recent
أخبار ساخنة

سيدعوني لدخول الشقة

سيدعوني لدخول الشقة

كان أول ما أسعدني، أن طيري المفقود من أيام الحرب، تمكن من تجاوز محنة فقده، وما تلاها من مآسي التهجير والنفي، فالقدر رأف به على ما يبدو، والحمد لله، وعطف عليه. فطالما يعيش في دارة على هذا الشارع المنمق الفسيح، بأشجاره الوارفه، وزقزقة العصافير من شرفاته، فذلك يعني أن له مكانة اجتماعية مرموقة، ومن هذه الناحية. شعرت بالارتياح، وأحسست بأن الحظ حالفه تقريباً في كل شئ.. مع أنه يعرف أن كرامة الإنسان لا تتوقف على مكانته الإجتماعية، أو منصبه، بقدر ما تتطلب الفطنة وقوة الطباع.

واصلت التطلع إلى واجهات الدور الضخمة المتعددة الطوابق من القرميد الأحمر الداكن والفاتح، وشاهدت الشرفات الكثيرة، وحاولت تصور الشقة التي يقطن بها طيري. بشرفة على أحد الطوابق العلوية، فظني أن تلك الشقق أفضل... ضوء الشمس فيها أسطع، والهواء أكثر، والرؤية من علِ أفضل، فبوسع المرء أن يشاهد نصف المدينة، إن لم يك كلها. فقبل زهاء عشرة سنين من الآن. حللت ضيفاً، أنا وزوجتي وبنتاي، على صديقي اللبناني، فأعجبت بالتطلع من شرفة شقته، مع أن تلك الشرفة لم تك عالية، فهى في الطابق الثالث لدارة من أربعة طوابق.. ومع ذلك. كيف سيستقبلني طيري؟. عن نفسي. سأطرق الباب بادئ الأمر، لن أطرقه طرقات لحوحة بقبضة يدي. بل الأفضل النقر بطرف إصبعي، وحالما يفتح الباب، يجب تراجعي خطوة، ولعل من المناسب خلع حذائي مسبقاً، فلا يجوز تدنيس المكان بالغبار العالق به، وعندما يفتح لي الباب، سأسأل في الدارة عن صاحب الشقة 48، هل يسكُن هنا بالفعل؟.. وحبذا لو فتح الباب هو نفسه.. ويقيناً سأعرفه رغم كر السنين التي يمكن لأي إنسان أن يتغير خلالها. ولكني أذكر ملامح أبيه جيداً، والإبن لابد وأن يشبه أباه في شئ ما، وأبرزها الشامة إياها. ولكن. ماذا لو فتحت الباب زوجته، أو أحد أولاده؟. ولكن. كلا. أطفاله لا يزالون صغاراً في أغلب الظن. ولكنه احتمال وارد. فإذا كان الولد في السابعة، أو العاشرة، فما الذي يمنعه من فتح الباب للضيف؟. وعلى أية حال. لا مشكلة. سأذكر إسمه، وأنا أعلم أصعب شئ سيحل في تلك اللحظة. فأنا أعرف مدى ما ينتاب المرء من فرح وقلق عند لقاء إنسان يعرفه من زمان بعيد. بعيد جداً. آنئذ ستستولي عليّ الذكريات والدهشة، وحتى الإضطراب، بسبب اكتشاف عجيب. أنني كنت أعرف شخصاً آخر غير هذا الواقف أمامي.. أعرفه من ماضيا البعيد، وله من العمر عدة أيام، ولن يتمكن أحداً من بعثه واستحضاره، عدا ذاكرتي التي ظلت صافية وقوية، وبعد ذلك، على الأرجح. سيدعوني لدخول الشقة، وإن كنت لست بحاجة لتلك الدعوة.. لآنني سأجتاز عتبتها بسرعة ولهفة. وأعترف الآن بأنني تعودت في الدارة،  ألا أخلع حذائي الجلدي، وأنا أدخل مسرعاً من الباب، وأتوجه إلى المائدة. أما هنا، فيجب أن أخلع حذائي قبل كل شئ، خاصة أن جواربي جديدة. لن أشعر منها بالخجل. وبعد ذلك. سيدور بالتأكيد بيني وبين "وضاح" حديثاً سهلاً، فأنا رغم تفكيري الطويل، لا أتصور كيف سيبدأ معي ذلك الحديث، وبم يبدأه. ولكن. لنترك ذلك للمستقبل. وهأنذا أتخيله وهو يشدني للمائدة، فأعود بسرعة إلى حقيبتي التي تنبعث منها رائحة طعام زوجتي، ومع أن المدن لا تفتقر  إلى الأطعمة، فإن مائدة طيري سوف تتسع بالتأكيد للفطير الريفي الذي يفتقر إليه أهل المدن، ولعلبة عسل نحل من منحلي، ولزوج من الحمام المشوي من "غية" سطح دارتي.


author-img
بقلم: عزت عبد العزيز حجازي - المُحامي

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent