recent
أخبار ساخنة

كانت البنتان على حق

 

   

 

غرقت في أفكاري وهواجسي، حتى تجاوزت المكان المطلوب، وبدلاً من الرقم 78، رأيت على رُكن أحد الدارات الرقم 88، وعندئذ شعرت بشئ من الآسف وعُدت أدراجي مجتازاً بخطى سريعة الحديقة والدارة المزينة برُقعة هائلة تكاد تغطي طابقا كاملاً مكتوب عليها "كوافير حريمي"، ورأيت على الرّكن الرقم (68)، فتطلعت إليه هنيهة، وذُهلت مُتحيراً عن سبب اختفاء 10 دارات كاملة. وفي تلك الأثناء. سمعت صوتاً رقيقاً مُهذباً: يا عم. أي عمارة تريد؟. فالتفت. فوجدت على الرصيف بنتان، إحداهما شقرا في حوالي الثامنة من عمرها تتطلع لي بسذاجة وتهز كيساً مشبكاً فيه علبة حليب، والأخرى سمراء أكبر من صاحبتها قليلاً وترتدي سروالاً مما يرتديه الصبيان وتلعق في قمع بسكويت مملوء بالجيلاتي وتراقبني بشئ من التحفُظ. قلت: أبحث عن الدارة 78، هل تعرفان أين هى؟. فقالت السمراء: نعم. ولكن. العمارة من عدة أجنحة، فأي جناح تريد يا عم؟." فرحت أقلبها برأسي وأتساءل عن أي جناح تتحدث البنت. فلم أكن أعرف بذلك، فأنا لم أبد اهتماماً برقم الجناح، حفظت فقط عن ظهر قلب رقم الدارةـ ورقم الشقة، فما الداعي لرقم الجناح. ولكني أردت أن أتأكد من أنني لم أخطئ، فوضعت حقيبتي الثقيلة بعض الشئ على الرصيف وأخرجت من الجيب الداخلي لسترتي "الظرف" البريدي المدون في رسالته العنوان الذي أحتاج إليه. وفوجئت حقاً، فبعد رقم الدارة كُتب الحرف (ج) والرقم 3، وبعد ذلك أتى رقم 48. قلت: أعتقد الجناح رقم 3.. نعم. رقم 3. فحدقت البنتان في الورقة وتأكدتا من أن الجناح هو الثالث حقاً. قالت الشقراء: أنا أعرف موقعه. وأضافت السمراء وهى تشير بيدها: هناك با عم. وراء مظلة الأطفال. فاتبعت البنتين، ولكن اعتراني شعور بالحرج. وبعد قليل، تجاوزت البنتان رُكن الدارة، وقد بدا وراء الركن باحة شاسعة غير ممهدة بالكامل وحولها عدة دارات من خمسة طوابق تفصل بينها باحات صغيرة مطروقة ومماش مُعبدة بالأسفلت وصفوف من الشجيرات التي غُرست مؤخراً وعربات مُتناثرة، وعلى المصاطب قرب مداخل الدارات نساء يتجاذبن أطراف الحديث، وفي إحدى الباحات بين دارتين صبية يلعبون الكُرة الطائرة وصبية على دراجاتهم وأطفال يمرحون ويركضون ويلعبون في كل مكان.

سارت البنتان جنبي وسألتني السمراء وهى تتطلع في عيني. قالت: يا عم. لماذا أنت بيد واحدة؟. فقاطعتها الشقراء بصوت خافت دل على فطنتها. قالت: لماذا تسألين؟. ولكني اجبت البنت وقلت بابتسامة وفلت: بددت حرجها وحُمرة وجهها الشفيفة: يدي بُترت بسبب الحرب. فعقبت الشقراء: جارنا العم وردان برجل واحده. فسألتها: وأين الأخرى؟. فأجابت البنت: بترها أولاد العم1. فربت كتفها وقلت: وأنت أيضاً ذكية مثل صديقتك. فابتسمت وأضافت قائلة: وعم وردان يستخدم سيارة صغيرة. فعلقت السمراء وقالت: أبى قتله اليهود في الحرب. ثم أضافت بحسرة واكتئاب: أرادوا أن يقتلوا الجميع، ولكن المقاومة منعتهم. ثم وجهت ناظريها نحوي. سألتني: صحيح يا عم؟. فأجبتها بذات الإبتسامة التي لم تفارقني طوال حديثي مع البنتين:صحيح يا شاطره.

كان حديث البنتين عن الحرب قريباً إلى قلبي، وأعرفه جيداً. وفجأة أسرعت السمراء إلى الأمام، ثم استدارت نحوي وهى تلوح بـالكيس وعلبة الحليب. هتفت: أنت بطل يا عم. فقلت بسرعة: بل أبيك هو البطل. فضحكت البنت وأغلقت جفنيها بشكل طريف لتتقي أشعة الشمس وهى تشير عبر صف من أشجار الزيزفون" الفتية إلى دارة من أربعة طوابق رمادية اللون كسائر الدارات هنا. قالت: جناح 3 يا عم. فقلت متأثراً: شكراً يا بنات. في الوقت الذي ركضتا فيه البنتين على الممشى نحو المنعطف، بينما شعرت أنا بالقلق، فتباطأت خُطواني، فقد وصلت، وعندئذ أردت لسبب ما تأجيل دخول الدارة واللقاء المُرتقب مع الشخص الذي ظللت أفكر فيه وأتذكره طويلاً، إلا أنني تجاوزت الخور النفسي الذي لا داعي له، فطالما وصلت. فيجب مواصلة ما بدأته، وإلقاء نظرة ولو خاطفة وأسلم على الناس وأتأكد من أنني لم أخطئ، وأن هذا الطفل هو ذلك الإنسان الذي ترك في حياتي أثرا لا يُمحى مع الزمن. وبالفعل اقتربت من رُكن الدارة في البداية وقارنت الرقم على الظرف بالرقم المرسوم على الجدار الخشن المصبوغ بدهان زيتي بُني.

كانت البنتان على حق، فقد كٌتب على الجدار فعلاً بالعربية "الجناح رقم 3".

خبأت الظرف في جيبي وشددت زر الجيب بعناية وأخذت حقيبتي ومشيت.

كان عليّ إيجاد الشقة رقم 48، فتوجهت إلى المدخل الأول مًتردداً وأنا أتلفت. وفي الطريق نهرت "قطة" سوداء كانت رابضة بكسل قرب حديقة الزهور، ولما لم أجد رقم الشقة التي أبحث عنه. أخذت أسير للأمام. وعلى المصطبة قرب المدخل جلست عجوزتان طاعنتان السن وترتديان ملابس دافئة رغم الحر الشديد.. إحداهن ارتدت حذاءً برقبة كحذاء الجنود، والأخرى بيدها عصا تحركها بعناية على الأسفلت، وحين رؤيتي قطعت العجوزتان حديثهما الهادئ وتطلعتا نحوي باهتمام في انتظار سؤال مني، إلا أنني لم أسألهما، فأنا أعرف ما أريد. بل فقط ألقيت عليهما السلام. وهكذا مررت بالعجوزتين مُحرجاً وأنا أتطلع إلى اليافطة على الباب وبدا أني لم أخطئ هذه المرة، فالشقة رقم 48 لابد وأن تكون موجودة بالفعل.

إنتفض قلبي واشتد شوقي حين فتحت الباب برجلي ودخلت على باحة الطابق الأول.

كانت توجد أربعة أبواب للشقق الأربعة. فصعدت السلم على مهل ومررت بصندوق أزرق مُقسم إلى جيوب مرقمة تلوح منها أطراف جرائد، فنظرت إلى الأرقام وفهمت بأن الشقة رقم 48، لابُد وأن تكون في الطابق التالي. وعلى باحة الطابق الآخر إلتقطت أنفاسي بعد أن لهثت، لآني لم أعتد ارتقاء السلالم. ثم إنني لم أتخلص من شعور غريب يُلاحقني طوال الوقت، وكآني أريد استعطاف أحداً، أو أنني مُذنب في شئ ما فعلته.

 كان طبيعي انفعالي وقلقي وأنا أفهم ذلك تماماً رغم محاولاتي تهدئة نفسي، فربما كان من الأفضل أن تم هذا اللقاء قبل عدة سنوات، ولكن. هل كنت أعلم عنه شيئاً بمثل هذا الوضوح؟.

وجدت باب الشقة رقم 48 إلى اليسار وهو كسائر الأبواب هنا. مطلي بدهان زيتي وفي أعلاه رقم الشقة التائه وأمام عتبته وجدت بُساطاً صغيراً نظيفاً. فوضعت الحقيبة والتقطت أنفاسي وتغلبت على ترددي ثم طرقت الباب بلطف بإصبعي المعقوف وانتظرت لحظة ثم طرقت من جديد، وفي الإثر خُيل لي أنني أسمع صوتاً من الداخل، فأنصت بانتباه وفهمت أنه صوت المذياع، فطرقت الباب مرة أخرى واستجابة لهذا الطرق فُتح باب الشقة 47 المجاورة ونظرت لي من عتبة باب الشقة إمرأة تمسح يديها على عجل بطرف ثوبها، ثم نظرت مُتحيراً إلى الباب لأجد زر الجرس، وفي تلك الأثناء إجتازت المرأة عتبة شقتها وضغطت بنفسها على الزر الأسود للشقة رقم 48 الذي لا يكاد يًرى على ضلع الباب.

شكرت المرأة في الوقت الذي أخذ يرن وراء باب الشقة رقم 48 صوت الجرس الحاد ثلاث مرات، إلا أن باب الشقة التي أقصدها لم يفتحه أحد، فقالت المرأة "لا أحد في الشقة، في الصباح كانت الصغيرة تلعب في الحديقة، ولكني لا أراها الآن". وهكذا أسقط في يدي وملت متعباً على درابزين السلم وتحسرت على ضياع الصحة وفورة الشباب وتذكرت أيامي الخوالي لما كنت شاباً وسيماً ممشوق القوام فارع الطول، بعينان واسعتان بين الرمادي الفاتح والأزرق السماوي، وربما كان سبب اتساع عيناي أنني لم أكن أنام تماماً طوال الزمان الذي كنت مُهدداً فيه، وقد تكون العينين نفسهما أدركتا ما كان يحيق بهما من مخاطر، فأبت كل منهما إلا أن تظل يقظة، فما كان لي إلا أن أطاوعهما. ولكن الشئ الوحيد الذي حيرني ولا يزال، أن شاباً كان يعيش طفولته متكوراً على نفسه من ذُعر الحرب، كيف يمكن أن تكون له قامة كقامتي؟. المهم لم يخطر ببالي قط أن أهل الشقة رقم 48 يمكن أن يغيبوا عنها ويذهبوا إلى مكان ما. وعلى العموم ذلك شئ طبيعي، فأنا شخصياً لا أتواجد في دارتي طوال الوقت. إذن. لا جدوى من الإنتظار هنا لحد لا يعلم به إلا الله. وهكذا نزلت على السلم تشيعني الجارة بنظراتها قبل أن تغلق بابها، وفكرت بأن أصحاب الشفة رقم 48 ربما ذهبوا إلى مباراة كرة القدم، أو إلى المُتنزه، أو إلى السينما، أو إلى المطعم، أو غيرها من أماكن حلوة تزخر بها"بيروت"، أو في زيارة لأحد الجيران، أو أحد الأصدقاء، أو أحد أقرباء زوجة طير الوروار. وهل كنت آمل بأنهم سيبقون بانتظاري في الدارة، لما يقرب من خمسة وثلاثين سنة بالتمام والكمال؟.

هبطت على السلم المنحدر بستة انعطافات وخرجت من الدارة وأثناء مروري قطعت العجوزتان حديثهن حال ظهوري وحملقتا بي من جديد وباهتمام مفرط هذه المرة وكآنني كائن فضائي، ولكنني لم أشعر هذه المرة بعدم الإرتياح كما في المرة السابقة، فألقيت عليهما السلام، وبعدئذ توقفت على حافة الممشى متأملاً فيما يتعين فعله، هل ينبغي الإنتظار، لا سيما وأني أشعُر بحاجة إلى الجلوس بعد الصعود والهبوط على السلم. أم أعود أدراجي دون أن ألتقي بطائر الوروار؟.

author-img
عزت عبد العزيز حجازي - المُحامي

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent