recent
أخبار ساخنة

أخرِة الطمَاَع..!

أخرة الطّماع..!


 

أخرِة الطمَاَع..!

 

 

( لَاَ يَنْبَغِىِ جَعْلْ الطَّمَعْ ، يَبْلُغُ مَبْلَغَ التَّهَوْرُ ، أَوُ الْحَمَاَقَةُ ، وَإِلاَّ ...! )

 

 

D     كَاَنَ " حُسَيْنُ " الصَّيْاَدُ ، يَعِيْشُ ، هُوَ وَزَوْجَتُهُ، فِىِ كُوْخٍ صَغِيْرٍ ، بِالْقُرْبِ مِنْ سَاَحِلِ الْخَلِيْجِ الْعَرَبِىِ ، جُدْرَاَنُهُ مِنَ الْقَصَبِ، وَسَقْفُهُ مِنْ جَرِيْدِ النَّخْلِ ، وَيَكَاَدُ يُشْبِهُ الْخَنْدَقَ ، فْىِ ظَلَاَمِهِ، وَانْخِفَاَضِ سَقْفِهِ ، وَقَذَاَرَةِ أَرْضِهِ ...

     وَكَاَنَ يَخْرُجُ كُلِّ يَوْمٍ ، إِلََىَِ الْبَحْرِ ، لِيَصْطَاَدَ ، فَيَتَّخِذُ لَهُ ، مَقْعَدَاً عَلَىَ صَخْرَةٍ ، بِالْقُرْبِ مِنَ الْمَاَءِ، وَيُلْقِىِ صِِنَّاَرَهُ ، وَكَُُّلَّمَاَ إِصْطَاَدَ سَمَكَةً ، وَضَعَهَاَ فِىِ الْمِخْلَاَةِ ، إِلَىَ جَاَنِبِهِ ، فَإِذَاَ فَرَغَ مِنْ صَيْدِهِ ، حَمَلَ مِخْلَاَتِهِ عَلَىَ ظَهْرِهِ ، وَذَهَبَ إِلَىَ السُّوْقِ ، فَبَاَعَ السَّمَكَ ، وَاشْتَرَىَ بِثَمَنِهِ طَعَاَمَاً ، لَهُ وَلِزَوْجَتِهِ...

     وَكَاَنَ حُسَيْنُ قَاَنِعَاً ، بِهَذِهِ الْحَيَاَةِ ، لَاَ يَطْمَعُ فِىِ حَيَاَةٍ ، خَيْرٍ مِنْهَاَ ، وَلَكِنَّ زَوْجَتِهِ ، كَاَنَتْ دَاَئِمَةَ الْسُّخْطِ ، وَالْغَضَبِ ، وَاَلشَّكْوَىَ ، إِذْ كَاَنَتْ تَطْمَعُ فِىِ حَيَاَةٍ أَفْضَلَ، مِنْ هَذِهِ الْحَيَاَةِ ...

     وَذَاَتَ يَوْمٍ ، جَلَسَ حُسَيْنُ عَلَىَ الشَّاَطِىْءِ ، كَعَاَدَتِهِ ، وَأَلْقَىَ صِنَّاَرَهُ ، فَلَمْ يَلْبَثُ ، أَنْ رَأَىَ خَيْطَُهُ، يَهْتَزُّ فِىِ يَدِهِ، فِشَدَّهُ بِقُوَةٍ ، فَإَِذَاَ سَمَكَةُُ كَبِيْرَةُُ ، لَمْ تَقَعْ عَيْنُهُ ، عَلَىَ سَمَكَةٍ مِثْلَهَاَ ، وَمَاَ كَاَنَ أَشَدَّ دَهْشَتَهِ ، حِيْنَ رَآَهَاَ تَفتَحُ فَمَهَاَ ، وَتَقُوْلُ لَهُ:

- أَيُّهَاَ الصَّيَّاَدُ الطَّيِّبُ، أُتْرُكَنِىِ لِأَعِيشَ ، فَإِنَّنِىِ لَسْتُ سَمَكَةً ، وَلَكِنِّىِ أَمِيْرَةُُ مَسْحُوْرَةُُ...!

     رَقَّ قَلُبُ الصَّيَّاَدِ، لقَوْلِِ السَّمَكَةِ ، فَرَدَّهَاَ إِلَىَ الْمَاَءِ ، وَلَمَاَ عَاَدَ إِلَىَ زَوْجَتِهِ فِىِ الْمَسَاَءِ، قَصَّ عَلَيْهَاَ مَاَ كَاَنَ ، فَقَاَلَتْ لَهُ :

- إِذَاَ كُنْتَ قَدْ صَدَّقْتَ ، أَنَّهَاَ أَمِيْرَةُُ ، فَلِمَاَذَاَ لَمْ تَطْلُبَ مِنْهَاَ شَيْئَاً ؟

     قَاَلَ الصَّيَّاَدُ :

- وَمَاَذَاَ أَطْلُبُ مِنْهَاَ ، وَهِىَ مَسْحُوْرَةُُ ؟

     قَاَلَتْ :

- أَيَعْجِبُكَ هَذَاَ الْخَنْدَقُ الْحَقِيْرُ ، الَّذِىِ نَعِيْشُ فِيهِ ؟ فَلِمَاَذَاَ لَمْ تَطْلُبُ مِنْهَاَ، أَنْ تَمْنَحَكَ دَاَرَاً ، تَعِيْشُ فِيْهَاَ ؟

     قَاَلَ الرَّجُلُ :

- سَأَذْهَبُ إِلَىَ الْبَحْرِ فِىِ الْغَدِ ، فَإِذَاَ لَقِيُتَهَاَ، فَسَأَطْلُبُ ذَلِكَ مِنْهَاَ !

     وَلَمْ يَكُنْ الصَّيَّاَدُ، يُرِيْدُ ذَلِكَ فِىِ الْحَقِيْقَةِ، وَلَكِنَّهُ ، خَشَىَ أَنْ يُخَاَلِفَ زَوْجَتَهُ ، فَتَغْضَبَ وَتَبْكِىِ ، وَتُكَدِّرَ لَيْلَتَهُ...

     فَلَمَاَ كَاَنَ الْغَدُ ، ذَهَبَ إِلَىَ صَخْرَتِهِ ، ثُمَّ أَلْقَىَ الصِّنَّاَرَ ، فِىِ مَكَاَنِ الْأَمْسِ ، فَمَاَ أَسْرَعَ ، مَاَ اهْتَزَّ الْخَيْطُ ، وَظَهَرَتْ السَّمَكَةُ ، فَقَاَلَ لَهَاَ :

- أَيَّتُهَاَ الْأَمِيْرَةُ الْمَسْحُوْرَةُ ، إِنَّنَاَ نَعِيْشُ فِىِ كُوْخٍ حَقِيْرٍ، كَأَنَّهُ خَنْدَقُ ، فَهَلْ تَسْتَطِيْعِيْنَ ، أَنْ تَمْنَحِيْنَاَ دَاَرَاً ؟

     قَاَلَتْ السَّمَكَةُ :

- أُتْرُكْنِىِ ، وَلَكَ مَاَ تَشَاَءُ !

     فَأَطْلَقَهَاَ الصَّيَّاَدُ ، ثُمَّ عَاَدَ إِلَىَ كَوْخِهِ ، فَوَجَدَ مَكَاَنَهُ ، دَاَرَاً صَغِيْرَةً ، أَنِيْقَةً ، لَمْ يَحْلُمُ ، بِأَنْ يَكُوْنَ لَهُ مِثْلَهَاَ ، فِىِ يَوْمٍ مِنَ الْأيََّاَمِ ...

     عَاَشَ الصَّيَّاَدُ ، فِىِ هَذِهِ الدَّاَرِ الْجَدِيْدَةِ ، سَعِيْدَاًً ، هَاَنِئَاً ، لَاَ تَكَاَدُ الدُّنْيَاَ تَسَعُهُ ، مِنْ فَرْطِ سَعَاَدَتِهِ ، وَلَكِنَّ زَوْجَتَهُ، لَمَ تَقْنَعَ مِثْلَهُ ، بِمَاَ نَاَلَتْ ، فَمَاَ هِىَ إِلَّاَ أَيَّاَمُُ ، حَتَّىَ قَاَلَتْ لَهُ :

- يَاَ زَوْجِىَ الْعَزِيْزَ ، إِنَّ تِلْكَ الْأَمِيْرَةَ الْمَسْحُوْرَةَ ، تَسْتَطِيعُ أَنْ تَجْعَلَ هَذِهِ الدَّاَرَ الصَّغِيْرَةَ ، قَصْرَاً فَخْمَاً، فِىِ وَسَطِ حَدِيْقَةٍ غَنَّاَءٍ ، فَلِمَاَذَاَ لَاَ تَطْلُبُ إِلَيْهَاَ ذَلِكَ ؟

     ضَاَقَ صَدْرُ الرَّجُلِ ، بِاقْتِرَاَحِ زَوْجَتِهِ ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَسْتَطِعْ ، أَنْ يُخَاَلِفَ لَهَاَ أَمْرَاً ، فَذََهَبَ إِلَىَ السَّمَكَةِ ، وَأَنْبَأَهَاَ بِمَاَ تُرِيدُ زَوْجَتَهُ ، فَمَاَ هِىَ إِلَاَ سَاَعَةُُ ، حَتَّىَ كَاَنَ فِىِ مَكَاَنِ الدَّاَرِ ، قَصْرُُ فَخْمُُ ، كَأَنَّهُ مِنْ قُصُورِ الْأُمَرَاَءِ ، وَالْمُلُوكِ ، تُحِيْطُ بِهِ أَسْوَاَرُُ عَاَلِيةُُ، وَتَنْبَسِطُ حَوَاَلَيْهِ ، حَدِيقَةُُ عَظِيْمَةُُ ، ذَاَتُ أَشْجَاَرٍ مُثْمِرَةٍ ، وَأَزْهَاَرٍ عَطِرَةٍ ، وَطُيُوْرٍ مُغَرِّدَةٍ، فَفَرِحَتِ الْزَّوْجَةُ ، وَرَاَحَتْ تَتَنَقَّلُ ، بَيْنَ الْقَصْرِ وَالْحَدِيْقَةِ ، هَاَنِئَةً ، سَعِيْدَةً ، وَلَكِنَّهَاَ لَمْ تَلْبَثُ إِلَّاَ أَيَّاَمَاً ، حَتَّىَ خَطَرَ لَهَاَ خَاَطِرُُ ، فَقَاَلَتْ لِنَفْسِهَاَ :

     ( مَاَ دَاَمَتْ تِلْكَ الْأَمِيْرَةُ ، قَاَدِرَةً عَلَىَ كُلِ شَىءٍ ، فَلِمَاَذَاَ لَمْ نَطْلُبْ مِنْهَاَ ، أَنْ تَجْعَلَنَاَ أَمِيْرَيْنِ ، أَوْ مَلِكَيْنِ  ، نَحْكُمُ الدُّنْيَاَ، وَيُطِيْعُنَاَ النَّاَسُ، وَيُحِيْطُ بِنَاَ ، الْخَدَمُ وَالْوَصَاَئِفُ ، وَيَأْتِ الْجَمِيْعُ ، بَيْنَ أَيْدِيْنَاَ ، فِىِ طَاَعَةٍ وَاحْتِرَاَمٍ ؟!

     ثُمَّ ذَهَبَتْ إِلَىَ زَوْجِهَاَ ، فَأَنْبَأَتْهُ بِمَاَ خَطَرَ لَهَاَ ، فَقَاَلَ لَهَاَ :

- كَيْفَ يُمْكِنُ هَذَاَ يَاَ زَوْجَتِىِ ؟ إِنَّهُ مُسْتَحِيْلُُ...!

     قَاَلَتْ :

- إِذْهَبْ ، وَجَرِّبْ ، فَقَدْ تَنْجَحْ !

     أَطَاَعَ الصَّيَّاَدُ زَوْجَتَهُ ، كَمَاَ فَعَلَ ، فِىِ الْمَرَّتَيْنِ السَّاَبِقَتَيْنِ، وَطَلَبَ مِنْ السَّمَكَةِ ، أَنْ تُحَقِّقَ لَهُ ، هَذِهِ الْأُمْنِيَّةُ ، فَلَمْ يَمْضِ ، إِلاَّ يَوْمُُ وَاَحِدُُ ، حَتَّىَ رَأَىَ الصَّيَّاَدُ نَفْسَهُ ، مَلِكَاً عَلَىَ عَرْشٍ ، وَزَوْجَتُهُ إِلَىَ جَاَنِبِهِ ، تَلْمَعُ عَلَىَ رَأْسِهَاَ ، جَوَاَهِرُ التَّاَجِ ، وَالْخَدَمُ ، والْحَشَمُ ، يَسْعَوْنَ بَيْنَ أَيْدِيْهِمَاَ ، فِىِ إِجْلَاَلٍ وَطَاَعَةٍ...

     وَأَصْبَحَتْ إِمْرَأَةُ الصَّيَّاَدُ ، مَلِكَةً ، كَمَاَ أَرَاَدَتْ ، وَلَكِنَّ مَطَاَمِعَهَاَ ، لَمْ تَنْتَهِ ، عِنْدَ هَذَاَ الْحَدِّ ، فَقَاَلَتْ لِزَوْجِهَاَ :

- أيُرْضِيْكَ يَاَ صَاَحِبَ الْجَلَاَلةِ ، أَنْ يَكُوْنَ لَكَ ، الْعَرْشُ ، وَالتََّاَجُ، وًمُلْكُ الْأَرْضِ، وَلَاَ يَخْضَعَ لِحُكْمِكَ الشَّمْسُ ، والْقَمَرَ ، وَيَغِيْبَاَ بِلَاَ أَمْرٍ مِنَّاَ ، وَلَاَ إِرَاَدَةً ؟!

     إِرْتَعَدَ الصَّيَّاَدُ ، مِنْ الرَّهْبَةِ ، حِيْنَ سَمِعَ هَذَاَ الْقَوْلُ ، وَلَكِنَّهُ، لَمْ يَسْتَطِعْ ، أَنْ يُقَاَوِمَ رَغْبَةَ زَوْجَتِهْ، فَذَهَبَ إِلَىَ السَّمَكَةِ ، وَقَاَلََ لَهَاَ:

- أَيَّتُهَاَ الْأَمِيْرَةُ ...

     فَرَفَعَتِ السَّمَكَةُ رَأْسَهَاَ ، مِنْ تَحْتِ الْمَاَءِ ، وَقَاَلَتْ لَهُ :

- مَاَذَاَ ؟ أَلَمْ يَكْفِ زَوْجَتَكَ ، مَاَ نَاَلَتْ ْمِنَ الْعَظَمَةِ ، وَالسُّلْطَاَنِ ، وَسَعَاَدَةِ الْحَيَاَةِ ، فَمَاَذَاَ تُرِيْدُ بَعْدَ هَذَاَ ؟!

     قَاَلَ الصَّيَّاَدُ ، وَقَدْ غَرَّهُ ، مَاَ سَمِعَ مِنْ قَوْلِ السَّمَكَةِ ، وَظَنَّ أَنَّ بِهَاَ قُدْرَةً ، عَلَىَ تَحْقِيْقِ ، مَاَ تَطْلُبُ زَوْجَتُهُ :

- إِنْهَاَ أَيَّتُهَاَ الْأَمِيْرَةُ ، تُرِيْدُ أَنْ تَكُوْنَ سَيِّدَةَ الشَّــــمْسِ ، والْقَمَرِ ، لَاَ يَطْلِعَاَنِ ، وَلَاَ يَغِيْبَاَنِ ، إِلَّاَ بِأَمْرِهَاَ وَإِرَاَدَتِهَاَ...!!

     قَاَلَتْ السَّمَكَةُ :

- هَذِهِ آَخِرُ مَرَّةٍ ، تَحْضُرُ إِلَىَ هَذَاَ الْمَكَاَنِ ، لِتَطْلُبَ شَيْئَاً، فَعُدْ إِلَىَ حَيْثُ تَنْتَظِرُكَ زَوْجَتُكَ ، تَجِدُهَاَ فِىِ الْمَكَاَنِ اللَّاَئِقِ بِهَاَ ، وَبِكْ !

     ثُمَّ غَاَصََتْ السَّمَكَةُ فِىِ الْمَاَءِ ...

     فَلَمَّاَ عَاَدَ الصَّيَّاَدُ، إِلَىَ حَيْثُ كَاَنَتْ زَوْجَتَهُ ، لَمْ يَجِدَ ، إِلاَّ كُوْخَهُ الْقَدِيْمُ ، وَفِرَاشَهُ الْبَاَلِىِ ، وَزَوْجَتُهُ الْفَقِيْرَةُ ، فَقَاَلَ لِنَفْسِهِ:

     ( نَعَمْ ، صَدَقَتِ الْأَمِيْرَةُ ، وَوَفَّتْ ، فَهَذَاَ هُوَ الْمَكَاَنُ ، الَّذِىِ يَلِيْقُ ، بِأَهْلِ الْطَّمَعِ ، الَّذِيْنَ لَاَ يَشْكُرُوْنَ الله ، عَلَىَ

نِعَمِهِ ).

 

إِنْتَهِتْ


author-img
عزت عبد العزيز حجازي

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent