recent
أخبار ساخنة

يوم في حياة بيروت


كان بكائي وصُراخي حين مولدي في قرية "بشيت"، وكأنه احتجاجاً على ما يلاقيه وطني من جور الإحتلال، ولا أعرف في أي عام ولدت،لأن شهادة ميلادي فُقدت مع أبي حين موته بسبب الحرب. وهى نقطة ظلتمُحيرة في حياتي. ولكن. أمي قالت أن ميلادي وافق الحرب العالمية الثانية، مطلع الأربعينات من القرن العشرين، ذات ليلة شتوية شديدة البرودة والمطر، وآني كنت أبكي وأصرخ بشدة، على غير مألوف مواليد قريتنا.

كان أبي "عبد الله" في مطلع شبابه يعمل "خبازاً" في معسكرات الإنجليز وقت مولدي، وأمي "زهره" كانت فلاحة عادية من قريتنا، ولا صلة قرابة بينها وبين أبي. أما عمي"شهاب" فقد قتله عملاء الإنجليز، لآنه كان من ثوار القرية الذين ينفذون عمليات المقاومة في أنصاف الليالي، وفي النهار هم فلاحون عاديون يعزقون الأرض. وعن عمي الأصغر "شاكر"، فقد أعدمه الإنجليز لحيازته سلاح ضبطوه في دارته. حدث ذلك قُبيل اغتيال عمي "شهاب". هذان العمان أوجدا في دارة جدي "عرفه" أبو أبي، حالة وطنية متفجرة، وبعد موت جدي حُزناً على فقد ولديه، إضطر أبي لترك عمله في "الخبازة" التي كان يستعين بها للتجسس على الإنجليز، ورصد تحركاتهم لحساب الثوار، والعمل في فلاحة الأرض التي ورثها كلها عن أبيه، باعتباره وريثه الوحيد. وكان لأبي أصدقاء كُثر من قريتنا ومن القرى المجاورة، يترددون على دارتنا سراً، ويعقدون الإجتماعات التي تدور حواراتها عن الغازي الجديد بعد رحيل الإنجليز، وتدبير الخطط لمقاومته، وتحصين القرية ضده. وهكذا. في مثل هذا الجو نشأت، وتعلمت معنى الوطنية، ومعنى أن تفقد فجأة عائلتك وأرضك ودارتك، لتبدأ رحلة البحث عما فقدته، وحين وصلتني رسالة من صديق يخبرني عن "وضاح"، وأنه في مثل عمر ولدي المفقود، طرت من السعاده، لعله هو، فقد بحثت عنه في كل وجوه وأسماء شباب المخيم. وعلى الإثر.. قلت لزوجتي: يبدو أن طائر الوروار هبط. فتهلل وجه زوجتي وسألتني: أين؟. فأجبتها: بيروت. وفي صباح اليوم التالي. بدا الهواء مُنعشاً وأنا أحشر بدني في السيل البشري المندفع عبر بوابة المحطة، فوجدت نفسي في ساحة غاصة بالباصات، تناثرت بينها جموع الناس من جهات عديدة، فتباطأت خطواتي المترددة أصلاً، ولم أدر. هل أسير على قدمي؟، أم أستقل أحد الباصين اللذين ينتظران في مدخل المحطة؟. وهكذا. توقفت متردداً، ووضعت حقيبتي العتيقة ذات الزوايا المعدنية على الأسفلت، وأخذت أتلفت. لعل من اللازم الإستفسار من أحد عن العنوان. فأخذت اتصفح وجوه الناس من حولي، لأختار من بينهم، وقد بدت الساحة تعج بهم، إلا أنهم كانوا يمرون بي، وكأن لديهم أشغالاً لا تقبل التأجيل، فظللت أتطلع في وجوههم، حتى عزمت على مخاطبة شخصاً كهلاً. ربما في مثل سني. يقف بجوار "كُشك" خشبي، وبيده جريدة يتظر فيها باهتمام. فاتجهت متثاقلاً نحوه. قلت: أين شارع 7 عيون؟. فرفع الرجُل وجهه عن الجريدة، فلاحظت أمارات الإستياء على هذا الوجه المُغضن بالتجاعي كوجهي، وفي العينين الضيقتين اللتين تطلعتا نحوي بصرامة عبر النظارة الطبية السميكة، وطال صمته. ربما أرادت ذاكرته استعادة موقع الشارع ذي السبع عيون، وربما أراد أن يتفحصني أنا ببنطلوني الرمادي، وقميصي الأبيض، وكل أزراره مشدودة حتى الياقة رغم الحر الشديد. وبتأثير هذه النظرة المتفحصة، شعرت بالآسف، لآنني لم أشد في دارتي ربطة العنق المُعلقة منذ سنوات على مسمار مثبت في الدولاب خصيصاً لهذا الغرض، إلا أنني لم أحب ربطة العنق تلك، ولم أجد شدها، فارتديت، وأنا أستعد للسفر، نفس اللباس الذي أرتديه أثناء الأعياد.. بنطلون رمادي يكاد يكون جديداً، وقميصاً أبيض من القطن المصري أرتديه للمرة الأولى، مع أنني اشتريته من زمان. ولكن الجميع في المخيم يرتدون زياً آخر. فانيلات خفيفة بنصف كُم، أو قُمصان بيضاء مع ربطات عنق. ربما بمناسبة عطلة نهاية الأسبوع. ولكن لا بأس. إن لباسي البسيط مقبول، وهل همومي قليلة، لأفكر طويلاً بمظهري الخارجي؟.

"شارع 7 عيون". همس بها الرجُل عدة مرات، يتذكر موقعه، ويلتفت إلى موقف الباص. قال: إركب الباص 9، وفي الميدان إهبط، وأعبر إلى الجانب الآخر. قرب المطعم، ومن هناك، إركب الباص 11، وبعد قليل. إسأل عن الشارع. ستجده على بُعد 200 متر تقريباً من هناك. وهكذا. مع أن ذاكرتي لم تحتفظ بكل تفاصيل هذه التوصيلة المعقدة، ولكني لم أرد تأخير هذا الرجُل المشغول بجريدته. ومع ذلك. سألته مُجدداً: المسافة بعيدة؟. فأجاب: لا تزيد عن كيلو مترين". شكرته.. وفضلت المشي، وأخذت أسير بربكة بعض الشئ. كنت حريصاً على عدم إعاقة المارة بحقيبتي، وكلهم مسرعون، والغريب أنهم كانوا يسيرون نحو المحطة، وقد صادفت بالفعل حانوت الأطعمة الغاص بالناس، فتطلعت عبر زجاج الواجهة، فدُهشت لآن جمع من الناس ظل يحتشد في الحانوت كالنحل في الخلية، وفي هذا الوقت شبه الباكر. ولكنني تابعت سيري حتى رأيت لوحة هائلة، فاقتربت أقرأ إعلاناً عن مباراة لكرة القدم ستجري اليوم بين فريقين محليين، فأدركت بشئ من الدهشة سبب الحركة التي تدب في "بيروت"، ومن المعلوم لمن يعرفني أنني لا أبدي اهتماماً بـتلك اللعبة، وحتى في التليفزيون نادراً ما أتفرج على مبارياتها، وأتصور أنها تسلية للصبية والشبان الذين يمارسونها في حارات المخيم وأمام باب دارتي، أما بالنسبة للكهول وذوي العقل السليم، هى لعبة أطفال بعيدة عن الجدية، إلا أن رأي أهل المدينة مختلف كما هو واضح، فهى تزحف ببطء قرب الأرصفة، وتتدلى من أبواب الباصات المفتوحة كالعناقيد، إلا أن أغلبية الباصات ظلت تتهادى خالية من الركاب في الاتجاه المُعاكس. المهم. توقفت هنيهة في ركن من الميدان، وظللت صامتاً مندهشاً بعض الشئ لهذه الظاهرة العجيبة في حياة "بيروت" التي تغيرت كثيراً عن ذي قبل، وزالت عنها آثار الحرب الأهلية التي سمعت عن أهوالها، وعشت بعض مآسيها. 

تابعت سيري على الرصيف متمهلاً، وأنا أقرأ أسماء الشوارع الجانبية، حتى رأيت رقعة زرقاء كُتب عليها شارع 7 عيون، فدلفت إلى الشارع الواسع، ولكني لم أجد على أي دارة الرقم المنشود، فاتضح أن الدارة التي أنشدها لا تزال بعيدة، فظللت أسير وأنا أراقب الدور الهادئة هدوء مراعي الجليد.

 مقدمة روايتي "بحر النار" من الأدب الفلسطيني

author-img
عزت عبد العزيز حجازي

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent