recent
أخبار ساخنة

حين كنت في غزه

 


تلفت حواليا، فرأيت داخل "الباحة" "مصطبة" خالية في ظل دارة من الحجارة، فتوجهت نحوها بخطى مرهقة، ومتثاقلة. وعلى "المصطبة". وضعت حقيبتي وجلست، ثم مددت رجلاي المتعَبتين، فشعرت بارتياح كبير، ولكنني لمت نفسي لآني أخذت بنصيحة زوجتي، وارتديت حذائي الجدي الحديث.. فقد كان من الأفضل أن أسافر بحذائي الجلدي القديم، الذي تعودت عليه.. فيا حبذا. لو أستطيع أن أخلع هذا الحذاء الكريه اللعين الآن، إلا أني شعرت بالخجل أن أفعل ذلك، وحواليا ناساً يمرون، وأطفالاً يلعبون على الرمل تحت المظلة الخشبية بالحديقة. وعلى مقربة مني، عند مبنى جراج. إنهمك رجُلان بتصليح عربة نصف نقل، ومن هنا. رأيت بوضوح، مدخل الدارة، والعجوزتين قربه في الداخل، وسهُل عليّ مراقبة المارة، وخُيل لي أني سأتعرف على صاحب الشقة 48 حالما يظهر قرب باب الدارة. لذا. قررت الإنتظار، ولو للأبد، فالجلوس هنا مُريح على أية حال، والحر ليس شديداً في الظل، ويمكن أن أراقب على مهل حياة حي جديد، أراه لأول مرة في "بيروت"، وأعجبني فيه الكثير. صحيح أن أفكاري عادت بي إلى ماضيا البعيد الذي قضيته بين المقاومين، وخصوصاً اليومين اللذين قاداني في أخر المطاف إلى تلك "المصطبة" الحجرية، فكل ما حدث آنذاك حاضراً في ذاكرتي بأصغر التفاصيل، وكأنما حدث بالأمس فقط، والعقود الثلاثة التي مرت بي، لم تؤثر أبداً في ذاكرتي المتشبثة بكل الأحداث المُفجعة.. ولعل السبب في ذلك، هو أن ما عايشتُه خلال هاذين اليومين، كان رغم المآسي والصعاب. أهم ما في حياتي من أيام... وقد فكرت في تلك الأحداث، وتذكرتها مراراً وتكراراً، وظل موقفي منها يتغير كل مرة، بعضها أثار لدي شعوراً متأخراً بالحرج، بل وحتى الآسف على نفسي آنذاك.. وبعضها الآخر، شكل مفخرة إنسانية متواضعة لي.. فقد كانت تلك حرباً لا يضاهيها أي حدث آخر في حياتي، بينما كنت آنذاك شاباً مُعافَى، لا أسترسل في التفكير حول مغزى تصرفاتي التي انحصر أغلبها في شئ واحد. هو المقاومة.

كنت في "غزه" أحاول استعادة أنفاسي الغاضبة من العدو المتربص بنا في كل مكان، عاملاً مع زملائي على اعادة ترتيب الأشياء والصفوف والمواقع، بالتنسيق مع القيادة. وهى عادة لنا كنا نقوم بها كل فترة لجمع الأسلحة والذخيرة وشراء الكثير منها بأثمان رخيصة نوعاً ما من المهربين على الحدود مع "مصر". وكان ثمن "الكلاشينكوف" الواحد على سبيل المثال جنيهاً واحداً، لكنه بدأ يرتفع باضطراد، حتى وصل ثمنه إلى ثلاثين جنيهً. وقتها. قمنا بتخزين الكثير من "الكلاشينكوف" تحسباً لغلوه أكثر.

أذكر مرة أننا تلقينا أمراً من القيادة بالتوجه إلى جبال "الخليل"، للإنضمام لقيادة العمل المسلح بالمنطقة الجنوبية من أجل تجذير وتوسيع انتشار العمل المقاومة هناك. وكان الدليل قد صحبني وزملائي إلى منطقة "وادي الزرازير"، بالقرب من "الخليل"، وأطلعنا على المكان. وللحق. لم نرتح له، بل أردنا مكاناً بعيداً يقينا الكشف الجوي من العدو، وفي نفس الوقت، يؤهلنا في حالة الإشتباك، أن نوقع الخسائر بعدونا، وأن ننسحب في آن معاً. وهو ما تحقق فيما بعد في عمليات عديدة، لا أرى داعياً لذكرها الآن، ومن "وادي الزرازير" واصلنا السير إلى "وادي القف"، ورأينا صلاحيته كمكان للقاعدة الأولى لنا، فهو حرشي جبلي مرتفع، ومشرف على كل الجهات. إضافة إلى بُعدِه عن السّكان، مع توفر الماء على قلته. وهناك. تمركزنا في موقعنا الجديد، ثم بتنا ليلتنا تحت السماء والطارق. وفي الصباح. قصدت وعدة زملاء مدينة "الخليل" لاستقطاب المزيد من الشباب للمقاومة. ومن حسن الحظ أني كنت أعرف عناوين أصدقاء هناك يودون الإنضمام لنا، فذهبت إلى "دورا" و"حلحول"، وبدأت اتصالاتي معهم، وكذلك فعل زملائي الثلاثة.

كنا نتواجد في منطقة معينة لفترة قصيرة، ثم نقيم الإتصال مع الشباب، ممن يوعز لنا بأنهم جيدون، ونعمل على تنظيمهم، وتم ذلك في كل مرة ببساطة. وكانت مقاومة العدو مدخلنا في العمل التنظيمي، وسهلت علينا الكثير، فقد كانت وحشية العدو دافعاً وحافزاً للكثير من الشباب للإنضمام إلينا، وبتشجيع من الأباء والأمهات.

كنا نقول "شعبنا لا يمكن أن ينهزم، وعليه أن يأخذ دوره بعد أن تركه اللئام وحده على مائدة الذئاب".

في الليل. كنا نتجول بأسلحتنا، أما بالنهار. فكنا كمزارعين نساعد الأهالي في المكان الذي نتواجد فيه "في الكروم. أو في حفر الأبيار". وأخذ التنظيم يتسع في جبال"الخليل"، وفي القرى المحيطة بها، ثم بدأنا نتحرك في اتجاه المخيمات.

كانت المظاهرات لا تزال حديثة العهد في أماكن عدة، وساعد ذلك على فرز الشباب، فنجحنا في استقطاب الكثير جداً منهم. وفي جبال "الخليل" كان اهتمامنا منصباً على التعبئة التنظيمية، ثم بدأنا فرز الأهداف.. كنا نرصد أهدافاً مدنية كثيرة، لكننا لم نكن نتعامل معها. إذ كانت الأوامر واضحة بألا نفعل، وأن يكون الإشتباك مع العناصر العسكرية فقط، وإيقاع أكبر الخسائر بها. وفي تلك الفترة. كانت ظروفنا صعبة، ومؤننا شحيحة، وكل ما لدينا أقل من القليل. لكن الناس الذين صادف وجودنا عندهم، كانوا يحسنون وفادتنا، ورغم أنه كان من الصعب على الرجُل منهم أن يبعث بابنته الشابة، حاملة الطعام إلينا، لكنهم كانوا يفعلو، خاصة عندما يعلمون بوجود امرأة بيننا.


من روايتي "بجر النار" وهى من الأدب الفلسطيني

author-img
عزت عبد العزيز حجازي - المُحامي

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent