recent
أخبار ساخنة

الحاوي الهندي..!.(10)

 

الحاوي الهندي..!.

الحاوي الهندي..!.

 

      قضى "مسعود" و"كريم" ليلة هادئة في الفندق الذي نزلا به في مدينة "كلُكتا"، ثم استيقظا مبكرين، ليستأنفا جولتهما في شوارع المدينة الهندية العظيمة، وقد اختارا أن تكون جولتهما في هذا اليوم بالأحياء الراقية، فأخذا يتنقلان من شارع إلى شارع، حتى وصلا إلى ميدان فسيح، فشاهدا زحاماً كبيراً قد اجتمع الناس فيه على شكل دائرة تحيط بشئ لم تقع عليه أعين السائحين المغامرين، فقال "كريم" لـ"مسعود": ما بال هؤلاء القوم قد استداروا على هذه الهيئة؟.

      أجاب "مسعود": لابد أن يكون في وسط هذه الدائرة منظر مُعجب، فتعال نشاهده.

      إقترب الفتيين الإثنين من الدائرة، وتسللا بين المزدحمين، حتى استطاعا أن يريا، وكان في داخل الدائرة هنديان عاريان من الثياب، إلا خرقة صغيرة تستر العورة، وعلى رأس كل منهما عمامة ضخمة، وكان أحدهما شيخاً هرماً، والآخر صبياً لا يتجاوز العاشرة من عمره، فلما وقع عليهما نظر "مسعود"، قال لصديقه "كريم": أظنك لم تزل تذكر يا "كريم" الحاوي الصغير الذي رأيته في مدينة الأسكندرية يعرض ألعابه العجيبة؟.

      قال "كريم": نعم، نعم، إنني لم أزل أذكره!.

      قال "مسعود" : فهذان الهنديان يعرضان مثل تلك الألعاب، أو أعجب منها، أنظر،.

      وكان بيد الشيخ الهندي في تلك اللحظة أصيص من الفَخَّار مما يُتّخذ للزرع، فوضع فيه الهندي تراباً، ثم صَبَ على التراب ماء، ثم وضع الأصيص بما فيه في جراب فارغ، لا شئ فيه، وأخذ يشير إليه بعصاًة في يده، والناس ينظرون، وبعد لحظة، مدَّ يده إلى الجراب، فأخرج منه الأصيص وفيه شجرة مزهرة، ولم يكن في ذلك الأصيص منذ لحظة إلا تراب وماء، فكأنما نبتت الشجرة ونمت وأزهرت في لحظة، وشم الناس عطر الزهر فواحاً، وبرقت ألوانه في أعينهم، فصفقوا معجبين ببراعة ذلك الحاوي الشيخ، ثم أخذ الحاوي يعرض بعد ذلك ألعاباً شتَّى، كل لعبة منها أعجب مما سبقتها، و"مسعود" و"كريم" ينظران مدهوشين، لا يكادان يصدقان ما تقع عليه أعينهما، فلما استولى الحاوي على قلوب الناس وعقولهم، أخذ يلعب لعبة أخرى مثيرة، فأحضر صندوقاً من الخشب يتسع لجسم الصبي الصغير، فوضعه فيه، وألقى عليه غطاءه، ثم جرد سيفاً لامعاً، مشحوذاً، وأخذ يلعب به في الهواء برهة، وهو يحرك شفتيه بكلام غير مفهوم، ثم أهوى بالسيف على الصندوق، فشطره نصفين، فلم يكد "كريم" يرى ذلك المنظر الراعب، حتى صرخ وغطى عينه قائلاً: لقد قتل المجرم الصبي!. فوضع "مسعود"  يده على كتفه وهو يقول: أنظر، ولا تخف، إنه بخير!.

      وكان الدم في تلك اللحظة يسيل تحت الصندوق غزيراً، فلم يصدق "كريم" كلام "مسعود"، وظل جسده يرتعد خوفاً وإشفاقاً على الصبي، ولكن شفتيه لا تنطقان كلمة، وبعد أن شطر الرجُل الصندوق شطرين، رفع السيف، وهو يقطر دماً، فمسحه بيده، ثم أخذ يلعب به في الهواء برهة، وهو يتمتم بكلام غير مفهوم كذلك، ثم أخرج ملاءة كبيرة، فغطى بها الصندوق المشطور، ولم تمض بعد ذلك إلا لحظة، حتى خرج الصبي من تحت الملاءة زاحفاً، وهو سليم معافاً، لم بصبه شر، فهلل الناس فرحين، وهلل معهم "كريم"، ثم قال لـ"مسعود": لم أكن أصدق  أنه سينجو، وكانت الدموع تملأ عيني خوفاً عليه!.

      قال "مسعود": من الآن، أرجو ألا تُخيفك مثل تلك المناظر العجيبة في هذه البلاد يا "كريم"، فإن الحواه الهنود في غاية المهارة، وهُم الذين علموا الحواة في كل العالم هذه الصناعة التي لا يكاد يعرف سرها أحد غيرهم، وسأريك بعد قليل مناظر أخرى أعجب مما رأيت، فهيا،.!.

author-img
عزت عبد العزيز حجازي - المُحامي

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent