recent
أخبار ساخنة

مناظرة بين مُعلم وطبيب

مناظرة بين مُعلم وطبيب
 

مناظرة بين مُعلم وطبيب


     الطبيب : - من ذا يُساجلنى  الفخر، ويُنازعنى طِيب الذِّكر، ويطمح أن ينال مانلته من مجد مُخلد، وعِز وسُؤدد ؟ يزعُم من لا دراية له أن المعلم والطبيب غُصنا دوحة، ورضيعا لِبان، فهما فى الفضل مستويان، وفى حَلبَةْ العَلياء فرسا رهان. أجل لأبى التلاميذ منٍّة مأثورة، ويد بيضاء مشكورة. ولكن كما قيل – ماء ولا كصداء  ومرعٍى ولا كالسعدان. لا يعتقد أستاذى أنى جئت شيئاً نُكراً، فالحق يقال وإن كان مُراً، وهل ينكر علىّ أنى ذلك النطاسى البارع، حامِل عرش الإنسانية، وناشر لوائها، وماسح عبراتها، وآسى كلومها، وماحى آلامها ؟ لولاى لنشبت بالناس براثن العِلل، وعلَت بهم مخالب الأمراض، ولا تَّسع المجال لخاطف الآجال. وانقلبت المنازل مناحات، لا تخلو من حزن مُجدَّد، وأنين مردد. ألست – ثمال  الأطفال : قلق وسادهم، ونبا مهادهم ؟ وملاذ الشباب، ذبلت زهرتهم، وانطفأت بهجتهم ؟ وعماد الكهول : مال ميزانهم وانصدعت أركانهم ؟ وسند الشيوخ : نال منهم الهِرم، وآذنت شمس حياتهم بالمغيب.

     المعلم : ×- أى بُنىّ الذى رعيته طفلا ويافِعا، وربيته جسما ونفسا، وثقفته فكراً وعقلا، وهذبته شيمة وطبعا، لأنت أولى من يثمر عنده الجميل، وتذكو لديه العارفة  وأحق من يعى قول القائل – من علَّمنى حرفاً صرت له عبداً – أتذكر إذ كنت عجينة رخوة، فصورناك كما تهوى الفضيلة، مثالا حيا للأدب، ورمزاً ناطقاً للكمال، وصحيفة بيضاء رقمنا عليها سطوراً نورانية من سجايا كريمة، وأخلاق قويمة. ألم تك نبتة غضة فتعهدناك بالرىِّ والسُّقيا، حتى ترعرعت شجرتك، وأينعت ثمرتك، ووردة فى كمامها لم تتفتح ، فحطناك بالعناية طوراً بعد طور، حتى أرَجت رائحتك، وبهر منظرك، وغدوت قرة العين وريحانة الأنف، ومسرة القلوب، أحين بلغت أشُدك، وأتيت أُكُلك، وقلنا قد عرف ما وجب عليه، وشكر ما أُسدِىَ إليه، تسومنى العقوق، وتجحد الحقوق كأنك المعَنْىّ بقول القائل :

  أُعَلِّمه الرماية كل يوم       فلما إشتد ساعده رمانى

 

وكم عَلَّمْتُه نظم القوافى       فلما قال اقفية، هجانى

      الطبيب : - أنا لا أنكر أنى صنيعة يدك، وثمرة غرسك، ولكن قد يفوق الفرع الأصل، ويبرز الحدَث على الكهل، وكم أب شَرُف بأولاده، وجدّ علا بأحفاده، وقد شهد الناس أن فضلى باهر، وأثرى ظاهر، وحسبى أنى برء الأسقام، وعافية الأبدان، وسلامة الإنسان، بى عرف الناس كيف يتقون الأمراض، فلا تحل بساحتهم، ويتداوَوْن منها إذا أصابتهم، وأصبحوا يدرون النظام الصحى دره، فرغد عيشهم، وسعدت حياتهم، وهنأهم الطعام والشراب، وتمتعوا بزينة الله التى أخرج لعباده والطيبات من الرزق، واطمأنت نفوسهم، وذهب عنهم الروع، إذ عرفوا أن لكل داء دواء، وأن الطِب الحديث يبرىء الأدواء وإن تعاصت، ويحسم ×العلل وإن عضلت. لعلك رويت أنباء الأوبئة التى تفتك بالنفوس، وتحصد الأرواح، فتقفر الدور وتخرب المصانع والحقول، وتكون أشد على الجيوش المتحاربة من ظُبا السيوف، وقذائف المدافع، لقد وُقىَ الناس شرها وأمنوا ضرها، فكثر النسل، وازدادت الأيدى العاملة، ونمت تبعا لذلك غلات الزراعة، ومُستحدثات الصناعة، وأزهرت الحضارة، وانبسط العمران. إن المرء لا ينتفع بالعِلم ولا ينجع فيه التعلم، إذا كان عليل البدن – فالعقل السليم فى الجسم السليم   - وهل يستوى رجُلان : رجُل يحارب الجراثيم، ويناضل الأسقام، ويداوى المرضى، ويتعرض لخطر العدوىَ، وكثيرا ما أهتُر غصنه وذوى شبابه، وذهب ضحية الواجب والإخلاص، ورجُل كلُّ بضاعته الكلام، وعمله محصور بين الدفاتر والأقلام، وصناعته تدريس علوم نظرية، ومسائل جدلية، لأطفال وصبية يُعِدُّهم للتعطل من العمل والركون إلى الكسل. أليس فى مصر ألاف من المتعلمين، يحملون الشهادات، ويتسكعون فى الطرقات، لا يحسنون صنعة، ولا يجنون ثمرة، ولو لم يتعلموا لكانوا زُراعاً مشتغلين، وصناعا ماهرين، ولما أنفت نفوسهم الأعمال الحرة، فوقفوا على أبواب الحكومة موقف الذلة والمسكنة، ولا يؤذَن لهم. وهل يعتقد الأستاذ الفاضل، أن إلقاء درس أو شرح مسألة، أو تصليح كراسة،يزن عند الله تسكين ألم مُبْرح، أو إستئصال علة مُضنية، أو إجراء عملية خطرة، أو إنقاذ نفس مُشرقة.

     المعلم : - أى بنى، إنى خليفة الأنبياء والمرسلين، ونبراس الهدى بين العالمين، فإن كنت تحارب المرض فأنا أُحارب الجهل، وهو أشد خطرا، وأعظم ضربا. وإن كنت طبيب الأشباح، فأنا طبيب الأرواح، وإن كنت مربى الأجسام فأنا مربى الأفهام : -

     قالوا الطبيب له فضل، فقلت لهم

                              لولا المعلم، ما كان الأطباء

     بالطب صحَّت جسوم الناس من سقهم

                              وبالمعـلم، أخلاق وآراء

 أتنسى أن المعلم ثِقاف  العقول وصقال الأفكار، وشفاء الجهالة، ومنار الأخلاق. يطبع الأطفال على الفضائل، ويأخذ الفتيان بحسن الشِّيَم، وعلو الهِمَمْ، ويمُد الأمة بذخيرة ثمينة من الرجَال العاملين، يرفعون قدرها، ويُعّلون ذكرها ؟ أتنسى أنه أبو الشعب، تأدب على يديه الأمير والوزير، والجليل والحقير، والغنى والفقير، وكلهم يعظمون مكانته، ويعرفون منزلته. أليس هو الإنسان الذى وقف حياته وأوقاته، ومواهبه ومعارفه على أبناء وطنه، فلا يطعم الراحة، ولا يذوق الهناءة، ولا يعرف غير التدريس بالنَّهار والإستذكار بالليل، قانعاً بأجر زهيد، تربح أضعافه فى ساعة واحدة، فمثله كمثل السراج، يضىء لكم ويحرق نفسه. لا تذكر التضحية، ولا تتغنَّ بالإنسانية، يا من يهبظ الغنى، ويكلف الفقير مالا يطيق، ولا يستحيى أن يطلب أجرته، والمريض محتضر، يقدم موسِرا إذا ضاعف الجُعالة، ويردّ فقيراً أتى له، وقد يُطْلَب ليلا لإغاثة ملهوف، ربما كان وحيد أم أو كافل صبية، أو عميد أسرة، فيأبىَ أن يجيب أو يتدلل ويتعلل، حتى تمتلىء يده بما تصبو إليه نفسه. لقد أبى لكم الطمع الأشعبى. إلا أن تجعلوا كل صحيح سقيما، وكل مُعافى مُدنَفا، فملأتم النفوس وهماً، وأسكنتم القلوب خوفاً وفزعاً، فغلب على الناس الخور والجبن. هذا وإنَّا معدن ثروتكم ومفتاح رزقكم، فقد أبنَّا لكم منافع الطب، ووقفنا كم على آثاره، فرغبتم فى تعلمه، وكشفنا ظلام الأباطيل والخرافات بنور التعليم، فعرف الناس فضلكم وأقبلوا عليكم، ولولانا لبقيتم كما كنتم، يخافكم الناس، ويفرون منكم، ويؤثرون على طبكم، طب العجائز والدجالين.

     أى جالينوس الصغير: الحق أحق أن يتبع، والصدق حرِى أن يستمع.

     أرأيت أفضل، أو أجَل  من  يبنى وينشىء، أنفُساً وعقولا.

 

author-img
عزت عبد العزيز حجازي - المُحامي

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent