مُناظرة بين الليل والنهار

 

الليل والنهار

مُناظرة بين الليل والنهار

 

     النهار×- حمداً لبارى  النَّسَم ، وواهب النِعَم، فقد بيَّض وجهى، وأبدع صورتى، ونضَّر محياى، وجعلنى مرآة تتجلى فيها محاسن الكون، ويرتسم عليها معالم الوجود، فالسماء بشمسها حالية، والأرض بخضرتها زاهية، والطبيعة سافرة، أبدت حليها، وكشفت عن زينتها، ولولاى ما أشرق صُبح، ولا ضاء نُور، ولا إبتسم نَوْر، ولا ضحك زهر، ولا غرد طير على شجر، ولا إهتز غصن بثمر، ولضاق الناس ذرعاً بحياتهم، وتمنَّوا الموت فرارا من هذا الظلام الحالك، الذى تنقبض له الصدور، ويذهب به السرور، وتُعطل فيه الحواس، ويتراكم الهم والوسواس. وماذا كانت حال الناس لو لم تمدهم الكهرباء بثرياتها الساطعة وقناديلها الوهاجة، أما كانت الدنيا سجنا مظلما، بل كهفا موحشا، وقبرا مهجورا، فليت كان النهار سرمدا ليعيش الناس فى أنس شامل، وصفاء دائم، فلا يَرَوْا وجه السواد، ولا هيئة الحداد.

     الليل : - على رِسلك  يا أوهى بيتا من الخدَرنق  وأكثر فخرا من الفَرَزدق  أراك تُزهَى ببياض لونك، ووضاءة جبينك، كأنك تظن أن هذا غاية الشرف والعظَم، ومنتهى المجد والكرم، ولو عقلت لعرفت أن الشىء يقاس بنفعه وفائدته، لا برُوائه ورونقه، فالسيف بنقاء جوهره، وحدة مشفره، لا بزخرف غمده وبهاء إِفرنده، والإنسان بعلمه وأدبه، لا بفضته وذهبه، والبياض الذى تتطاول به لا يُمدح على الدوام، ولا يذم السواد فى كل حال : فدرهم مسكا، خير من وَسْق بغير كِلْساء ، وأفضل العيون سودها، وأحسن الشعر فاحمه، ومن ظلام المناجم إنبثق ضوء الحضارة، ولولا المحاق ما إكتمل البدر، ولولا الليل ما طلع الفجر، ولله عنترة الفوارس إذ يقول :-

إن كنت عبداً، فنفس حرّة كرما

             أو أسود اللَّون، إنى أبيض الخلق

     وهل نسيت إذ فخرت بالصبح ونوره، والشمس وضيائها أننى مطلع القمر الأزهر، ومَجْلى الكواكب الدرية، والشهب الثاقبة. وهل شاهدت سمائى الزرقاء، كأنها حديقة فيحاء، زينتها الأنوار، أو سقف مرصع

بقطع النُّضار ؟ وهل شاهدت البدر عند إتساقه، وسُهَيْلا حال خفوقه، ونهر المجرة وقد فاض منه الماء، والثريا وهى تقيس الفضاء ؟ هنا فتنة النواظر وشرك الخواطر،وبهجة الأفئدة، ومتاع النفوس. وما أحلى نسيمى الفاتر يسرى سَحرا، وقد مشى على وجه الرياض فرقَّت حاشيته، وعبِقت رائحته، وطابت بطيبة الأرجاء، حتى إذا جرى كحل الدُّجى من مقلة الفجر، هتف  أبو المنذر. وصدحت الأطيار على الأخطار  فنهض الناس من مراقدهم، وقد قضَوْا من الكرى وطرا، وأخذوا من السعادة بنصيب.

     النهار : - مرحى مرحى يا سليل  حام، ويا أبا المسك ويا أخا الظلام، ما عهدنا الزنوج تُحسن المفاخرة،، وتُجيد المناظرة، فلا فَضَ فوك، ولكن قل لى بربك، ألست منبت للشرور والجرائم، وموطن السلب والنهب ومأوى البغاة والمفسدين : من كل جبار عنيد، وشيطان مريد، كم سُفكت فى جوفك دماء، ×

وأزهقت أرواح ورُوِّعت أبرياء وجرت وراء ستارك القاتم حوادث، يَقِف منها الشَّعر ويذوب لها الحجر. تظل

×الفتنة نائمة، والنوائب جاثمة، حتى إذا خطرتَ فى جلبابك الأسود، إنسابت أفاعيها ودبت عقاربها، فَنُهِبَت الأموال، واغتيلت الآجال، ويتّمَت الأطفال. هذا إلى أنك معدن البطالة، ومادة الكسل والخمول. فيك تضعف القوى، وتهن العزائم، وتُشَلَ الأعمال، ويموت الناس الموتة الصغرى، فتخال الأرض أقفرت من عمرانها، وخلت من سكانها. وما أغلظ كبدك وأقسى فؤادك على السقيم والحزين، فكم بعثت من أشجان، وأدميت من أجفان، وكم أرقت دموعاً، وأحرقت ضلوعاً، تخطو متثاقلا كما يخطو الوليد، لا ترحم أنين شاك ولا دمع باك. وكم إستبطأ الناس أجلك، واستثقلوا ظلَّك، ونعتوك بالبرود والطول، وبخاصة إذا كنت من ليالى الشتاء، حتى إذا تنفس الصبح تنفسوا الصُّعداء  وخلصوا من البلاء. ولكن أنظر كيف أتجلى على العالم بوجهى الفضى، وثغرى الضاحك فيصحو من رقاده، وتدب فيه الحياة، فتنشط المصانع وتنهض المتاجر، وتزهو المزارع، وتعمر المدارس والمعاهد، ويكب الناس على أعمالهم، حتى الطيور تسعى لجلب أقواتها، فتغدوا خماصا وتروح بطاناً، وتبسم الطبيعة بعد عبوسها، فتترنح الأغصان وتزهو الورود والريحان، وتهتز الحقول بأصناف الخُضَر والبقول، فأنا كنز الثروة وقوام الكسب، وقوت الجد والعمل، على نورى الساطع أزهرت المدنية والحضارة، ونهضت الأمم وارتقت الدول.

     الليل : - بعض هذا العجب والخُيلاء، يا واضح العيب ويالون الشيب، لقد جعلتنى وعاء الشرور والآثام، ولو أنصفت لدعوتنى رسول الحكمة، والإلهام ومهبط الشعر والخيال، ومثابة الذكر والتَّعبد، ففىَّ يرّق الشعور، ويصفو العقل ويتنبه الفكر، وتتطلع الروح إلى عالمها العلوى، فهذا عالم يستنزل الوحى والحكمة منه سماء العبقرية، وهذا شاعر ينظم الجوهر، وينسق الدر، وهذا طالب ينقِّب فى الطروس ويحصل الدروس، وهذا صوفىّ مُتَبتِّل وقف فى محرابه بين يدى ربه، وقد فاضت عينه بالدموع، وغمر قلبه الخشوع، وقد ظننت (وبعض الظن إثم ) أننى أحث على الكسل واُنفِّر من العمل، لا والذى بيَّض وجهك وسود قلبك، ليس هو ما زعمت، ولكنها الراحة بعد التعب، والدَّعة بعد النصب، والهناء بعد طول العناء، وهل كنت تريد من الناس أن يتوفَّروا على الكد والجهد : فيصلوا ليلهم بنهارهم فلا ينفِّسوا عن أنفسهم، ولا يتمتعوا بثمرة أعمالهم ( أما علمت : أن المنبتّ لا أرضا قطع ولا ظهراً أبقى )، أما كفى أن يذوقوا الشقاء من طلوع شمسك إلى غروبها : بين حر لافح، وبرد نافح، حتى تريد أن تحرمهم لذة الغُمض، وتحول بينهم وبين القَرار والسكون، ليشحذوا عزائمهم ويجددوا ما فُقد منهم، ويستعدوا لمزاولة أعمالهم المضنية، واحتمال أعبائك الثقيلة، وإنى لفخور أن أكون زمن اللهو واللعب البرىء، ففى أحضانى يسمر الخُلان، ويجتمع الإخوان، وتعقد مجامع الأنس والطرب، ويلتقى أفراد الأسرة وقد فرقتهم طرائق، ومزقتهم كل مُمَزق.

     النهار : - دعنا ياشقيقى من هذه الملاحات التى تزرع الحقد، وتورث الضغينة، فلكل منا مزيتة وفائدته، فقد جعلنى الله معاشاً لعباده، وجعلك سكناً لهم، فلندم أخوين متحابين، ولنقم بما عهد إلينا خير قيام، ليَرضى الخالق ويسعد المخلوق، حتى يرث الله الأرض ومن عليها.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

علاج التهاب البروستاتا المزمن بالطريقة الصحيحة

الطريقة الصحيحة لعلاج التهاب وألام المفاصل وبشكل نهائي

جفاف الفم: الأسياب والعلاج