recent
أخبار ساخنة

أنا بنت حلوه ولهلوبه

  

 


أنا بنت حلوه ولهلوبه

 

لم تعد الحرب مجرد جنون وانتحار وعذابات للفقد والتيه والآلم، ولكنها صارت في الذاكرة جبال من الحزن والقلق والتية والخوف والترقب وركامات ظلمة تتشظى في انتظار فجر جديد قد لا يجئ أبداً.

كان بحر العيد شاسعاً وممتداً، وكان بستان بيت أبي وزهور شرفتي وبغبغائي وروايات مكتبتي وهاتفي، هم سلوتي ومبرري للبقاء على قيد الحياة، وفي يوم عيد زواجي، بدت الشمس مشرقة والنسيم عليلاً قادماً من الشمال، ضعيفاً ومحملاً بعبق بحر العيد الفتان الذي يدغدغ حواسي وحواس بغبغائي كوكي الذي يصدر صفافيره من قفصه، والصبية تحت البناية يحتشدون استعداداً تحت أشجار الزيزفون. سوف تعلو أصواتهم وتخترق الآذان بعد قليل، فرحت أغلق زجاج الشرفة وأدخل ثم أخذت في أدوات الغزل ووضعتها بين أصابعي، وحالما تناهي لسمعي أصوات الصبية، ثمة ضوء لاح في داخلي، يهدي إلى الطريق ويضع المحاذير في الوقت نفسه، ولكنه ضوءً مًربك يحركني نحو الأحلام، والتفكير الكثير في الحزن المبهم الذي سيطر عليّ عند منتصف ليلة أمس، لما تركت نفسي نهباً للدموع ورأسي على وسادتي الباردة، حينها بدأت أشعر بموقعي في هذا الكون كأنثى لم تنجب طفل، وبدأت أدرك في داخلي العلاقة بيني وبين زوجي العقيم، حتى تحول ذلك الإدراك إلى عبء ثقيل أكثر مما تحمله روحي المعذبة بالهواجس والأفكار. ولكن ربما هكذا تكون بدايات الإحساس بالعالم غامضة ومعقدة ومشوشة ومربكة. القليل من نجا حين داهمتهم لحظة الكشف والإدراك تلك. أرواح كُثر تلاشت في غمرة الإضطراب هذه.

إن صوت بحر العيد لساحر، لا يتوقف عن الهمس ولا يتوقف عن التصفيق ولا يتوقف عن الهمهمة. إنه يشبهني وأنا أشبهه. يدعو روحي كل ليلةً للبحث عن مرفأ في مهاوي الوحدة ومفازات التأمل الباطن. إن صوته يخاطبني وملمسه يدغدغ حواسي وهو يطوي جسدي مُذ كنت طفلة في عناقه الطري الحميم وأنا ألعب وألهو على شاطئه وأكاد أطير على رماله مثل فراشة بستان بيت أبي، غير مكترثة بالحرب الأهلية الدائرة في مدينة بيروت وقد علا ترنيمي بغنوتي الطفولية الحميمة إلى قلبي:

 

أنا بنت حلوه ولهلوبه

وضفيرتي شقيه ومعقوده

وبفمي أحلى بمبونه

 

كانت القذائف الصاروخية تنهال أحياناً على الأطراف الشمالية لمدينتي صيدا القديمة، وبالرغم من ذلك كنت أضج بالحياة بين زواربها الضيقة، وكانت بنت الجيران هناء تناديني في الصباح الباكر جداً من تحت شرفة بيتنا بصوتها البيانو: حنان . حنان. فأرد عليها بصوتي الكمنجه: نازله. نازله.

كنت دائماً استيقظ مع صياح الديك كعادتي كل يوم، وأنهض عن تختي الوثير بهدوء ناسك، ثم أغتسل عند الحوض المعدني وأمشط شعري الأسود الناعم المسترسل على ظهري، صانعة غرة على جبيني، وارتدي التنورة القصيرة الزرقاء، والبلوزة الضيقة البيضاء، والحذاء الجلدي اللامع الأسود في أبيض، طابعة بحذر قبلة على خد عمتي فريال النائمة كالملاك في فرشتها الوثيرة ومهرولة إلى المطبخ لأجد أمي كدأبها كل صباح، تقوم بتحضير أرغفة الجبن والمربى والبيض المسلوق لي ولإخوتي البنات وأخي الأصغر، فألتقط منابي في حقيبتي المدرسية الخضراء، وفي الخارج رحت أعتذر لرفيقتي هناء: آسفه اتأخرت كعادتي كل يوم. فتضحك مني وتقول: ههههههه. سماح ككل مره، لكن تعبتيني معك يا بنت. فأشارك رفيقتي الضحك ونحن نمشي سويَّا إلى مدرستنا الإبتدائية في الحي الأمريكاني، قاطعين الزروب ذي السقف المقوس لأعلى من الحجارة البيضاء والمرصوص على الجانبين بواجهات البيوت والبواكي والمقاهي والمحلات مغلقة الأبواب في معظمها والتي لم يصحو أصحابها مع صياح الديك مثلنا.

كنت أنا البنت الصيداوية الحلوة الشقية شتلة الورد وأصغر إخوتي البنات وأخر العنقود سكر معقود، كما تنعتني أمي وعمتي فريال، يشاركني في تلك المكانة الأسرية أخي ماجد أصغرنا جميعاً. أما عن أسعد اللحظات التي كنت أشعر فيها بجمال طفولتي هى عندما كنت أذهب إلى  مدينة بيروت برفقة أبي وأمي وأخواتي داليا وريم وجلنار وشهد ورودينا، إضافة إلى أخي ماجد، قاصدين زيارة عمي زاهر أخو أبي في بيته الكائن في قلب مدينة بيروت، ذلك البيت الفسيح المكون من دور واحد. وكان أشد ما يبهرني في هذا البيت هو لون بلاط بهو الشقة المتموج بالدوائر والخطوط والمثلثات الزرقاء. من يراه يظن بأن البهو مسبح. وكنت أعشق الأكل من حلويات عمي الشرقية التي كان يقوم بصنعها بإتقان خبير، وبيعها لأهل بيروت في محله الشهير بوسط المدينة، خاصة كعكة الكنافة المحشوة بالجبن التي كنا نتناولها في الفطور وأستلذ بأكلها استلذاذي بأكل الفاكهة، ولا أريد أن تنفذ من الصحن الفخار وأنا ألعق ما علق بأصابعي من بقاياها. كما أعجبني كذلك في بيت عمي بستان كبير ملئ بأشجار الحامض والفاكهة وشتلات الزهور والورود. تماماً مثل بستان بيت أبي. وكنت وأخواتي وأخي نلهو ونلعب مع أولاد عمي أنس وتميم وجميل، وأختهم الوحيدة سهام. 

جزء من أجواء روايتي "بحر العيد"

author-img
عزت عبد العزيز حجازي - المُحامي

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent