recent
أخبار ساخنة

محاورةُُ بين تلميذينِ نال أحدهما ساعة، ونال الآخر حقيبة

 

محاورةُُ بين تلميذينِ        نال أحدهما ساعة، ونال الآخر حقيبة
محاورةُُ بين تلميذينِ

      نال أحدهما ساعة، ونال الآخر حقيبة


     أحمد : - ألا ترانى يا رُشدى، قد أبليت بلاء حسنا، فى حفلة الألعاب اليوم ؟ فتفضل معالى وزير المعارف، بمنحى تلك الساعة الجميلة، مُكافأة لى على همتى وحثًّا لغيرى على منافستى.

رُشدى : - : - نعم يا أحمد، هِمَّتُك كبيرة وساعتُك جميلة، ولكنها ليست خيراً من حقيبتى تلك، التى أُعطيتها، جزاء لى على سبقى، واعترافاً بنشاطى وتفوقى.

     أحمد : - يظهر يا صديقى أنك لم تُحِط خُبراً بمزايا الساعة، حتى يقوم بنفسك، أن حقيبتك مثلها، أو خير منها.

     رُشدى : ×- وهل لديك شك أن حقيبتى هذه خير من ساعتك ؟

     أحمد : لتُقنع نفسك بنفسك يا رُشدى، أن ساعتى هذه خير وأغلى، أنصح لك أن تُطَوِّف بهذا الجمهور الجرَّار من النظَّارة، وتسألهم واحداً واحدا عن الساعة، وإنى لواثق أنك سترىَ كُلا يحملها، إلا قليلا منهم، وهذا برهان قاطع على ضرورة الساعة، وجليل فوائدها.

     رُشدى : - تطلَّع إلى هذا الحشد الهائل من التلاميذ يا أحمد، تر كلا منهم بيده حقيبة، وفى هذا حُجة دامغة عليك فى أن الحقيبة لا تقل فائدة عن الساعة. وأظنك لا تجادل فى أننا كُنا فى الحفلة فرسَىْ  رِهان، وكلانا حظِى بالإعجاب والإستحسان، فلولا أن معالى الوزير يعتقد أن الحقيبة على الأقل فى قيمة الساعة، لما خصك بها دونى.

     أحمد : - هب أنك لا تحمل ساعة.، وأُغْمِى  يومك فخدعك الوقت، وذهبت متأخراً للمدرسة، ألا يطرُدك الناظر ذلك اليوم طرداً، أو يوقع عليك عقوبة، هى من ذلك أشد وأنكى، ولو كانت لديك ساعة، لذهبت مُبكراً فارتشفت من رحيق العِلم، وأبقيت على نفسك كرامتها، ولم تنقص درجات مواظبتك، ولم تُكتب فى سجل المهمِلين.

     رُشدى : - هذا أمر ماأنكرته، كما أنك لا تستطيع أن تنكر، أنك لو ذهبت للمدرسة، تحمِل أدواتك فى غير حقيبة، لتعبت تعباً، وغُلَّت يداك عن أى عمل آخر، فلا تستطيع أن تخرج منديلا من جيبك، أو تسلم على صديق لك، وقد يضيع منك كتاب أو تسقط ورقة أو مسطرة، فينسبك المعلم للتهاون والتقصير، ولا يسمح لك أن تلبث فى حجرة الدراسة عُطْلا من بعض الأدوات، فيخرجك من بين التلاميذ مُشيعاً منهم بنظرات السُّخرية والتحقير، إلى حيث تقابل الناظر فتلاقى منه تأنيباً يقطِّع الوجه، وعتاباً يزرى بنفس الكريم. ولو كانت لديك حقيبة لما سِرت مغلول اليدين، وحفظت أدواتك من الضياع والتلف، واستنفدت الدرس وأرضيت المعلم، وفررت من عقاب المدرسة وسخرية الأولاد.

     أحمد : - مهما أطريت الحقيبة فلن تبلغ شأوَ الساعة : لطيفةِ الجسم، دقيقة الحجم، تلك التى تساعد المرء

على الوفاء بمواعيده، وتنبه الناس إلى فروض العبادة، فيؤدونها لربهم وتسير بإذنها القُطُر، وينتظم بهديها فى   الدواوين دولاب العمل، ويراوح بها الطالب بين الإستذكار والنوم والإستراضة : فيعطى البدن حقه من الراحة، والعقل نصيبه من الفهم والتحصيل.

     رُشدى : - ولكن ما ذكرت لا يلزمنى أن أحمل ساعة، فقد يكفينى أن أسأل فرداً مثلك، عن الوقت فأعرفه. وأكبر ظنى أنك على يقين، أن الطبيب مثلا مضطر إلى إحراز الحقيبة، حتى إذا دُعِىَ لزيارة مريض فى منزله، أخذ فيها الآلات الجراحية، والأدوات الضرورية، أليست الحقيبة إلفاً أليفاً لرجال الإسعاف والسماسرة، ووعاء لطيفاُ للمُسافِر، وخلاَّ وفياً للمُعَلِم، تحفظ له الكراسات والدفاتر، ورفيقاً أنيقاً للمُحامى والقاضى، يضعان فيها المذكرات والمستندات والمحاضر. أنا مُستيقن يا أحمد أنك غمطت الحقيبة حقها، وستؤكد ذلك، يوم تقوم لرحلة مدرسية، أو سفرة علمية، فلا تجد سواها، يقى زادك ومتاعك، وتلزمك فى غُدُوَّك ورواحك، حينئذ تعتذر لها، وتعترف بشأنها.

     أحمد : - ما هذه التى أعتذر لها، وهى جلدة ناصلة، وجثة هامدة، ربما كانت فى عنق ثور مقروح، أو ظهر حمار مجروح، أتعدل بها ساعتى البراقة الجميلة، التى تهتز أعضاؤها، وينبض دائماً لبها بدقات متتالية، تمثل اليقظة والحياة.

     رُشدى : - حقاً يا أحمد : - إن القِرد فى عين أمه غزال – أليست ساعتك ذات البريق والجمال، كانت فُتاتاً من المعادن مُتفرقاً فى الحِجارة والرمال، وكم ديست بالحوافر ووطئت بالنِّعال، فهى تمُتُّ للحجارة بسبب، وللجماد بنسب، وحقيبتى بنت الحيوان، والحيوان يحس ويحيا ويموت كالإنسان.

     أحمد : - لا تسخر من ساعتى، وإلا نسخر منكم كما تسخرون.

     رُشدى : - عفواً يا صديقى،، فإن معالى الوزير لم يمنحنا هاتين الجائزتين لقيمتهما الغالية. بل لغرض من ذلك أسمىَ وهو أن يكسبنا بذلك شرفاً، ويقلدنا فخراً، فهما شعار الفوز ووسام النجاح.

     أحمد : - هو ذاك يا صديقى : - كل حزب بما لديهم فرحون.

     رُشدى : - كِلانا فرح والحمد لله، هيا بنا نقتعد السيارة قبل أن تمتلىء بالتلاميذ.

 

author-img
عزت عبد العزيز حجازي - المُحامي

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent