recent
أخبار ساخنة

حميده ولدت ولد

 


ينصرف أبي مسرعاً، وهو يلعن في سره سلسفيل الغقير متولي الهلهلي، قبل أن يمتطي صهوة المدق الترابي من جديد، يصحبه عن يمينه شريط من المراعي والحقول والبساتين والسواقي والطبالي وأشجار النخيل وتعريشات مص القصب والأخصاص والأعشاش وأكوام السباخ والزرائب وأقراص الجلة الناشفه وأحمال القش والحطب وشواهد القبور والنخلتين السامقتين اللتين تنبعان من أصل واحد، وتتفرقان قليلاً
 في غيط الحوض القبلي المملوك لأبيه الهلالي. وعن يساره كذلك. يصحبه عدداً لا يستهان به من بقع الهيش والبوص والغاب والطين والسباخ وأشجار الصفصاف والزنزلخت والكافور والنبق واللبخ والتوت والجميز وطلمبات المياه والمصليات المكشوفة والمعروشة، المفروشه بالحُصر الداكنة، والمؤطرة بالجدران الواطئة جداً، وفجأة. في وحدته الكاملة، وسيره اللاهث الملسوع.. يلمح عن يمينه شبح مهلهل الثياب، يفرد ذراعيه على جانبيه كصليب المحنة. فيخفق قلبه بشدة، وهو يبصق في عبه، مسرعاً من خطواته أكثر، رغم علمه بأنه خيال مآتة بستان ورود الخاله ماريَّا، ولا ضير منه، ولكن. تحسباً للقادم. كان عليه أن يقرأ الكرسي، والمعوذتين، وقل هو الله أحد، ولم ينسى كذلك أن يتشهد، ويستعين بالله من كل شيطان مريد، ومن كل هامة ولامة. يؤنسه حفيف جلبابه الفضفاض الدبلان الأزرق الواسع الطويل المخطط بالطول، والعمامة البيضاء التي يكبسها الآن على رأسه، وهو يمُر من جوار دير ملاك كنيسة حنين، بصليبه المعدني الصدئ، وبرجه الحجري الواطئ، وكذلك صحن المسجد القديم، بهلاله المعدني الصدئ هو الآخر، ومئذنته الحجرية الطويلة المشروخة. وبعد قليل.. يتراءى له قصر الباشا ناهضاً على تلته الحمراء في بنفسج السحر، ذي الشرفة الحليبي العالية الممتدة والملتوية كالأفعى، تعلوها المقرنصات والمشاكي والنقوش العربية البارزة، والثقوب والنوافذ الزجاجية البيضاوية التي تتسرب منها أضواء الشموع والقناديل والسهارات، تلقي بنورها الكابي على جسر الترعة الخشبي الممتد كالصراط بين الضفتين، بأفاريزه المعدنية الصدئة، وتكعيبة البوص والحلفاء والغاب وعيدان القش، والوسعاية الخارجية المعشوشبة لدار الخالة ماريَّا التي يعب عباً من ماء طلمبتها الصدئة، محدثاً ضجيجاً خفيفا مشروخاً، حامداً الله على نعمه، وأن بلغه سلامة الوصول، وهو يتجه الهوينى من جوار تكعيبة العنب التي تتدلى من بين أعوادها الخشبية المتداخلة العناقيد الطايبة على فروعها واللامعة كعيون القطط، تشاغل بها شجرة التوت المثمرة الضخمة بأذرعتها الأخطبوطية التي يتشمم رائحتها العتيقة، تتسرب عطراً مقطراً إلى أنفاسه اللاهثة وهو يجوس ويدوس على العديد من حبات التوت والأوراق اليابسة، فيحدث هسيساً تجز له أسنانه، قبل أن توقفه المصطبة الطينية وشقشقة سرسوب من ضوء سهاري يتسلل من خصاص الباب الخشبي السميك العتيق، برسوماته النباتية الضامرة، كباب داره ودار أبيه الهلالي، وبحدوة حصانه المعدنية الصدئة المعلقة في منتصف حافته العلوية كتميمة لجلب الحظ وطرد الجن والعفاريت والشياطين، لا طرده هو بالطبع. وأمام الباب الخشبي يتسمر كالوتد وهو ينادي بخجل العذارى، وينقر بإصبعه الوسطى عدة نقرات لينات متباعدة: يا خاله ماريَّا، يا خاله ماريَّا.

بصوت متهدج رخيم من بين حيطان الرئة وحبال الحنجرة ترُد الخاله ماريَّا التي لا تخشى عفاريت الليل وكل مخلوقات النار، بل تتحدث معها ليلاً ونهاراً كُلما حاول أحدها تخويفها أو مُداعبتها بعد وفاة بعلها مُرقُس راعي الكنيسة العقيم: إنس أم جن يا ولَه؟.

     -إنس يا خاله. إنس.

     -إسمك؟.

     -سعد، سعد الهلالي يا خاله. إفتحي.

     -خير يا شيخ سعد؟.

     -ولاده يا خاله. ولاده.

     -حاضر يا ابني، لحظه واحدة.

تفتح الخاله ماريَّا الباب وتخرُج، وما ان ترى أبي حتى تبتسم ابتسامة هتماء وتقول له: صباح الخير يا ابنى.

لم تاخُذ السنين من حيويتها وبشاشتها، بعينيها الصافيتين المكحولتين الواسعتين والأنف الأقني والشفتين الرقيقتين كورقتي وردة.

تغلق الخالة ماريا الباب وتمشي مع أبي، وعندما تُلاحظ صمته تقول له: بكريَّه يا ابنى؟.

يضحك أبي وبدهشه: أنسيتي يا خاله؟.

     -نعم يا ابني نعم، يقطعنى، نسيت، ربنا ينتعها بالسلامه.

يتردد فى الأفاق اذان الفجر، تُتمتم مولدة القرية بكلمات الدُعاء، يدعو أبي أيضاً، ثم يصلا معاً الى الدار، وهناك يفتح أبي الباب بصرير خشن.

كانت أمي لا تزال تتأوه، فتدخُل الدايه حجرتها، ثم تطلب من أبي ماءً ساخناً وصابوناً.

يُعد أبي الماء الساخن، ثم يناول الداية الإناء وكذلك الصابونة.

تُغلق الخاله ماريَّا باب المندرة البحرية، كى تحول بين أبي وأختاي الصغيرتان وبين صراخ أمي.

كانت عقارب الساعه لا تسير، والوقت ثقيل وراكد كالرصاص المُنصهر.

ينخلع فلب أبي مع كل آهه ولو خافتة، يرفع عقيرته بالدعاء.

خمس دقائق تمُر كدهر طويل.

يتجه أبي نحو أمي، وما إن تراه حتى تبتسم له ابتسامة واهنه شاحبة، فيقبلها على جبينها، في حين وقفت الخاله ماريَّا ترفع الوليد بيد واحدة فى وضع مقلوب، وتأخذ تضرب على قدميه برفق، وعلى ظهره كذلك، فيتدفق من فمه بعض الماء والرغاوى، ثم تُعدل من وضع أنفه وسقف فمه تهتف: مبروك يا ابنى. فيعقب أبي وجسده ينتفض من القلق والترقُب: ولد أم بنت يا خاله؟.

وهى تبتسم ابتسامة خفيفة مُجهدة: ولد أبيض مثل الفل، أمينه اتوحمت على قمر، يتربى فى عزك يا شيخ سعد.

ترتسم على وجه أبي الأسمر المستدير الشاحب ذي الندبة الطويلة على خده الأيمن أغاريد الفرحة، ثم ابتسامة مضيئة مثل جمرة مشتعلة، وتلتمع عينيه الممتلئتين القاسيتين يعلوهما حاجبان كثيفان بلمعة لا تمت بصلة إلى عالمنا، وبسعادة ثعلب يطارد الريح والبوم أمام قصعة القوالح والجوزه والإبريق عند الوسعاية يأخذ يرسم بجسده النحيل وجلبابه الفضفاض الدبلان الأخضر الواسع الطويل المخطط بالطول دوائر راقصة، مهللاً فرحاً، ومتخذاً سيماء امرأة تتمنع قبل أن تلين، مانحة لذائذ جسدها وأطيابه لمن يعرف كيف يستخرجها منه. يصيح وهو يلقي بعمامته البيضاء الشاهي على الأرض: يا حالولي يا اولاد عندي ولد.

تضحك أمي والخالة ماريََّّا من مقولة أبي العجيبة، ومن مشهد رقصه الهزلي العفوي الذي يخرجه عن وقاره الديني كأصغر شيخ لمسجد القرية العتيق ذي الميضة الخلفية والمأذنة الطويلة المشروخة والحمامات السِّت.

     (يتربى في عزك يا شيخ سعد).

تقول الخاله ماريّا بود صادق وهى تلف الشال على راسها وتتأهب للخروج، فيمد أبي يده بنصف جنيه مرة واحدة، فترفض الخاله ماريَّا في البداية ان تأخذ أتعابها: يا ابنى خيرك سابق. ولكنها تستسلم كدأبها في المرتين السابقتين تحت إصراره وتحليفه لها بالمسيح الحي وبرحمة بعلها المقدس مرقس الراحل إلى ملكوت الرب.

يمشى أبي مع الخاله ماريَّا مرفوع الرأس، وضاء الجبين، ثم ينظر إليها وهى تبتعد حتى تختفي مع منحنى الدرب المعشوشب المغمور بضياء الصبح وشقشقة العصافير وتغريد البلابل، والواصل بها إلى مجرى الترعة الذي يعطيه أبي ظهره عائداً وهو يرسم من جديد دوائر راقصة، وعلى شفتيه ترتسم ذات الإبتسامة المضيئة مثل جمرة مشتعلة، وبعد أربعة أعوام من ولادتي يكتشف أبي وأمي بأني ولد ملبوس بجن مصوّر، وهو أمر كما ترون مهول ومفزع، لأنِّي كنت ولد شقي جداً، عنيد ومشاكس، بل ومعجون بماء العفاريت كما أخبر عني الكل، ولا أتورع عن فعل أي شئ حتى ولو مُصيبة، وكانت أمي بالطبع تضربني ضرباً ياما مبرحاً، لا أدري له سبباً في حينه، ربما والله أعلم بعد أن ضربت الرقم القياسي في الصعلكَة والصياعة واللف على غير هدي بأنحاء القرية والقرى والنجوع والعزب والكفور المجاورة، وفي كل مرة كُنت أُتلقى فيها علقة ساخنة. كانت جدتي حليمه، أو جدتي المنقِذة كما صرت أطلق عليها تتقدم لخلاصي من بين براثن يد أمي وهى تصرُخ في ابنتها الشرسة، موبخة إياها، وملوحة بعكازها الخشبي في وجهها المكور الأبيض الملظلظ، فلقة القمر، وقد انحسر كُمها الواسع عن سمانة ذراعها النحيلة المرفوعة، وعندما تيأس جدتي من استجابة ابنتها لها تخفض ذراعها وهى تستحلفها والدموع تملأ عينيها بالست الطاهرة أن تتركني وشأني، فتتركني أمي على مضض والشرر يتطاير من عينيها ألوان. وقتها لم أدر من هى الست الطاهرة. وما سبب طاعة أمي العمياء لها، لا طاعة جدتي الحنونة الطيبة. هل هى السيدة زينب الوحيدة من بين الأنبياء القادرة على شفاء جدتي من الوجع؟. أم هى مريم البتول، العذراء التي ترفرف روحها أحياناً فوق صليب سطح دير ملاك كنيسة حنين، فيعود البصر إلى بعض العيون العمياء وتدب الحركة في بعض السيقان الكسيحة؟.

أذكر أني قلت لجدتي المنقذة ذات مرة: لماذا لا تكون أختي من الأنبياء؟. فتضحك جدتي بكركرة داوية وتقول: أي واحدة منهما تقصد، فاطمه أم علياء؟. فأرد بسرعه: فاطمه. فتقول جدتي بغمزة من عينيها المغبشتين الضامرتين: ولماذا فاطمه؟. فأبتسم وأقول بخجل:

     -لأنها بيضاء مثلك يا جدتي.

وهكذا تضحك جدتي من جديد بذات الكركرة الداوية، وتضرب بعكازها الخشبي الأرض، وهى تكاد تستلق على قفاها من كثرة الضحك، وعندما تنتهي من وصلتها المرحة المُخيفة، تلم ذيل جلباها الأبيض الشاهي بأكمامه التي تغطي مرفقيها، ثم تقول كما لو كانت تتحدث كالعادة مع نفسها، أو إلى أحد آخر لا أراه أنا، كلما سرحت مع سنوات عمرها العديدة التي مضت: ولكن يا ستنا الطاهرة، أيكون الولد قد فقد عقله؟. وعندما تنتبه لوجودي تحتضني بقوة وهى تطبع قبلة ماصة على خدي الأيسر أتلوى لها، ولكن لا أحتاج إلى مسح مكانها كما أفعل مع الكثيرات من فتيات ونسوة القرية المائعات، وبعدها تقول جدتي بجدية لم أدر لها سبباً آنئذ: يا حبيبي لا يوجد بين الأنبياء إمرأة واحدة من الأصل، بيضاء أم سمراء، أم بين البين. فأستعرب بشدة (كيف هذا؟). وبعدها لا أكترث.

كُنت في كل مرة أتعرض فيها للضرب، أنفلت سريعاً من حُضن جدتي المنقذة، فهى على أي حال كان قد وهن العظم منها، ولن تقوى على حمايتي أكثر إن فكرت أمي في مواصلة ضربي الذي انقطع بتدخل قوة قاهرة، وهى ستنا الطاهرة لا جدتي المنقذة كما كُنت أتوهم في حينها، لذا كان لوذي الدائم بالمندرة البحرية القريبة من شجرة التوت وباب الدار الخشبي السميك برسوماته النباتية الضامرة والذي لا يُغلق إلا في آخر الليل، أو بعد عودة سرب البط والآوز من رحلته اليومية إلى مياه الترعة، هو ضرورة حياة، ذليلاً مدحوراً، تنحدر الدموع من عيني، أمسحها بظهر كفي، وأمسح في صمت مخاطي في طرف كُُمي، وأنا أنظر إلى صورة مريم البتول العذراء الملونة، وبين يديها رضيعها الجميل بشكل مبالغ فيه، وبجوارها صورة أخرى ملونة للكعبة المشرفة ورجل عجوز بجانب الكعبة يرفع يديه بالدعاء، وصورة ثالثة أبيض في أسود للملك المُفدى فاروق بطربوشه ذي الذر الطويل. ولكن. ما الذي كان قد أصاب أمي يا ترى؟. لماذا تضربني هكذ مع كل حالة غياب؟. وما الضير في الأمر؟. فكُل أولاد القرية تقريباً يتلبسهُم جن مصوَّر مثل جنِّي، ومعجونون أيصاً بماء العفاريت مثل مائي، وبالتالي يفعلون مثلي وأكثر؟. فهل كانت أمي تخشىَ عليّ من الفقد لأني ولد وحيد ومن قبلي بنتين؟. أم لا قدر الله هى فاقدة العقل لسبب لا أدرية كصاحبة الطاحونة المهجورة العانس دميمة الوجه؟. أو كذلك الرجُل الضخم أشعث الشعر الذي يقيم في الدار المسكونة بالعفاريت، الكائنة في الزقاق المجاور لكُتَّاب الشيخ عصفور، وأخافه وأركُض فزعاً لمجرد رؤيته، أو لمطاردته لي ولأترابي ونحن نشبُك أيادينا ببعضها ونغني أغنية واحدة لها مقطع واحد يتكرر في دورة متصلة لا تنقطع:

 

 

حميده ولدِت ولَد

سمتُه عبد الصَّمد

سابتُه ع القنايا

خطفت راسُه الحدايا

حد يا حد

يا بوز القرد

حميده ولدِت ولد

 من أجواء روايتي "عودة الموتى"

author-img
بقلم: عزت عبد العزيز حجازي - المُحامي

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent