recent
أخبار ساخنة

ميناء بومباي..! (17)

 

ميناء بومباي..!.

ميناء بومباي..!

 

 

      لم يهبط "مسعود"  و"كريم" في مدينة ميسوري، لذا، فقد قنعا بما رأيا من الجو من منظر المهراجا، واستمرا طائرين حتى بلغا مادورا، حيث يقوم معبد الهندوس الأعظم، ولكنهما لم يجدا في أنفسهما رغبة للهبوط كذلك، إكتفاءً بمشاهدة مناظر المعبد من الجو، إذ كان في مادورا يومئذ معركة عنيفة بين المسلمين والهندوس، كما يحدث في كثير من الأيام بتلك المنطقة، فخاف السائحان المغامران الصغيران أن ينالهما نصيب من شر تلك المعركة، واستمرا طائرين في اتجاه مدينة بومباي، لرؤية ميناءها العظيم، وكان "مسعود"  و"كريم" يشعران بجوع شديد، فأسرعا في طيرانهما بكل ما يملكان من قوة، حتى وصلا إلى بومباي في زمن قصير، لا يكاد يتصوره عقل، وميناء بومباي هو أكبر مواني الهند، وأغناها، وأعظم أسواقها التجارية، وقد اكتسب قيمته هذه بعد شق قناة السويس في القرن قبل الماضي، إذ سهلت المواصلات بين الشرق والغرب، وبين أوروبا وأسيا، فصارت أعظم المراكب التجارية تخترق قناة السويس متجهة من أوروبا إلى الشرق البعيد، فتمضي في البحر الأحمر حتى تجتاز باب المندب، بالقرب من عدن، ثم تمضي في المحيط الهندي إلى بومباي، ولم تكُ مدينة بومباي قبل بنائها أرضاً متصلة بشاطئ الهند، ولكنها كانت جزيرة كبيرة خضراء، يفصل بينها وبين الساحل الهندي خليج ضيق، فلما بُني عليها الميناء، أقيمت على ذلك الخليج عدة جسور تربط بين الجزيرة والشاطئ، وبذلك اتصلت الجزيرة بأرض الهند، فصارت أعظم ميناء من مواني تلك البلاد، وقد دهش "كريم" دهشة عظيمة حين رأى ميناء بومباي، إذ لم يك يخطُر في باله قط، أن في تلك البلاد مثل هذا الميناء الفخم الضخم،

      ألقى "مسعود"  و"كريم" نظرة مطولة على رصيف ميناء بومباي، المشغي بتعبئة وتفريغ البضاعة، ثم طارا إلى فوق مدينة بومباي، فشاهدا المتاجر في شوارعها، وقد نُسقت تنسيقاً بديعاً، وازدحمت بالمعروضات التجارية، وكثرت حولها الحركة، كما تُشاهد في أعظم مدن العالم التجارية،

      قال "كريم" ل"مسعود"، وهو يرى تلك المناظر: لم أكُُ أصدق  أن في الهند مثل هذه المدينة العظيمة، الأنيقة، وإنني ليُخيل الآن أنني في ميناء أوروبي من التي أشاهدها في السينما، لا في ميناء من مواني المحيط الهندي!.

      قال "مسعود"  ضاحكا: إن كثيراً من الأوروبيين يا "كريم"، يعتقدون أنهم وحدهم المتحضرين، الذين ملكوا كل أسباب الحضارة والمدنية، وأن بلاد الشرق ليست إلا مزرعة خصبة، يعيش فيها قوم من الهمج، ليس لهم نصيب من الحضارة والمدنية، وقد رأيت اليوم بعينيك كذب هذا الإدعاء، فلعلك تؤمن بعد اليوم أن هنا حضارة ومدنية تفوقان في بعض الأحيان حضارة أوروبا ومدنيتها!.

      وكان الجوع قد بلغ من "كريم" و"مسعود"  مبلغاً عظيماً، فرأيا أن يهبطا إلى المدينة ليأكلا، ولكنهما كانا حريصين على ألا يراهما أحد، فاختارا مكاناً بعيداً، على قمة جبل يطل على البحر، وهبطا بكل حذر، ولكنهما لم يكادا يلمسان الأرض بأقدامهما، حتى هبت عليهما روائح كريهة، منتنة، تنبعث من حفر قريبة من المكان الذي هبطا فيه، فقال "مسعود" : يبدو أننا هبطنا بالقرب من برج السكون،.!.

author-img
عزت عبد العزيز حجازي - المُحامي

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent