recent
أخبار ساخنة

تاج محل..!. (16)

تاج محل..!.
 

تاج محل..!.

 

      أمسك "كريم" بذراع "مسعود" وهو يقول مدهوشاً: ألم نكن منذ لحظات فوق جبال هملايا؟.

      إبتسم "مسعود"  وقال: بلى، قد كنا هناك يا "كريم" منذ لحظات، أما الآن فنحن على بعد سحيق من جبال هملايا، ومن قمة إفرست، فإننا الآن في مدينة آجرا، حيث تشاهد بعد قليل أعظم بناء تاريخي في الهند، بل في العالم كله، ذلك هو القبر الذي بناه الشاه ديجهان لتدفن فيه زوجته، والذي يسمونه تاج محل،

      قال "كريم": إنني لا أكاد أصدق  أننا نجونا من تلك العاصفة الثلجية التي كادت تحطمنا في مجاهل الجبال، وأقول لك الحق : إنني كنت في أشد الخوف!.

      قال "مسعود": لقد استطعت في اللحظة الأخيرة أن أدير جهاز طائرتي وأجذبك معي، بين زئير الرياح، وزمجرة العاصفة، ولولا ذلك لهلكنا في مجاهل الجبال، ولم يقف لنا أحد على أثر!.

    كان السائحان المغامران الصغيران قد وصلا أثناء هذا الحديث إلى تاج محل، فهبطا في حديقة غناء تحيط بذلك البناء ال"مسعود"، وكان البناء كله من المرمر الأبيض النقي، المجلوب من محجر جبل ماكراتا، والذي يبعد مئات الكيلو مترات في إقليم راجستان، وتم استحضار الحجر الرملي الأحمر من دلهي، كما أحضرت الحجارة ال"كريم"ة بالقوافل من كل أنحاء الأرض، اليشب من البنجاب، والعقيق الأحمر من بغداد، والفيروز من التيبت، والملكيت واليشم والكريستال من تركستان، وغيرها من اللؤلؤ والماس والزمرد والصفير،. أكثر من أربعين نوعاً من الأحجار ال"كريم"ة، ويقع البناء على مصطبة كبيرة مربعة، مغطى سطحها بالمرمر الأبيض، وأقيمت عند كل زاوية من زوايا المصطبة مئذنة متناسقة الأجزاء، عالية، إرتفاعها 37 متر، يحيط بدائر كل منها ثلاث شرفات، وفي وسط المصطبة يرتفع الضريح في شكل رباعي، وتشغل الجزء الأوسط من البناية القبة الرئيسية، وقطرها 17 متر، وارتفاعها 22.5 متر، وحولها مجموعة من القباب العالية ذات لون أزرق صاف، كأنما تنعكس عليها زرقة السماء الصافية، ولكل من واجهات البناية الأربع مدخل عال مغطى بعقد، وتحت القبة الكبرى التي تعلو وسط البناية، ضريحان، وكلاهما مزخرف بالنقوش، وتحيط بالبناء كله حديقة نضرة، ذات أشجار وثمار وأزهار، قد فاح عبيرها العطر إلى مسافة بعيدة،كما تم تزويد المبنى بثلاث بوابات رئيسية، وبالدخول عبر بوابة التاج الهائلة المبنية من الحجر الرملي الأحمر، ويظهرعلى يمين البوابة غرف العمال والمهندسين الذين بنوا المكان، وفي أعلى البوابة الضخمة تطل 22 قبة صغيرة تشير لعدد السنوات التي استغرقها بناء تاج محل، كما تم بناء منحدر بطول عشرة أميال عبر أكرا لتحقيق إمكانية سحب مواد البناء إلى قمة القبة في موقع البناء، وللتمكن من رفع القبة شيدت سقالة هائلة، حيث تطلب هذا الجزء من المبنى على وجه الخصوص الكثير من الجهد والمال، ويقال إن القبة وحدها كلفت أكثر من باقي المبنى كله، وتقول الأسطورة إن الشاه ديجهان حين اقتراب تاج محل من النهاية، قيل له إن تفكيك السقالة سيستغرق خمس سنوات، فما كان منه إلا أن أعلن أن كل من يرفع قرميدة تصبح ملكاً له، وإذ بالمهمة تنتهي بين ليلة وضحاها، ومن الجدير بالذكر يا "كريم"، أن مدينة ممتاز أباد تنامت حول المشروع لإيواء العمال الذين اشتغلوا عشرين عاماً لبناء الصرح!.

      قال "كريم" وهو ينظر حواليه إلى هذا الجمال المتعدد الألوان: ما هذا كله ؟.

      قال "مسعود" : إن بناء هذا الأثر يا "كريم"، كما قلت لك، قد استغرق عشرين عاماً، واشترك في بنائه عشرون ألف عامل، وقد بناه الشاه ديجهان في سنة 1630، ليكون قبراً لزوجته التي كان يحبها أعظم الحب، فحلف أن يبني لها قبراً ليس مثله قبر في العالم، وقد صدق الشاه في يمينه، وبنى هذا القبر العجيب، ولكنه لم يكد ينتهي من بناءه بعد عشرين سنة، قضاها في جهد متصل، حتى وافاه أجله، كذلك، فدفن إلى جانب زوجته في قبر مجاور للقبر الذي بناه لها،

      قال "كريم" معقباً: حقاً إنه قبر عظيم، ولكنه ليس أعظم من أهرامات مصر الضخمة التي بناها الفراعنة القدماء، ليُدفنوا فيها بعد موتهم، وإن أصغر هرم من الأهرام التي رأيناها في صحراء الجيزة، ونحن في طريقنا إلى الشرق، لأعظم وأضخم من قبر الشاه ديجهان وزوجته!.

      قال "مسعود"  وهو يبتسم: صدقت يا "كريم"، ولكن، لا تنسى أن أهرامات الجيزة إذا كانت تمتاز بالعظمة التي تدل على الجبروت والقوة، فإن تاج محل يمتاز عليها بالجمال والحنان والرقة والحُب، وبين العظمة وتلك الصفات فرق كبير، ولا تنسى كذلك يا "كريم"، أن هذا الأثر الجميل تاج محل يرمز بجماله ورقته وحنانه إلى معنى من معاني الوفاء بين المحبين، لا تجد مثله في آثار الفراعنة المصريين!.

      قال "كريم": هذا حق ، فقد بذل الشاه ديجهان كثيراً من ماله وصحته، وفاء لذكرى زوجته، حتى لحق بها ودفن إلى جوارها في القبر الذي بناه لها، وإنه لإخلاص عظيم يُضرب به المثل!.

      وفي تلك اللحظة، لمح "كريم" شجرة رُمان مثمرة، قد تزينت أغصانها بزهر الرمان وثمره، فمد يده إلى رُمَّانة ضخمة، فقطفها، ثم نزع جزءاً من قشرتها وأخذ يأكلها، فلم يكد يفعل ذلك حتى أقبل نحوهما مهرولاً حارس الحديقة الهندي،.!.

author-img
عزت عبد العزيز حجازي

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent