recent
أخبار ساخنة

مُناظرة بين طالب فى الحقوق وآخر فى الهندسة

مُناظرة بين طالب فى الحقوق وآخر فى الهندسة
 


مُناظرة بين طالب فى الحقوق وآخر فى الهندسة


     شفيق : - ليت شعرى، مالذى حفزك إلى تعلم الهندسة يا رفيق ؟ وليس فيها ما يرغب : فهى عويصة المسالك، دقيقة المسائل، متشعبة الأطراف، تكد العقل، وتجهد الذهن، ولا تعد الإنسان ليكون رجلاً إجتماعياً، ملماً بشئون الحياة، واسع الإطلاع، خبيراً بتصريف الأمور، آخذاً من كل شىء بنصيب، كرجُل القانون، ذى اللفظ الأنيق، والفكر الطليق، والمنطق الفصل، الذى يصدع بالبراهين، ويجلو الشك بأنوار اليقين، تلتف عليه المحافل،  ـ وتزدان به الأندية، ويعشو الناس إلى ضوء رأيه، كما يعشو السارى إلى غُرَّة القمر المنير. لو أن السعادة لاحظتك عيونها، لانتظمت فى سلك الحقوق، كعبة العلم والأدب، ومَغنى البراعة والبيان، ومنبت الخطباء والشعراء، والكرام الكاتبين. هنالك الأبحاث الطلية، والفصول الطريفة، والإستنباطات الممتعة، والأحكام الصائبة، والآراء الدقيقة، والحيثيات المتينة. تدرس القوانين وفقهها، وتحذق الأقضية ومسائلها، وتتعرف أصول الحكم، ونظم السياسة، فتغدو رجلا تام الثقافة، مستكْمل التهذيب، صالح التربية، مستجمعاً شرائط العظماء، ناهضاً بما يلقى إليك من الأعباء.

     رفيق : -× حسبك يا شفيق، فقد أثرت كامن شجونى بهذه الأقوال، لقد كنت أنتظر منك – وأنت تعدّ نفسك لخدمة العدالة ودراسة القانون – أن تزن الأمور بالقسطاس المستقيم، وتقر الحق فى نصابه، فتميز الصحيح من العليل، ولا تساوى بين فاضل ومفضول. إننى ما طرقت باب الهندسة عبثا، ولا ولجته باطلا، فالعاقل من يقدر لرجله قبل الخطو موضعها، ولا يقرب الورد حتى يعرف الصَّدر، ولكن رغبتى فيها أنها للفكر بمثابة الصابون للبدن – كما نقله إبن خلدون عن أشياخه – حدانى إليها مما كتبه أفلاطون على بابه – من لم يكن مهندسا فلا يدخلن منزلنا – إننى لو أردت أن أكون ثرثارا متفيهقا، ولجوجا متشدقا، أو كنت ممن يؤثر المسائل النظرية، والموضوعات الجدلية، على الحقائق الثابتة، أو يفضل الأقوال على الأعمال، لكنت اليوم منتظما فى سلك مدرستك،، ولكنى ما أردت أن أكون يوماً خطيبا، يقول مالا يفعل، ولا كاتبا، يخط على القرطاس إفكا وضلالا، ويجعل الحق زورا وبهتانا، ولا شاعرا يتغنى فى كل ناد، ويهيم فى كل واد. أردت – وما أشرف ما أردت – أن أكون رجُل عمل وجد، وكدح وكد، وفكر واستبصار، لا حفظ واستظهار. إن الهندسة التى تزرى عليها، هى التى جعلت منك إنسانا رشيقا أنيقا، حسن البزة، لطيف الهندام، فليس بك من قمة رأسك إلى أخمص قدميك، موضع ليس للهندسة عليه دليل، أو لها فيه أثر جميل، حتى قص شعرك، وتقليم أظافرك، ومَوْس  عارضيك – وفى أنفسكم أفلا تبصرون – إن هذا العالم بما حوى من أوضاع رائقة، وأشكال رائعة وآيات بينات، وجمال وسحر وجلال، أبهر ما يستدل به على وجود الخال، مهندس الكون الأعظم، وصانعه الحكيم. قد تكون أنت فرحاً بمدرستك، ولكن ليس فينا طلبة الهندسة من يغبطكم على هذا، إن لم نرث لمستقبلكم المظلم، وصناعتكم الكاسدة. ولو كان لنا أن نتمنى الأمانى، لتمنينا أن تكونوا معنا : تتذوقون العلوم العملية، ذات النتائج المفيدة، والثمار الطيبة، بدلا من أن تسبحوا فى فضاء الأبحاث الجوفاء، التى لا تسمن ولا تغنى من جوع.

     شفيق : - يا عجبا كل العجب ! أنى يذهب بك يا رفيق، كأنك لا تدرى أن أبناء الحقوق، زينة الوطن فى ×

الرخاء، وعدته فى البلاء، أرباب الألسنة والأقلام، وذوو العقول والأفهام،. لك الله، أليس منهم القضاة، ميزان العدالة، وقسطاس الحقوق، وكهف الضعفاء، وموئل المظلومين، وظِل الله فى أرضه، ولرحمته بين عباده. ورجال النيابة : الآخذون بنواصى المعتدين، والضاربون على أيدى المجرمين، والمُذِلُّون لرقاب المفسدين، ورمز الحرية والنظام، وروح الطمأنينة والسلام. والمحامون : وما أدراك ما المحامون !! هُمْ الذين يكشفون غوامض القضايا، ويظهرون خبيئات الحوادث، ويجلون الوقائع فى ثوبها الشَّف الناصع، ويقذفون بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق، فيستنير الطريق أمام القضاء، ويستبين المجرمون من الأبرياء : -

أولئك أبائى فجئنى بمثلهم إذا جمعتنا ( يا رفيق ) المجامع

     فما تتمتع به البلاد من هدوء شامل، ونظام مُستتب، وخير عميم، أثر من آثار أياديهم البيضاء، ومحامدهم الغراء، وما خلت بقعة من أسرة القانون، إلا رأيت فيها الفتنة يقظة، والفوضى فاشية، والشر ضاربا * بِجِرانهوالفساد مُجْلبًا  بخيله وفرسانه، والفقر والبؤس فى أفظع أشكاله وألوانه. أمعن فى النظر إلى ما حولك من دواوين الحكومة، أو مصالحها المنتشرة فى أنحاء المملكة، هل عمرت ساحتها، وزهت أرجاؤها، واتسق عقدها، بغير هؤلاء السادة القادة الذين هم سَداد الأحوال، ونظام الأمور، وملء العيون والصدور ؟ من ذا الذى يملأ مناصب الدولة ويتربع فى دست وزارتها ويدير رحى سياستها، ويصرف زمام إدارتها ؟ ومن يحل عقد المشكلات، ويجلو ظلام المدلهمات. ويستضاء برأيه فى المهمات، ويحل الصدر فى الأندية والمجتمعات ؟

     ومن ذا الذى يصدع بالحجج والبراهين، ويسن القوانين، ويصدر التشريع النافع للأمة، يفيض عليها اليسر والرخاء، والنعيم والهناء، ويدرأ عنها الشر والوبال، ويقيها التفكك والإنحلال ؟ أين من تلك الأعمال مسح الأرض وشق الترع، وكّرْى  الأنهار، وإقامة القناطر والجسور، وتشييد المساكن والدور ؟ وهل خلق المرء ليعيش كالأنعام يأكل ويشرب وينام. إن حياتنا أسمى من أن نشغلها بإسعاد الجسم، وتحصيل اللذات، وتوفير الأوقات، فلهذا العبث لم يخلَق الإنسان سيد المخلوقات.

     رفيق : - ما هذه المماراة – والحق أبلج والباطل لَجْلج – أرأيت إلى هذه الخضرة تحيط بنا، وذلك الماء يجرى من حولنا، وتلك الأشجار الفينانة تكننا، وتلك المروج السندسية تخرج الحب والبقل، والنخل والزرع مختلفاً أُكله، والزيتون والرمان متشابها وغير متشابه ؟ هل هى إلا نعمة الله عليكم أجراها على يدنا ؟ أرأيت إلى

تلك الطرق المعبَّدة تسلكونها، وتلك الصروح الممردة  تسكنونها، وتلك المدن الضخمة : قد إتسقت

مبانيها، وبهرت متنزهاتها، وعمرت خططها، أأنتم أنشأتموها أم نحن المنشئون ؟ أنت تعيش فى مصر – ومصر هبة

من النيل – ولولا المهندسون لطما فهلكتم غرقا، أو شح، فمتم جوعا وعطشا، فهم الذين أحكموا تصريف مياهه، وأقاموا له القناطر والسدود، فجرى بقدر معلوم. إن خمسة عشر ألف ألف نفس، يحتضنهم هذا الوادى، حياتهم موصولة بحياتنا، ومئونتهم مكفية بنا، ورزقهم فى أيدينا، لسنا فى حاجة إلى قوانينكم، فلنا فى الشرائع السماوية والقوانين الإلهية التى كفلت لنا صلاح المعاش والمعاد غنى عن ذلك وما هذه الجرائم والحوادث، التى أنشئت لها المحاكم إلا أثر من آثار الجهل السائد، والفقر المدقع، ولو أن الجوع عضك بنابه لكنت أول من ينتهك القانون يا رجُل القانون. فإذا إنتشر التعليم، وعَمَ الرخاء، بإصلاح الأرض وتحسين الزراعة، إمتلأت النفوس بالمودة، وساد الإخاء والصفاء، وأنصف الناس من أنفسهم فلا محاماة ولا قضاء. ×

        لو أنصف الناس إستراح القاضى

       وبات كل عن أخيه راضى

أليس من نكد العيش ألا تنفق سوقكم وتروج بضاعتكم، إلا إذا عمت الويلات، واستفاضت الجنايات، كأنه كتب عليكم أن تستمدوا حياتكم من موت غيركم، وتبنوا سعادتكم على شقاء سواكم، ورحم الله القائل : - مصائب قوم عند قوم فوائد.

     إن العالم صائر إلى سلام، وقد إستنارت العقول، وزال التعصب الذميم، وعرف كل إنسان ماله وما عليه، وسيأتى وشيكا ذلك اليوم الذى يرجع الناس فيه إلى محكمة الضمير، فلا قاضى إلا العقل، ولا محامى إلا شرف العاطفة، وصادق الشعور : -

     عجل الوقت السعيد      أيها الرب المجيد

 

author-img
عزت عبد العزيز حجازي - المُحامي

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent