recent
أخبار ساخنة

كش ملك

 
كش ملك

كش ملك. ونحن ماضون بآلية إلى الوضوء، تتكرر الإفتتاحية بيننا جميعاً، إلى حد أنها أصبحت تضحكنا، وصرنا نرددها كطقس آليف ولطيف، يؤذن بانطلاق الحديث المحجوز الذي يتدفق –مزاحاً بقوة وصخب!.

، ننتهي من صلاة الظهر، ورغم نسمة باردة، إلا أن السماء تبدو صحواً، وأشعة الشمس تضفي على النهار دفئاً محبباً في صباح ربيعي، وفي المطبخ، يطبخ راعي الإشارة جرجس بمساعدة صاحب الراديو وجامع الحطب وجبة غداء ساخنة،. وفي المبيت، وجوه زملائي لا تزال محشوة كعادتها بالوحشة، بالكآبة، ومع ذلك، أحببتها، فهى تحاول دوماً أن تقنعني بأن الكائن الحي هنا، ليس وظيفة ولا حجراً، عيّداً الله، أني لست وحيداً في هذا الخلاء القاهر، مُتذكراً بيتاً للشعر: أحب هذه الوجوه، وتلك لا / وأرتعد عند اللقاء بتلك، وتلك لا!، وحتى الطبيعة هنا، أراني صائراً إلى التعلق بها، فها هو نهار سيناء، وقد اختلف عن نهار الجانب الآخر من العالم، حيث النهار هناك، نهار من يعمل، والنهار هنا نهار من يتأمل، والتأمُل بلا شك لا يقل أهمية عن العمل، فإذا كان لابد من العمل لصنع العالم، فإن التأمُل ضروري لإدراكه وفهمه والإضافة إليه، خاصة في نقطة مراقبة تحيا بأحشائها، منقسمة إلى نقطتين، إحداها لصقور النهار، والأخرى لذئاب الليل، وفي هذا الجو: هل يجوز الشفقة على كائنات يحيا مصيرها بعنف، وسط جملة من الأخطار المحدقة، المخلوطة بالوهم، واللا وهم؟!.

، نتناول الغداء، ثم يمض يومنا بين إعطاء التمامات للكتيبة البعيدة عن بقعتنا القصية بمئات الكيلو مترات، وسماع صوت الراديو، والتنقل بين التبة والمبيت، وتبادل للأحاديث، ولعب أدوار الشطرنج والكوتشينة، ولعب كرة قدم على أسفلت المدق الأسفلتي المواجه لصدر التبة، تاركين مهمة إعطاء التمامات لصولنا الحبيب، الحريص على ترك مساحة لا خطر منها من الترويح عن النفس لجنود مراقبة يتوقون إلى الخلاص من براثن الملل والرتابة والترقب والحذر والإنتظار والسأم الطويل، وها هو يتلاشى ضوء النهار بالتدريج، ومع أخر عربة فضية نصعد التبة، وفي المبيت، نركن الكرة تحت أحد الآسرة، ثم يباغتني كبير المراقبين بطلب لعب دور شطرنج، يريد على ما يبدو أن يعوض خسارته أمامي في لعب الكرة، وفي الحال، يقوم هو برص قطع الشطرنج على لوحتها، العساكر واقفة في مكانها عاجزة عن الحركة، أصابعنا الكبيرة تلتف حولها، وتحركها من مكان إلى مكان: كش ملك!.

، يبدو أن الملك لا يود أن يكش، فيرتفع الصوت مردداً كش، ولما لم يستجب الملك، تبدأ النبرة يعلوها الغضب، والأصوات تختلط بعضها ببعض، فأبادر: هذه قواعد اللعب يا أخي!.

أنت تغش!.

، يقول كبير المراقبين، فأرُد بضحكة باهته تثير غضبه أكثر: أنا أكثر منك أمانة!.

-أنت جاهل!.

-أنت حمار!.

، تركنا الملك، وكدنا أن نشتبك في معركة بالأيدي، بعد أن ارتفع الغبار في الجو، وانتشر لعابنا من حولنا، وأنفاسنا تلهث، ولا يمض الكثير من الوقت، حتى يتقدم مني كبير المراقبين بقطعة خبز وحفنة ملح، وهو يقول: لا تغضب مني يا أخي، أنا أحبك في الله، ولكن الشيطان شاطر!.

، ثم يعقبها: صافي يالبن!.

، أتناول منه قطعة الخبز، والدموع تكاد أن تطفر من عيني، وفي الحال، أقسم قطعة الخبز نصفين، واحدة لي، وأخرى له، وأنا أبتسم وأهمس لنفسي:ضفدع طيب!.

 من مجموعتي القصصية "عفريت جولدا"
author-img
عزت عبد العزيز حجازي - المُحامي

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent