recent
أخبار ساخنة

هدهد سليمان وعش العصافير

 




الليل أخرس، معصوب العينين، أتثاءب حتى تطقطق عظام الفكين، وها هو سلطان النوم يطرق عيناي، كزائر غريب، ثقيل، لا أرغبه، وها هو وقع الأقدام المجهولة على السطح الصاجي يتلاشى مع دوران "عيد"
في نوبة حراسته حول النقطة، وفي الصباح، دوائر ضوء باهتة، راقصة، ضباب غائم، جو بارد. أتذكر مقولة للشاعر الإنجليزي البردان: إذا جاء الشتاء، فليس الربيع بب"عيد". مقولة قالها على ما يبدو ليصبر نفسه على بلواه، إذ أنه أجدر خلق الله بأن يعرف، بأنه إذا جاء الشتاء، فقد جاء، وأن دونه والربيع شهوراً من الغم البارد والعذاب المثلج المُقيم.

الهواء ساكن، ما من ورقة واحدة تهتز في غُصن واحد من ألوف أغصان الوادي، وعلى الدكة، ألمح  قطة لصق جدار المطبخ، تتبختر، تتسمر، تحملق بي، وكأنها تود أن تتكلم معي، ولكن تستبد بي رغبة شريرة لإحضار البندقية وإطلاق رصاصة على رأسها، إذ ربما تكون هى صاحبة أقدام الليلة الفائتة على السطح الصاجي، ولكن وفي طرفة عين يحل محلها هدهد، بدرجات من البيج والبني، على رأسه تاج فخور أحمر، وأمامه سيف على سبيل المنقار طويل، مدبب.. هدهد جمبل، علمني أبي منذ أن كنت جن مصوَّر أن أحبه، وأن أتفاءل به، وأن أتمنى شيئاً من البركات التي تتنائر من جناحيه حين يطير، فهو حكيم الطيور، خليل سيدنا سليمان، الملك، النبي.

الهدهد يبدو مضطرباً، حائراً، لا يقر له قرار، ولكن، أفرح به، إذ إختص تبتنا بشرف هبوطه عليها، ومن آسف ألا تطول فرحتي، إذ يطير مع أول إهتزازة لرأسي، فأعتب عليه وقد بسط جناحيه بسرعة وطار: إنها خبرة الطريق ولا شك، حيث يفقد العقل توازنه، وتنكمش الحكمة أمام سطوة المجهول.

أتابع الهدهد المذعور إلى صدر التبة الخلفي، وها هو يصل إلى بيت صخري، علوي، مشقق.

مدي لحظة، أشغل فيها بالتطلع إلى السماء.. فجأة، ضجة تنبعث من ناحيته، ثم، دوامة عصافير، تحلق، تصرخ، وفي مركز الدوامة، يتعلق، يضرب بجناحيه، يتفادي السقوط، يغوص، ينبش، يدمر عش العصافير تدميراً: لماذا إختار الهدهد هذا العش تحديداً؟. ولماذا تقع العداوة بينه وبين جنس العصافير؟. وهل لتلك العزلة المواتية تأثير ما؟، فصارت هداهد هنا غير هداهد هناك؟.. الآن، يشرف السفاح على إخراج أشياء من العُش، ينثرها في الهواء، أميز فيها ريشاً، وأوراقاً للشجر، وأغصاناًً صغيرة. ومن عجب كما يبدو من حماسته أنه يجد في عمله متعة كبيرة، غامضة، في نوبة طارئة، كنوبات جارتنا اللدود راشيل، ومن يدري، ربما كان يتناول إفطاره المعتاد، مثلما يفعل كل يوم.. ولكن، ها هو يتعب، أو يشبع، أو يزهق، إذ يضرب بجناحيه ضربة واحدة، ترفعه فوق سفح البناء الصخري، ثم يتلفت حوله في خيلاء الفاتحين، تاجه يرقُص فوق رأسه في زهو الظافرين، سيفه ممدد أمامه يقول: هل من مبارز؟. والعصافير لا تزال في دوامتها المحمومة، المجنونة، خائفة من أن يكون الوحش في فترة من الراحة، قبل أن ينقض على عش جديد، ولكن، ما أجمل رحمة السماء، برعدها الذي يقصف بشدة، أو حس الدنيا كما كان يطلق عليه زميلي الجنوبي في مركز التدريب. وها هو، سيف طويل يلمع في الفضاء، يخترق سُحب كثيفة، داكنة، وها أنا أحكم شالي حول رأسي، بعدما انفتح الدُّش الكوني، ليُغرق كل شئ، في الوقت الذي يطير فيه السفاح مذعوراً إلى مكان غير معلوم، وتعود العصافير التي لا تملك باباً واحداً لتحتمي وراءه من شرور الحياة، فأعتب على السماء التي لو بكرت قليلاً بهذا المطر، لربما أمكنها أن تنقذ بذلك عش العصافير، ومع ذلك، أليس من الممكن أن يكون صاحب العش عصفوراً فاسقاً، منحلاً، ويستحق من العقاب ما يجعله عبرة لجنس العصافير؟.

من أجواء روايتي "نقطه 14 مراقبة"

author-img
عزت عبد العزيز حجازي - المُحامي

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent