recent
أخبار ساخنة

طالب راسِب يُناجى نفسه

 

 

طالب راسِب يُناجى نفسه


     الويل لى أنا الشقى !!. ما كان أغنانى عن هذا الألم الذى يطيل حسراتى، ويسيل عبراتى، ويؤرقنى والناس رقود.

     كنت ألهو وألعب، وإخوانى يصِلون ليلهم بنهارهم فى إستذكار الدروس، فلا يبعث ذلك منى عزيمة، ولا يثير غيرة، كأنى فقدت الحِس والشعور. وكم نصحَ لى أساتذتى بالجِد والإجتهاد، وأنذرونى عاقبة هذا الإهمال، فكانوا كمن يضرِب فى حديد بارد، وينفخ فى زقّ مقطوع. ولم يكُن لى عمل إلا العبث والعدو فى فناء المدرسة، والإخلال بالنظام فى غُرف الدراسة، فإذا فارقت المدرسة – أو السجن كما كنت أسميها – أخذت أطير بدراجتى فى الميادين والطرقات، وأرود أماكن اللهو والخيالة، ثم أنكفىء إلى المنزل فأنام ملء الأجفان، كأنى لم يكُن ورائى إمتحان، هأنذا أجنى الندامة من أدغال التفريط، وأحصد الشوك من غرس التهاون، وأجرع الصاب والحنظل من حياض الكسل " من عمل صالحاً فلنفسه، ومن أساءَ فعليها، وما ربك بظلام للعبيد " ما كان ضرنى لو طرحت عن منكبى رِداء الخمول، وحسرت عن ساعد الجد، وأعددت للإمتحان عدته، أما كُنت اليوم جذل النفس، مرفوع الرأس، شامخ الأنف ؟ أُقَابَلْ بالتحيات، واُخَصْ بالتهنئات. أرانى أستخفى من الناس كأننى إرتكبت جرماً، واقترفت إثماً، أَجَلْ إنى مجرم أثيم، وهل أشنع من تضييعى سنةً من عمرى الذهبى، لم أجن فيها ثمرة، ولم أكتسب فائدة. إنها لخسارة لا تعوض، وفُرصة لن تعود. آه ما أشد خجلى من والدى ! والدى البَر الرحيم، الذى كان يغمرنى بعطفه، ويحفُّنى بألطافه، ويُسارع إلى قضاء لبانتى، ويجد سروره فى هناءتى، ويضيق على نفسه ليوسع علىُّ، رحمة له، لقد صنع المعروف فى غير أهلِه، وأنزل آماله بوادى غير ذى زرع، لقد خدعته والكريم يُخدع. فأوهمته أنى الذكى النجيب، والفَطِن الأرَّيب، والنابغة المشار إليه بالبنان، والمبرز فى السبق على الأقران،، فواحسرتى إذ برح الخفاء، وانكشف الغطاء، فإذا أنا من الكسالىَ الأغبياء. كيف أستطيع أن أرىَ إخوانى الناجحين يُضىء البِشر فى وجوههم، ويترقرق السرور فى ثغورهم، ويبدو الزهو فى أعطافهم، وأنا كاسِف البال مُنكسر القلب جَمْ الهموم. ويلاه لقد حََّقَّ علىّ القصاص، طالما سخرت منهم وهُمْ يجدُّون، وهزئت بهِم وهم يستذكرون، فاليوم هُمْ منى الساخرون الهازئون. لقد تعلقت بحبَال الوهم، واتبعت خطوات الشيطان، فعولت على الحظ، وقلت كم من مُجِدْ خاب، ومُهمِل أصاب، ولم أدر أن المرء بما إكتسب رهين، وأن الله لا يضيع أجر العاملين. ما أسمج الدنيا فى نظرى، وأضيق الفضاء فى وجهى، تُرَىَ هل تغير الكون ؟ وتبدلت الأرض غير الأرض. إنى لأحس أن الطبيعة عابسة، والآفاق مُظلمة، والرياض ذابلة، وأشعر أن الحياة تنكرت لى، والناس على غضاب، من عرفنى ومن لم يعرفنى، وأن الكائنات تنادينى بصوت بيِّن، أسمعه أنا وحدى، هذا هو المفرط، هذا هو الساقط، هذا هو البائس المنكود. جدير بى اليوم أن أبكى، فطالما ضحكت، وحُق علىّ أن أحزن، فَلَشدّ ما سُررت، وهل بعد السعادة إلا الشقاء، وهل يُعقب الراحة إلا العناء؟ هل تطاوعنى نفسى أن أرجع إلى مدرستى كما يرجع القائد المنكسر إلى وطنه ذليلا حزينا، وأحترم قوارص الكَلَمْ، ونظرات التهكُم، وهل أقدر أن أجلس مع من كانوا بالأمس أدنىَ منى مكانة ومكاناً، فغدوا لى اليوم نظراء وأقراناً، رحماك اللهم رحماك، أيتها النفس أجملى جزعاً، فليس الحزن يرُد ما فاتنا، وينشر ميتاً، فإن كنت قد سقطْت من على جبل، فقد عقدت النية على الفوز بإذن الله.

author-img
عزت عبد العزيز حجازي - المُحامي

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent