recent
أخبار ساخنة

فقراء الهند..!.(12)

 

فقراء الهند..!.

فقراء الهند..!.

 

      دهش "كريم" دهشة كبيرة، حين سمع ما قاله "مسعود"  عن فقراء الهند، والرياضات القاسية التي يروضون بها نفوسهم، ليتهذبوا ويتعودوا الصبر وقوة الإرادة، ثم خطر بباله أنهُم لا يتحملون هذه المشقات العنيفة إلا بسبب الفقر، فقال ل"مسعود": إن الهند  نبدو بلاد كثيرة الخير، فكيف تطيب نفوس أغنيائها بترك هؤلاء الفقراء البائسين يعانون  هذه الأنواع من العذاب، كما كانوا يفعلون عندنا، ولا يتصدقوا عليهم ببعض ما يملكون ليريحوهم من هذه المتاعب؟.

      ضحك "مسعود"  وقال له: أظننت يا "كريم" أنهم يتحملون هذه المشقات بسبب الفقر؟. لا، فإنهم ليسوا فقراء بالمعنى الذي يفهمه الناس من كلمة فقر، فإن معنى كلمة فقير في لغة الهند، يساوي معنى كلمة صوفي، أو زاهد، متعبداً، كاره لمتاع الحياة، فقد يكون بعضهم غنياً، كثير المال، فيتجرد من ماله، ويزهد فيه طائعاً مختارا، ليصير فقيراً، أي صوفياً، متعبداً، لا يحب الدنيا، ولا يقبل عليها، ولا يهتم بشئ من لذاتها، وهُم يعتقدون أن الصوفيَّ إذا صفت نفسه، وتهذبت طباعه، وتطهر قلبه من الشر، وتعود الصبر والإرادة، واحتمل العذاب الشديد،  ترتفع قيمته عند الله حتى يصير في مثل مرتبة الأنبياء، فيهب له الله قوة فوق قوة البشر، فلا يحس بالآلام، ولا بالحاجة، ولا بالعذاب، وقد يستغني في هذه الحالة عن الطعام وعن الشراب وعن الهواء، ويظل أياماً طويلة لا يأكل ولا يشرب ولا ينام ولا يتنفس إذا أراد، ويبقى مع ذلك كله حيَّّاً، وما هذا إلا بفضل فقره، أي تصوفه وزهده وتقربه إلى الله!

      قال "كريم": هذا والله من أعجب ما رأيت، وما سمعت ، ولولا أنك أنت الذي تقوله لي لما صدقت،.

      فقاطعه "مسعود"  قائلاً: أنظر يا "كريم"، لترى بعينيك مصداق ما قلت لك،

      فنظر "كريم" إلى حيث أشار "مسعود"، فرأى فقيراً هندياً، كبير السن، أبيض الشعر، طويل اللحية، كبير العمامة، عاري الجسد، راقداً على سرير كبير، بلا غطاء، ولا ملاءة، ولا خشبة، وفي مرقد السرير مسامير غليظة، حادة، قد انغرزت في ظهر الهندي النائم، وهو لا يحس بها، كأنه راقد على حشية من ريش النعام، وعلى شفتيه ابتسامة سعيدة، كأنما تحققت له بهذه النومة العجيبة كل ملذات الدنيا، فلما وقعت عين "كريم" على تلك المسامير المغروزة في جسد الهندي النائم، صاح متآلماً: هذا فظيع جداً، لو كان جسم هذا الرَّجُل من خشب لشعر بالآلم!.

      قال "مسعود" : ولكنه يا "كريم" لا يتآلم، بل لا يكاد يحس بأي نوع من أنواع الآلم، وقد يظل في هذه الرقدة الموجعة أياماً وأسابيع وأشهراً، يراوح بين ظهره وجنبيه على هذه المسامير الحادة، حتى تصفو نفسه وتهذب طباعه من شدة الصبر وقوة الإرادة، وقد ترى من هؤلاء الفقراء من يمد يده إلى النار المشتعلة، فتُشوَى كما يشوى الكباب، وهو لا يشكو ولا يتآلم، وفد ترى منهم من يدفن نفسه حياًَّ في فبر من القبور، ويُهال عليه التراب كما يُهال على الميت، ويظل حبيساً في هذا القبر أياماً، ثم يقوم،

وكان "كريم" قد تأثر كثيراً بذلك المنظر الذي رآه، وبالحكايات التي سمعها من "مسعود"، فشعر بدوار في رأسه وخفقان في قلبه، وأحس كأنما يكاد يسقط على الأرض مغشياً عليه، فما كان من "مسعود"  إلا أن قال له: كفى،. لن أحكي المزيد لك يا "كريم"، فإنني لا أريد أن أرى إبن أختى في هذه الحالة،. ولكني سأخذك في الغد إلى حديقة الحيوان، لترى عجائب أخرى، ولكن جميلة وطريفة،.!.

 

author-img
عزت عبد العزيز حجازي - المُحامي

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent