recent
أخبار ساخنة

مُناظرة بين دراجة وحمار

 

مُناظرةُ بين دراجة وحمار

مُناظرة بين دراجة وحمار



      الدَّرَّاجَة : - مالى أراك أيها النهِق، تهز أعطافك عُجْبا وكبرا. وتحرك أذنيك مرحا وزهوا، وترقص ذيلك تيها وفخرا، كأنك أوتيت صوْلة أسد، أو رشاقة الغزال أو جمال الحصان، أو بهاء الدراجة، بل كأنك إنسلخت من عالم الحيوان، والتحقت ببنى الإنسان. فهل جهلت أنك بليد الطبع، سىء الخلق، قبيح الشكل ؟ ينزعج لصوتك السامع، وتستك المسامع. لقد كان خيرا لك أن تتوارى عن الأنظار، وتجثم فى مربضك، حتى لا تؤلم الناس بصورتك الدَّميمة، وترعب الأطفال بصوتك الكريه. ألست أنت الموصوف بالكسل والخمول، وجمود الشعور، والغِلظة والعِناد ؟. لا تَقرّلك عين حتى تقمص ، فتطرح صاحبك عن ظهرك فتهيض عظامه، وتدنى حِمامه. وهل وُجِدَتْ السياط إلا لك، تطِّع جلدك، وتلهب أديمك، حتى تهلك أو تكاد : والعبد يضرب بالعصا   والحر تكفيه المقالة

  ×   الحمار : من تلك التى تتشدّق بالسباب، وتكيل الذَّم من غير حساب ؟!، يا للعجب العجاب، ولِضيعة الآداب، لقد إستنسر  البِغاث، واستأسدت الذئاب، وتطاولت الأسافل، وفاخرت الشّهبَ الحصى والجنادل، ما كنت أوثر أن يمتد بى زمنى، حتى أرى دولة الجماد يواتيها البيان، فتفتخر على الحيوان، بَخٍ بَخِ، لك أيتها الدراجة، حدِّثينا عن حسنك الرائع، وجمالك الفتان، فما أحلى جسمك الضئيل، وبدنك الهزيل، كأنّك نضو  أسفار، أو فريسة آلام، أو قريبة عهد بالإفاقة من سَقام، أَعَميِت عن محاسنى ؟ فنسيت أنى قوى البنية، متين القوائم، صَلب الحوافر، لى عينان نَجْلاَوان  وخدَّان أسيلان، وفم أفوَه  جهير الصوت : ينبه الغافل ويُسمِع الذَّاهل، وأنف طويل أشم، قوى حاسة الشم، وآذان مؤَلَّلة  تلتقط النغمات، وتتلقف النأَمات، وأسنانى كأسنان المشط فى الإستواء، يضرب بها المثل فى تناسق الأشياء. وهبينى كما زعمت – وزعمك باطل – انى زرِى الهيئة، دميم الخلقة، جَهْم المُحَيَّا، فهل يغُض ذلك من خُلُقى الحسَن ومنافعى الجَمَّة؟

ألست موسوماً بحب العمل، ومواصلة الدأب، واحتمال النَّصب، وماذا يُغنى الجمال عن صاحبه، إذا جانبه

العلم والأدب ؟:-

وفضيلة الدينار يظهر سرها من حكِّة لا من ملاحة وجهه.

     على أنك بقولك هذا تعترضين على مبدع المخلوقات، الذى أعطى كل شىء خلقه ثم هدى، وله الحكمة البالغة، والمثل الأعلى، وحسبى فخرا أننى من مصنوعاته جل وعلا، لا من صنع مخلوق مثلى، ضعيف الحول والقوة. ومما يزيدنى إكبارا أننى ذكرت فى محكم تنزيله وامتَنَّ بى على خلقه، قال عز من قائل : - ( والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ). وقد إمتطانى الرسل والأنبياء، والفلاسفة والحكماء، وعاشرت الإنسان من القديم، حتى غدوت خله الوفى وصديقه الحميم. بأى جمال تفخرين وأى حُسن تذكرين ؟ ألست تزحفين على ×الأرض كما يزحف المقعد ويسير المقيَّد. ولا يستقيم حالك إلا إذا إندفعت إندفاع الناقة العشواء، فى الليلة الظلماء، فإذا وقفت دهيت بالعِثار، وأصابك الدمار، مالم تعتمدى على جدار، أو تستندى إلى طَوار، آه – لو لطمتنى  ذات سِوار – ومن غريب أمرك، وعجيب شأنك، أنك لا تبصرين فى النهار المُشمس، حتى إذا جنَّ الليل، بدت لك عين ملتهبة كعين الأرمد، فما أشبهك فى ذلك بالبوم، رسول الخراب ونذير الشؤم، فلك العذر إذٍا فيما تقولين، حيث لا تبصرين: -

ماضر شمس َ الضحا فى الأفق طالعة

 إلا أن يرى ضوءها من ليس ذا بصر

     الدراجة : - لقد تعديت حدَّك يا طويل الآذان. وأسرفت فى الهذَر والهذيان، وأتيت بدعاوى لا يقوم عليها برهان. عيرتنى بالضُّمور والنحول،، وهو دعامة الحسن، وأصل الجمال، ولولاه ما وصفت الأغصان، ولا مدحت الرماح، ولا ذكر القد الممشوق، والقامة الهيفاء :× -

عَيَّرتمونى بالنحول وإنما شرف المهنَّد أن ترق شفاره ×

ومتى كان السمين المترهل، حليف البطالة والكسل، مثل النحيف ذى الجد والعمل، أما جاء فى الأمثال – لقد

استسمنت ذا ورم ×– وقال الشاعر فى إبن عمك الجمل :

لقد عظم البعير بغير لبِّ فلم يستغن بالعظَم البعيرُ

     تصفنى بالعمى، وتشبهنى بالبوم وكان أولى بك أن تشبهنى بالقط فى حدة النظر، وقوة البصر، فحدقته تضيق بالنهار، وتتسع بالليل، فأنا لا أحتاج نظرى نهارا مع نور الشمس الساطع، وإنما يحتاجه مثلك الذى يخبِط على غير هدى، فيضايق المارين ويزعج السائرين، وهلا نظرتنى فى المساء – والليل قد أرخى سدوله – فترى نورى الأحمر الوردى، يشع من عينى، فيثقب الظلام، كما يتلألأ البرق فى صفحة الغمام، فى وقت تكون أنت جاثماً فيه، بين جدران الإصطبل قد عشى بصرك فلا تستطيع الخروج – ومن لم يجعل الله له نورا فماله من نور - فكأنك خلقت لتعمل نصف اليوم، وشتان بينك وبين من يصل الليل بالنهار – ومن طلب العُلا سهر الليالى – هذا إلى ما خصصت به من لون فضى له بريق ولمعان، يكاد سناه يذهب بالأبصار، وجرس ذى صوت شجى رنان، يشنف الآذان، ويفعل فى النفوس ما تفعله أوتار العيدان، ومن عجب إفتخارك بأنك مطية الأدمين، ويشاركك فى هذا كثير من الدواب المذلَّلة. وأقسم لو تقدم بى الزمان ما امتطاك إنسان. أما بلغك قول الشاعر الحكيم :

      × وما عن رِضاً جعل الحمير مطيتى

       ولكن من يمشى سيرضى بما ركب

     ولقد تولت أيامك، وذهبت منفعتك، وستقضى عليك سُنة العمران، فتنقرض – بحكم بقاء الأصلح – كما إنقرض غيرك من الحيوان. وهأنت الآن أصبحت مقصوراً على القرى النائية، والأماكن السحيقة، بعيداً عن مراكز المدنية والحضارة، حيث تعيش بين الأقذار، وتحمل التراب وتركب الصعاب، فإذا أراد بعض الناس أن يتفكه بركوبك كلفك مالا تُطيق : من سرج يثقل ظهرك، ولجام يغِصّك بريقك، ومهماز  يهمزك به، فيَفرى جلدك، ويَنزف دمك. وأقبح ما فيك أنك إذا آنست من صاحبك غِرَّة، طرحته على الأرض، فخرَّ صريعاً لليدين وللفم، غير نادم على فَعلتك، التى فعلت. وياليتك تقف بجانبه، تواسيه فى جنايتك عليه وتعتذر عن إساءتك إليه، ولكنك تفر فرار الجبان، إذا إلتقى الجمعان. فأين أنت من الدَّرَّاجَة الوفية التى تزِل بصاحبها غير مختارة، فتسقط قبله وتقع بجانبه، ولسان حالها يقول : - لَعاً  لعثرتك، ونهوضاً من كبوتك.

     الحمار : - الويل لى ما أشقانى، لقد ضيعت وقتى الثمين فى نصح من لا يتبع، وخطاب من لا يستمع، وربما طلبنى صاحبى فلم يجدنى فأكون قد جنيت على نفسى وعلى غيرى، أيتها الدراجة موعدنا الغد إذا إنتصف النهار وسننظر لمن يكون الإنتصار.×

ما كاد ينتصف النَّهار من اليوم الموعود، حتى أقبل الحمار يختال، والتفت إلى الدَّراجة وقال : - أيتها الحديدة الخرساء، والأداة الصماء، لقد أشبعتنى شتما، وأوسعتنى ذَما، ولكنى سأحتمل هذه السهام، وأمر بلَغْوك من الكرام، وسأسلك معك سبيل المرشد الناصح، لعل الإقناع ينفذ إلى قلبك، وما توفيقى إلا بالله، إنك لا تنكرين علىّ أننى صديق الإنسان، ولا سيَّما الفلاح، الذى يعتمد علىّ فى مُعظم شئونه وأحواله، فأُدَوّرْ الساقية، لإرواء الأرض وسقى الزرع، وأحمِل الأثقال، ويتنقل علىَّ من مكان إلى مكان، لا يبلغه إلا بشِق النفس، وإنى رضىُُ قنوع، إذا جمعت صبرت، وإن طَعِمت شكرت، أسير فى الحَزْن  والقَرْدَدَ، كما أسير فى الطريق المُعَبَد، وكما عرفنى سُكان القرى جلداً قوياً، فقد عرفنى أهل الحواضر صديقاً وفياً، أنقل أمتعتهم، وأجر عجلاتهم ومراكبهم،، ويقتنينى للزينة الهواة منهم فأعيش عيشة راضية فى مأوى صحى، بين طعام هنىء، وشراب مَرِىء، فإذا رأيتنى بالشكيم المُذْهب المفضَّض، والسرج المقَصَب، أمشى مشية القطا، متَّئد الخُطا، رأيت ما ينسيك بهجة العروس، وجمال الطاوس، وقد وهبنى الله إدراكاً أميز به، بين الخبيث والطيب، فأسلك النَّهج الواضح، وأجتنب الإصطدام، وأنكِّب الإزدحام. ولا أُحوج صاحبى إلى أن يُعمِْل يديه ورجليه، وينشر أذنيه، ويفتح عينيه، حتى ليستطيع أن يطلق لى العِنان، ويلهو فى إطمئنان، فإذا بلغت الغاية، وقفت بأدب واحتشام، وأظنك لا تجهلين يا صديقتى ( بالرغم من تحاملك علىّ ) أننى أُرَيح الراكب، لأن ظهرى مُتسع عريض. لا كالظهر الذى تعرفين، ( وفى التلميح ما يُغنى عن التصريح )، لهذا يستطيع صاحبى أن يُردف خلفه من يشاء، ويحمل علىّ ما يريد، لا أتبرَّم ولا أتألَّم. وأفضلك بالتناسل الذى يحفظ نوعى، ويخلد ذكرى، ويدر على صاحبى الربح الجزيل، وأما أنت فقد عقمت  فى زمن الشباب،، ( وسوداء ولود خيرمن حسناء عقيم).

      الدراجة : - معذرة إن صوبت إليك سهام الملام، ولذعتك بقارص الكلام، فليس أدعى للغضب، من سماع الهُراء الذى لا نفع فيه ولا غَناء، وقد رأيتك تقول مالا تفعل، وتخالفنى إلى ما تنهانى عنه : -

               وغير تقىّ يأمر الناس بالتـقى

           طبيب يداوى الناس وهو مريض

     والآن قل لى يا بديع الشكل، ويا خفيف الظل، ويا صاحب المزاج الرقيق، والشعور الدقيق : ألست أخف منك حركة، وأسرع سيرا، وأقوى على السفر، وأقدر على طى المراحل، وجوب الهواجل ، إنك لا تكاد تقطع الميل، حتى ينال منك الإعياء، فتنبهر أنفاسك، وتتخاذل أوصالك، فإذا أردت أن تروِّح عن نفسك، ببعض الألعاب، تمرَّغت فى التراب، فترتفع، وتنحط، وتتقلب ذات اليمين وذات اليسار، فتثير الأقذار، وتبعث الغبار، تقذى به الأبصار، وهل من فعل الكرام، أن تُلصق أنفك الأشَم – كما تدعى – بالرّغام. وهل

مُناظرةُ بين دراجة وحمار

نسيت أنك تكلف صاحبك فوق الطاقة فى نفقتك، التى لا تقوم له بعشر معشارها، وتحتاج من ينظف مسكنك من الأرواث التى تسكن إليها، وتنام عليها، وأما أنا فيسهل إقتنائى لكل إنسان، وأبيت فى أى مكان. ومن ×

محاسنى التى لا يسمو عقلك إلى معرفتها، إننى أطوع لصاحبى من ظِلِه، يصرفنى كما يشاء، لا أعصى له أمرا، ولا أضمر له شرا، ولا أحوجه أن ينبث بكلمة، كما يفعل معك حين يوسعك تأنيبا وزجرا، فيبح صوته، وتنقطع أنفاسه، وينهال عليك ضربا بهراوته، حتى تشرف على الرّدى، وتصافح الهلاك. وإنى قوية البنية، شديدة القوة، إذا مسَّنى العطب، تسنَّى إصلاحى، وأما أنت فيسلمك إلى الموت الزؤام، الذى يريح منك العباد والبلاد. وقد أصبحتُ قرة عين الصبية، ومرتع لهوهم وسرورهم، يعدون بى فى الحدائق والمتنزهات، والميادين والطرقات، فتربوا أجسامهم، وتنمو عضلاتهم، وتنشرح صدورهم، ويتعودون الحِذق والكياسة، والشجاعة والإقدام.×

الحمار : - فإنك لم يفخر عليك كفاخر

                 ضعيف ولم يغلبك مثل مُغَلَّب ×

يا هذه خيركُم من إشتغل بعيوبه عن عيوب الناس، وكُلِك عورات، وللناس ألسن. خبرينى بربك هل تحملين ما أحمل من الأثقال، وتؤدين ما أؤدى من الأعمال ؟ وهل تستطيعين لضعف هِمتك إلا النهوض براكب واحِد، وهل لك إلا بعض الفوائد فى المدن، على أن الترام والسيارات والمراكب، لا تجعل لك شأنا يذكر، ولا أثرا يشكر، وأما فى القرى المصرية، فأنت مجهولة لا تُعرفين، ونكره لا تتعرفين، ولأنك تعودت الترف والنعومة التى لا تليق بهذا العصر، عصر الجِد والعَمل، لا يُمكنك السير إلا فى الطريق الممهَّد، ويضطر صاحبك إلى إحناء ظهره، وشغل كل حواسه، وإلا إندفعت به فى مهاوى التَّهلُكة. وأكبر سيئاتك جنايتك على شباب الغد، ورجال المستقبل، تستهويهم بسرابك الخادع وبرقك الخُلب : فيقضون سحابة النهار، وقِطعا من الليل، يذرعون بك الشوارع والحارات جَيئة وذهوباً، يضايقون المارة ويثيرون المشاجرات، فهجروا دورهم، وتركوا دروسهم، وتوفروا على ركوبك شراء واستئجارا : فضعفت أجسادهم، ومرضت قلوبهم، وأصبحوا هدفا للعلل الوبيلة – وهم زهرة الوطن وريحانة الأمة – وكثيراً ما اهتصرت أغصانهم الرطيبة، بصدمة قوية يجلبها طيشك وحمقك، فأحزنت الآباء، وأكمدت الأمهات، وإنى أتحداك أن تذكرى لى فرداً واحداً من العِلية والوجهاء، أختارك مَطية ورضى بك مركباً، وكل ما أعرفه عنك أنك مطية السوقة والأغفال، والصِّبية والأطفال. بقيت لى كلمة أيتها الحمقاء : لقد ذكرت فيما ذكرت من تُرهاتك وأباطيلك، أننى ممن يموت وماكنت أظن أن فوق سطر بهاذم  اللذات، الذى كتبه الله على كل نفس، وسبحان من إنفرد بالبقاء، فهل بلغ من سوء رأيك أنك تشمتين فى المنيَّة، التى هى كأس دائرة على البرية، شربها قبلنا آدم وحواء، واحتساها الرسُّل والأنبياء، والأمراء والعُظماء، وهل سمعت أن مخلوقا كتب له فى الدنيا الخلود ؟ وإلا فقولى لنا أين مخترعك وصانعك ؟ أما صاروا طِعاماً للدود. ولو كُنت من ذوات الأرواح لأدركك ما يدركنا، ولكنك قطعة من جماد، سليبة العقل والرشاد، لا تمتازين بشىء عن قطع الأحجار، الملقاة فى عرض الطريق، لا، أستغفر الله، فإن من الحجارة ما يتفجر منه الأنهار، وأظن بعد هذا قد أديت ما وجب علىّ من تعليم الجاهل، وتذكير الغافل، ودعوت إلى سبيل ربى بالحكمة والموعظة الحسنة، وقد كنت قادراً لو لم أكظم غيظى، أن أرُمَحَك بإحدى رجلى الخلفيتين، رمحة تتناثر منها أجزاؤك، وتتطاير أعضاؤك، ولكن العفو من شيم الكرام.×

 

author-img
عزت عبد العزيز حجازي - المُحامي

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent