recent
أخبار ساخنة

نهود من ورق..! (13)

 

نهود من ورق..!

نهود من ورق..!

 

 

      في الغد اصطحب "مسعود"  ابن أخته "كريم" إلى حديقة الحيوان التي تتفوق بجمالها على حدائق كلكتا كلها، حيث تتنوّع حيواناتها الطائرة والزاحفة والمفترسة، وفيها أيضاً تعرض أسواق تراثية مختلف أنواع البضائع القماشية والخشبية والحجرية والزينية، وتتجول في أرجائها فرق شعبية، أعضاؤها حُفاة، أنصاف عراة، تعرض مسرحيات عن حيوات الآلهة الإغريقية وصراعاتها، ورقصات متنوعة. وفي جوف الحديقة أخذ "مسعود"  و"كريم" صورة تذكاريةً للمرة الأولى مع نساء رحبن بالوقوف معهما دقيقة صمت أمام صاحبة الجلالة كاميرا مصور الحديقة، فيما بعد عرف "كريم" من "مسعود" أن لا يفرح كثيراً، فالصبايا اللواتي تصور معهن صبايا مزيفات!

     فقال "كريم" في دهشة بالغة: كيف ؟. 

      أجاب "مسعود"  بابتسامة: هؤلاء اللائي تظنهن بنات لسن إناثا ولا ذكوراً، إنهن مخنثات!

     قال "كريم": ولكنّ لهن نهوداً و،.

      قال "مسعود"  بخبث: نهودهن من ورق، يا "كريم"؟.

      إندهش "كريم"، ولكنه مضى مع "مسعود" يجوبان الحديقة بعد استلام الصورة التذكارية ودفع ثمنها، فقابلهما الرجل القرد في ممرات الحديقة، وقدم عرضاً في ألعاب الخفة، وقد بدا الرجُل القرد رجُل قصير، مربوع، مذيل بذيل مستعار، وملون الوجه بقناع القرود، ولما استغرب "كريم" منظر الرجُل، قال له "مسعود" : لا تستغرب يا "كريم"، فالإله القرد هانومان أقوى الآلهة الهندية، وهو بطل أفلام الكرتون وسوبرمان الهنود،

      أدخل الرجُل المقرود كرة تنس الطاولة في فمه، وتقيأها عشر روبيات، روبيةً تنطح روبيةً!

       فطلب "كريم" من الرجُل إعادة الكرة، لعله يكتشف خدعته، فلم يفلح.

      لم يكُ الرجُل الزرافة أقل إدهاشاً من الرجُل القرد، فقد فوجئ "مسعود"  و"كريم" في أحد الأقسام بهندي ينتصب أمامهما احتراماً، هو ثالث أطول رجُل في العالم، طوله متران و ثلاثة وخمسون سنتيمراً، الآدمي الأطول في العالم طوله متران وخمسة وخمسون، كان يمكن لصاحبهما الزرافة هذا أن يكسر رأس البنغلادشي الذي يحمل لقب أطول رجُل في العالم، ويدخل كتاب العولمة المقدس، موسوعة جينيس للارقام القياسية، لولا أنه زهد بطوله، وخشى أن يموت غرقاً بين الغيوم، فكان بين أمرين، إما أن يضع رأس صناعية، أو يعمل عملية جراحية تقول لعظامه كفى،

      وقف "مسعود"  و"كريم" مع الرجُل الأطول يتأملانه، فصاغ الرجُل العجيب إبتسامةً صناعيةً، ومد يده التي يستطيع رضيع أن ينام في مهدها قرير العين هانيها، فظنا أنه يطلب أجر الوقوف معه، لكنهما أدركا أنه يطلب مصافحتهما، فعرفا أنه يعمل في الحديقة بصفة نُصُب تذكاري حي، وبأجر شهري مؤقت يبلغ ثلاثة آلاف روبية،.

       علم "مسعود"  و"كريم" أن كاتايا "وهذا هو إسمه"، يعيش في إقامة جبرية بالحديقة، لأن نقله يحتاج إلى رافعة وشاحنة نقل بضائع لحلِّه وترحاله، إذ لا يمكنه الدخول في سيارة، أو باص، أما سريره، ففي إحدى مقصورات الحديقة التي كان البريطانيون يقيمون فيها إبان الإحتلال، فكانت مؤلفةً من منصتي تنس الطاولة متلاصقتين، ولا يوجد في مقصورة كاتايا سوى لوازم طبخ طعامه الذي يقتصر على الرز ولوازم النوم،

      علم "مسعود"  و"كريم" كذلك أن كاتايا ينهض من نومه في الثامنة، ويتناول فطوره، ثم يذهب ليجلس أمام باب بلا بيت، باب زينة، ورسم لفيل كبير، وينتظر الزوار وحجاج الصور التذكارية، ثم يرتاح من الساعة الثانية حتى الخامسة، ويعود بعدها إلى عرشه حتى الساعة الثامنة، بعدها يتجول في الحديقة بين أشجار النخيل، كما يتجول طفل بين سنابل القمح وسط دهشة الزوار،     

سأله "مسعود" : ألا تفكر في الزواج، يا سيد كاتابا؟.

      أشار كاتابا بيده إلى طول أنثى مفترسة متحسّراَ،     

بدا كاتابا ل"مسعود"  و"كريم" خجولاً، وعندما أعطاه "مسعود"  بعضاً من التمر في منديل، فلم يفتح لخجله المنديل، بل دسه في جيبه، ليفتحه في وقت آخر،

وها هو كاتايا يعطي ظهره ل"مسعود"  و"كريم" وباقي الزوار، ثم يمشي بصعوبة حاملاً قدميه العاريتين،

      لاحظ "كريم" أن إبهام قدم كاتايا اليسرى مجروحة، فأخبر "مسعود"، فرد عليه: قد يكون إصطدم  بحجر، بالرغم من أن دربه ممهدة وقصيرة، لا تتجاوز نصف فرسخ إلى مقصورته، فكما ترى، هناك صعوبة في تحكمه بجسمه العملاق، فهو يحمل ركبتيه اللتين تخذلانه أحياناً،

      ثم استطرد "مسعود" : خسارة، أتعلم يا "كريم" أنه كان يمكن لـكاتايا أن يصير كومبارساً محترفاً في الأفلام السينمائية، أو مروج بضائع ورجُل إعلانات، إلا أن الهنود على ما يبدو يفضلون الأمتعة التي يروجها نجوم السينما الكبار الذين يأتي في مقدمتهم أميتاب باتشان، أشهر نجم في تاريخ الهند. وأكثرهم حظاً في ترويج السلع وتوزيع اللكمات في الشاشة على الأشرار، لا ينافسه في نجوميته إلا نجم الكريكت ساجين تاندولكر معبود الهندوس..!.

author-img
عزت عبد العزيز حجازي - المُحامي

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent