recent
أخبار ساخنة

مُناظرة بين زارع وتاجر

 

زارع وتاجر

مُناظرة بين زارع وتاجر


     التاجر : - الزارع فلاح صديق المحراث والثور، وأليف الساقية والحقل، وقعيد القرية والبيدر ، لا يعرف من العالم سواها، ولا يعيش إلا معها، نشأ قليل التجارب، ثائر النفس، شديد الإنتقام، يقضى يومه يعمل فى القيظ أو الزمهرير، يعزق بالفأس أو يُدَوِّر اللَّولب ، محنىّ الظهر، خافض الرأس، قد حسر عن ذراعيه، وكشف عن ساقيه، وعرّى صدره، ونضح العرق من جبينه، وتزلّعت يداه، وتشققت دماه، رجاء الحصول على عيش خشن، وثوب خَلَق، وحياة هو فيها أسير الجهل، ونهبة الأمراض، مسكين مسكين أيها الزارع. أمَّ نحن معشر التجار فكثيرا ما نجوب النواحى، ويقذف بنا السفر إلى مختلف البلاد، فنغشى أسواقها، ونعامل ذويها، ونستطلع الحياة فيها، ونتعرف أخلاق الناس وعادتهم، ونصبر على مساوماتهم، وتتسع صدورنا لمشاحَّاتهم، فنصبح مُحنَّكين : تنير لنا التجارب ظلمات الحياة، والحلم يملأ نفوسنا، واللين يجذب الناس إلينا، وما أسعد العيش وقد إختلفت ألوانه، وتجددت أنواعه : وجوه كل يوم عابسة وناضرة، وألسنة مرة وحلوة، وصدور ضيقة ومتسعة، وطباع خشنة ولينة، ونفوس مكذبة ومصدقة، وأثمان بخسة وباهظة، وخسارة فادحة، وأرباح طائلة.

     الزارع : ×- بؤسى لحياة أصبحنا فيها لا نعدل التجار، ومعظمهم يأكلون أموال الناس بالباطل، ويعاملون بالمداهنة والغش، ويربحون من التمويه والغلّ . وقد تبور التجارة وتكسد الأسواق، وتهبط الأسعار، فتذهب أرباحهم، وتضيع رءوس أموالهم، ويستبد الدائنون بهم، ويشهرون إفلاسهم، ويضيّقون الخناق عليهم، فيتجرعون غصة العسر بعد اليسر، ويذوقون مرارة الفاقة بعد حلاوة الرفاهة. ونحن إنما نعمل بأيدينا ونضنى جسومنا، لنأكل حلالا طيبا، ورزقا حسنا، سواء علينا، أهبطت الأسعار أم إرتفعت، فالرزق مضمون لنا، ونفوسنا مطمئنة إليه، راضية به. نلجأ إلى الله إذا نزلت بنا ضائقة، وأصابتنا شدة، نؤدى فرائضه، ونرجو ثوابه، ونخشى عقابه، نزرع لكم الأرض ونجنى ثمارها، ونربى الماشية ونستخرج لبنها، فتأكلون وتتمتعون، ولولانا لقطع الجوع أمعاءكم، وحل الفقر بواديكم. فكيف تحقروننا، وتعزون الجهل إلينا ؟ هل العلم أن تخط بالقلم، أو تقرأ ورقة ؟ ولما لا تكون زراعة الأرض واستغلالها علما. وإن خير العلم ما أنتج، وأمثل التعلم ما أفاد.

     التاجر : - نحن ماجحدنا فضلك أيها الزارع، ولكن صورناك كما أنت، ورثينا لحالك، فكيف تشهّر بنا، وتنسب الغلول  إلينا، وتنزل الضيق والفقر بساحتنا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم كان تاجرا وهو القائل:- ( تسعة أعشراء الربح فى التجارة ). ولا ثمن علينا بأنك تزرع فنأكل، فإنما نحن الذين نجلب إليك الآلات الزراعية ونستورد لك المصنوعات الأجنبية، ونبتاع  منك الغلاَّت وننقدك الثمن، فتسد الديون، وتؤدى الضرائب، ولولانا لغُلَّت أيديكم، وبارت غلالكم، وضاقت الحياة فى وجوهكم، وكم منَّا من بدأ فقيرا فتهض ×

به جده ، وطار به سعده، فأضحا غنيا يلعب بالمال، ويملك الضياع الواسعة، والقصور الشامخة، ولكنكم تعيشون فى الضنك، وتموتون فى الفاقة. وكيف بكم إذا شح النيل، وأجدبت الأرض، أو انتابتكم الآفات الزراعية، فأسكنتكم بوادى غير ذى زرع، وأصابكم المُحول  والأزمات، فتعولون وتصيحون : تندبون حظكم، وتلتمسون العطف عليكم.

     الزارع : - مَهْ أيها التاجر واقْنَ  الحياء، فلقد كان آدم أبو البشر زارعا، ولقد كان النبى صلى الله عليه وسلم راعيا – والرعى من أعمال الزارع – ونحن الآن نُمََوِّل الحكومة، فتنظِّم أموركم، وترْعَى شئونكم، ونحن الآن يُنسَب القطر إلينا، فيقال أنه زراعى لا تجارى. نفخر عليكم بكثرتنا، ونساميكم بقوتنا : لنا قدرة على العمل، وصبر على المشقات، قد أقرت الحكومة بفضلنا وفطنت إلى ما تجنيه من الخير على أيدينا، فهبَّت تنشىء لنا المستشفيات، وتقيم الإصلاحات، وأخذت تخصنُّا بالرعاية والبر، وتنعتنا بالنشاط والطهر.  ×

 

author-img
عزت عبد العزيز حجازي - المُحامي

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent