَعْفِهِ، وَفَقْرِهِ ، وَشَقَاَوَتِهِ...

     لَمْ يَحْتَمِلَ شَاَكِرُُ هَذَاَ الْمَنْظَرَ الْمُؤْلِمِ ، وَانْدَفَعَ نَحْوَ الشَّاَبِّ ، يُحَاَوِلُ أَنْ يَمْنَعَهُ ، مِنْ ضَرْبِ الصََّغِيْرِ الْبَاَئِسِ، وَلَكِنَّ الشَّاَبَّ، لَمْ يَعْجِبَهُ ، أَنْ يَتَدَخَلَ شَاَكِرُُ ، هَذَاَ التََّدَخُّلُ ، فَزَجَرَهُ، ثُمَّ شَتَمَهْ ، ثُمَّ لَطَمَهْ ، ثُمَّ إِشْتَبَكَاَ ، فِىِ عِرَاَكٍ عَنِيْفٍ ، فَتَمَزْقَ قَمِيْصُ شَاَكِرْ ، وَتَبَعْثَرَتْ كُتُبُهُ، عَلَىَ الْأَرْضِ ، وَأَصَاَبَهُ جُرْحُُ فِىِ شِفَتِهِ، وَأَخَّرَهُ ذَلِكَ ، عَنْ مَوْعِدِ الِمَدْرَسَةِ ، فَوَصَلََ مُتَأَخِرَاً ، بَعْدَّ أَنْ دَخَلَ التَّلاَمِيْذُ جَمِيْعَاً حُجُرَاَتِ الدِّرَاَسَةِ ...

     وَمَضَىَ الدَّرْسَاَنِ الْأَوَّلَاَنِ ، وَلَمْ يَفْهَمْ شَاَكِرْ وَاَحِدَاً ، إِذْ كَاَنَتْ هَزِيْمَتُهُ فِىِ ذَلِكَ الْعِرَاَكِ ، تَمْلَّأُ قَلْبَهُ غَيْظَاً ، فَلَاَ يَكَاَدُ يَسْمَعُ مِنَ الْمُعَلِمِ كَلِمَةٍ وَاَحِدَةٍ ...

     وَلَمَاَ هَبَطَ التَّلَاَمِيْذُ، إِلَىَ فِنَاَءِ الْمَدْرَسَةِ ، بَعْدَ الْدَّرْسُ الْثَاَنِىِ ، سَأَلَهُ صَدِيْقُهُ "عُاُطِفُُ" ، عَمَاَ جَرَىَ لَهُ ، فَقَصَّ عَلَيْهِ قِصَّتَهْ، فَاَغْتَاَظَ عَاَطِفُُ ، مِثْلَ غَيْظِهِ ، وَقَاَلَ لَهُ :

- يَاَلَيْتَنِىِ كُنْتُ مَعَكَ يَاَ صَدِيْقِىِ ، لِأِنْتَقِمَ لَكَ، مِنْ ذَلِكَ الْشَاَبِّ الْغَلِيْظِ !

     ثُمَّ صَمَتَ عَاَطِفُُ ، وَعَاَدَ يَقُوْلُ:

- لًوْ كُنْتَ مِثْلِىِ يَاَ شَاَكِرُ ، تُجِيْدُ الْمُصَاَرَعَةُ ، لَتَغَلَّبْتَ عَلَىَ ذَلِكَ الشَّاَبِّ ، وَعَلَّمْتَهُ دَرْسَاً ، لَاَ يَنْسَاَهُ، فَلَاَ يَعُوْدُ بَعْدَ ذَلِكَ ، إِلَىَ مِثْلِهَاَ أَبَدَاً!

     قَاَلَ شَاَكِرُُ بِحَمَاَسَةٍ :

- فَإِنَّنِىِ أُرِيْدُ يَاَصَدِيْقِىِ ، أَنْ أَبْدَأَ تَعَلُمَ الْمُصَاَرَعَةِ ، مُنْذُ الْيَوْمْ ، لِأَسْتَطِيْعَ الْدِّفَاَعَ عَنْ نَفْسِىِ ، وَتَأْدِيْبِ الْشُّبَاَنِ ، الْغِلَاَظِ ، الْقُسَاَةِ ، الْذِيْنَ يَسْتَضْعِفُوْنَ الْأَطْفَاَلَ الصِّغَاَرَ ، وَيَنَاَلُوْنَهُمْ ، بِالْأَذَىَ وَالْعَذَاَبِ !

     وَاشْتَرَكَ شَاَكِرُُ ، مُنْذُ ذَلِكَ الْيَوْمْ ، فِىِ فِرْقَةِ الْمُصَاَرَعَةِ فِىِ الْمَدْرَسَةِ ، فَمَاَ هِىَ إِلاَّ أَسَاَبِيعُ ، حَتَّىَ تَعَلَّمَ ، كُلَّ حِيَلْ الْمُصَاَرَعَةُ ، وَحَرَكَاَتِهَاَ ، وَاسْتَطَاَعَ، أَنْ يَتَغَلَبَ بِقُوَّتِهِ ، عَلَىَ تَلَاَمِيْذِ الْفِرْقَةِ ، وَأَكْسَبَتْهُ هَذِهِ الرِّيَاَضَةُ ، قُوَّةً فِىِ الْبَدَنِ، وَصَلَاَبَةً فِىِ الْعَضَلِ ، وَصَبْراً عَلَىَ الْمُقَاَوَمَةِ ، وَلَمْ تَلْبَثْ شُهْرَتُهُ فِىِ الْمُصَاَرَعَةِ ، أَنْ ذَاَعَتْ، وَسَمِعَتْ بِهَاَ الْفِرَقُ الْرِيَاَضِيْةُ ، فِىِ كُلِّ مَدَاَرِِسِ الْمَدِيْنَةِ وَنَوَاَدِيْهَاَ ، فَزَاَدَهُ ، قُوَّةَ وَشَجَاَعَةً...

     وَاشْتَرَكَ شَاَكِرُُ ، فِىِ مُبَاَرَيَاَتٍ عِدَّةٍ ، فَاَنْتَصَرَ فِيْهَاَ كُلَّهَاَ ، وَظَفَرَ بِجَوَاَئِزٍ قَيِّمَةٍ ، فَلَمْ يَكَدْ يَمْضِىِ الْعَاَمُ، حَتَّىَ كَاَنَ بَطَلُ الْمَدِيْنَةِ كُلَّهَاَ فِىِ الْمُصَاَرَعَةِ ، وَبَدَأَتْ شُهْرَتُهُ ، تًتًجًاًوًزُ حُدُوْدَ الْمَدِيْنَةِ، إِلَىَ الْمُدُنِ الْمُجَاَوِرَةِ ...

     وَكَاَنَ أَبُوْهُ ، يَسْمَعُ بِذَلِكَ ، فَيَمُطُ شَفَتَيْهِ ، وَيَقُوْلُ :

- يَاَ لَيْتَكَ يَاَ بُنَىَّ ، كُنْتَ بَطَلَاً فِىِ مَجَاَلٍ آَخَرَ ، غَيْرِ مَيْدَاَنِ الْمُصَاَرَعَةِ ، فَإِنَّهَاَ رِيَاَضَةُُ ، لَاَ نَفْعَ مِنْهَاَ ، وَلَاَ فَاَئِدَةً !!

     فَيَضْحَكُ شَاَكِرُُ ، وَيَقُوْلُ :

- حَسْبِىِ يَاَ أَبِىِ مَنْ فَاَئِدَتِهَاَ ، إِنَّهَاَ قَوَّتْ جِسْمِىِ ، وَنََمَّتْ عَضَلَاَتِىِ ، وَأَكسَبَتْنِىِ بَيْنَ الْرِيَاَضِيِّيْنَ شُهْرَةً!

     وَأَتَمَّ شَاَكِرُُ دِرَاَسَتْهِ ، فَصَحِبَ أَبَاَهُ فِىِ رِحْلَةٍ ، إِلَىَ مِنْطَقَةِ الْغَاَبَاَتِ الْإِسْتِوَاَئِيَّةِ فِىِ إِفْرِيْقِيَّةِ ، إِذْ كَاَنَ أَبُوْهُ، عُضْوَاً فِىِ إِحْدَىَ الْجَمْعِيَّاتِ ، الَّتِىِ تَهْتَمُّ بِدِرَاَسَةِ تِلْكَ الْمنْطَقَةِ...

     وَذَاَتَ يَوْمٍ مَضَىََ شَاَكِرُُ وَأَبُوْهُ ، يَخْتَرِقَاَنِ إِحْدَىَ الْغَاَبَاَتِ الْكَثِيْفَةِ ، فِىِ الْمِنْطَقَةِ ، وَقَدْ عَلَّقَ كُلُُّ مِنْهُمَاَ بِكَتِفِهِ بُنْدُقِيَّةً، سَرِيْعَةَ الْطَلَقَاَتْ ، فَمَاَ زَاَلَ سَاَئِرَيْنِ ، تَحْتَ الْشَجَرِ الْمُتَشَاَبِكِ الْأَغْصَاَنِ ، حَتَّىَ أَتْعَبَهُمَاَ السَّيْرُ ، فَجَلَسَاَ لِيَسْتَرِيْحَاَ ، وَقْتَاً قَصِيْرَاً ، عَلَىَ الْأَخْشَاَبِ النَّاَمِيَةِ ، وَوَضَعَاَ مَتَاَعَهُمَاَ وَسِلَاَحَهُمَاَ إِلَىَ جَاَنِبْهِمَاَ ، فَمَاَ كَاَدَاَ يَجْلِسَاَنِ ، حَتَّىَ أَحَسَّاَ وَرَاَءَهُمَاَ حَرَكَةٍ ، فَأَرْهَفَ الْأَبُ سَمْعَهُ ، حَذِرَاً ، وَتَهَيَّأَ لِلْنِهُوْضِ، مَخَاَفَةِ أَنْ يَدْهًمُهُمَاَ ، وَحْشُُ كَاَسِرُُ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَكَدْ يَسْتَوِىِ عَلَىَ قَدَميْهِ ، حَتَّىَ بَرَزََ لَهُ مِنْ بَيْنِ الشَّجَرِ ، فَهْدُُ كَبِيْرُُ ، فَوَثَبَ عَلَيْهِ ، قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَ أَهُبَّتَهْ ، لِلْدِفَاَعِ عَنْ نَفْسِهِ ، أَوْ يُمْسِكَ بُنْدُقِيَّتَهُ، فَوَقَعَ الْأَبُ عَلَىَ الْأَرْضِ ، وَوَقَعَ الْفَهْدُ عَلَيْهِ ، ثُمَّ بَدَأَ بَيْنَهُمَاَ ، صِرَاَعُُ عَنِيْفُُ...

     وَذُهِلَ شَاَكِرُُ مِنَ الْمُفَاَجَأَةِ ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَفْقِدْ وَعْيَّهُ ، فَتَنَاَوَلَ بُنْدِقِيَّتَهُ مُسْرِعَاً ، وَهَمَّ أَنْ يُطْلِقَهَاَ عَلَىَ الْفَهْدِ، وَلَكِنَّهُ كَاَنَ مُلْتَصِقَاً بَأَبِيْهِ ، وَهُمَاَ يَتَصَاَرَعَاَنِ ، فَخَاَفَ أَنْ تُصِيْبَ الْطَلْقَةُ أَبِاَهُ فَتَصْرَعَهُ ، حِيْنَذَاَكَ لَمْ يَجِدْ شَاَكِرُُ ، بُدَّاً مِنَ الْمُغَاَمَرَةِ ، فَأَلْقَىَ بُنْدُقِيَتَهُ ، وَانْدَفَعَ إِلَىَ الْمَعْرَكَةِ بِلَاَ سِلَاَحٍ ، لِيُدَاَفِعَ عَنْ أَبِيْهِ ...

     وَأَلْقَىَ شَاَكِرُُ بِنَفْسِهِ عَلَىَ الْفَهْدِ ، ثُمَّ طَوَّقَ عُنُقَهُ ، بِذِرَاَعَيْهِ الْقَوِيَّتَيْنِ ، وَثَبَّتَ رِجْلَيْهِ عَلَىَ الْأَرْضِ ، وَقَدْ جَمَعَ فِيْهِمَاَ كُلَّ قُوَّتِهِ ، ثُمَّ أَخَذَ يَرْفَعُ رَأْسَ الْفَهْدِ إِلَىَ أَعْلَىَ، ثُمَّ إِلَىَ الْوَرَاَءِ ، بِكُلِ قُوَّةٍ وَعُنْفٍ ، كَمَاَ يَفْعَلُ الْمُصَاَرِعُ ، حِيْنَ يُحَاَوِلُ إِلْقَاَءَ خِصْمِهِ عَلَىَ ظَهْرِهِ ، وَكَاَنَتْ ذِرَاَعَاَهُ فِىِ أَثْنَاَءِ ذَلِكَ، تَضِيْقَاَنِ شَيْئَاً فَشَيْئَاً ، عَلَىَ عُنُقِ الْفَهْدِ ، حَتَّىَ يَكَاَدَ يَخْتَنِقَ ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ ، يُرِيْدُ أَنْ يَخْنُقًهُ ، إٍذْ كَاَنَ أَمَلُهُ فِىِ ذَلِكَ ضَعِيْفَاً ، وَإِنَّمَاَ كَاَنَ يُرِيْدُ ، أَنْ يَلْوِىِ عُنُقَهُ إِلَىَ الْوَرَاَءِ، حَتَّىَ تَنْكِسِرَ سِلْسِلَةُ ظَهْرِهْ ، فَمَاَ هِىَ إِلْاَ لْحَظَاَتُ ، حَتَّىَ تَمَّ لَهُ مَاَ أَرَاَدَ ، وَسَمِعَ طَقْطَقَةَ عِظَاَمِ الْفَهْدِ ، فَأَيْقَنَ أَنَّ عَمُوْدَهُ الْفَقْرِىِ ، قَدْ إِنْكَسَرَ ، حِيْنَذَاَكَ تَرَاَخَتْ مَخَاَلِبُ الْفَهْدُ ، وَسَكَنَتْ حَرَكَتُهُ ، وَارْتَمَىَ صَرِيْعَاً ، بَيْنَ يَدَىْ شَاَكِرْ ...

     وَغَاَبَ شَاَكِرُُ عَنْ وَعْيِهِ لَحْظَةً ، مِنْ شِدَّةِ مَاَ نَاَلَهُ مِنَ التَّعَبِ ، ثُمَّ أَفَاَقَ ، فَرَأَىَ أَبَاَهُ ، وَاَقِفَاً بَيْنَ يَدَيْهِ ، وَقَمِيْصُهُ مُخَضَبُُ بِالدَّمِ ، وَفِىِ يَدِهِ سِكِّيْنِهِ ، فَقَاَلَ لَهُ بَاَسِمَاً :

- الْحَمْدُ لله عَلَىَ سَلَاَمَتِكَ يَاَ أَبِىِ !

     قَاَلَ أَبُوْهُ ، مُعْجَبَاً :

- كَيْفَ فَعَلْتَ هَذَاَ يَاَ بُنَىَّ ؟

     قَاَلَ شَاَكِرُُ :

- لَقَدْ كَاَنَ الْأَمْرُ سَهْلَاً ، فَقَدْ طَوَّقْتُ رَقَبَتَهُ ، بِطَوْقٍ حَدِيْدِىٍ مِنْ ذِرَاَعِىِ ، ثُمَّ شَدَدْتُهَاَ إِلَىَ الْخَلْفِ ، مُعْتَمِدَاً عَلَىَ قُوَّةِ ذِرَاَعِىْ وَسَاَقِىِ ، فَاَنْكَسَرَ عَمُوْدُهُ الْفَقْرِىِ ...

     فَصَمَتَ الْأَبُ لَحْظَةً ، مُفكِّرَاً ، ثُمَّ قَاَلَ:

- قََدْ أَحْسَّنْتَ الْيَوْمَ عَمَلَاً يَاَ بُنَىَّ ، كَمَاَ أَحْسَنْتَ أَمْسِ عَمَلَاً بِتَعَلُمِ الْمُصَاَرَعَةِ ، وَسَتُحْسِنُ عَمَلَاً فِىِ الْغَدِ ، حِيْنَ

تُعَلِّمَنِىِ الدَّرْسَ الْأَوَّلَ، فِىِ هَذَاَ الْفَنِّ !

 

إِنْتَهِتْ

 

author-img
بقلم: عزت عبد العزيز حجازي - المُحامي

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent